Top
Image Alt

الكاتب

  /  الكاتب

الكاتب

أعوان القاضي كثيرون؛ لأن القاضي يحتاج حتى تتمَّ مهمته على الوجه الأكمل إلى أن يعاونه بعض الناس، هؤلاء الناس من شأنهم إذا أحسن اختيارهم أن يريحوا القاضي، ويوفروا جهده ووقتَه للهدف الأساسي والوظيفة التي عُين من أجلها، وهي تحقيق العدل بالفصل بين الخصومات، وإنهاء النزاعات.

فالقاضي يحتاج إلى كاتب يكتب عنه، ومحضر يحضر له المطلوبين للمثول أمامه من الشهود ونحوهم، ويطلب أيضًا الموثق الذي يوثق السجلات ويحفظها للقاضي عند الطلب، ويحتاج إلى الشرطة من رجال البوليس وغيره؛ لتنظيم المحكمة ومجلس القضاء، ويحتاج إلى الحاجب الذي ينظم له دخولَ الناس عليه، ويناديهم للمثول بين يديه، ويحتاج إلى المستشارين الذين يستشيرهم من أهل العلم والفضل، ولهم الخبرة السابقة، فيعرض عليهم ما يعترضه من قضايا قد تكون غامضة عليه، وكذلك أهل الخبرة والاختصاص لأمور قد لا يكون للقاضي علم بها، كالخبير في الطب، أو الهندسة، أو الأصوات، أو الخطوط، أو ما إلى ذلك.

فأعوان القاضي كثيرون جدًّا، فيستحقون أن نقف معهم بعض الوقت؛ لنعرف مهمة كل منهم والوظيفة التي يؤديها ومن خلالها وفي أثنائها يخدم القضاء، ويريح القاضي، ويهيئ الظروف له؛ حتى يحكم بالعدل والقِسطاس المستقيم.

أولًا: الكاتب:

يقول جمهور الفقهاء: إنه يستحب للقاضي أن يتخذ كاتبًا؛ لأنه من هيبة المنصب بالإضافة إلى ما فيه من عون وإسعاف، بل إن المعتمد -عند المالكية- هو وجوب اتخاذ القاضي للكاتب، أي: ليس الأمر واقفًا عند مجرد الهيبة والاستحباب ومعاونة القاضي، بل هذا واجب عليه.

فالكتابة توجبها المصلحة، وتفرضها صيانة الحقوق، فهي من باب السياسة الشرعية، وحتى يتفرغ القاضي لأداء واجبه كما ينبغي، ولأن حفظ الدعاوى والبينات والإقرارات وما يتعلق بالأوقات بالمحافظة على أصولها، وتنمية فروعها، وكتابة كتب لتعيين الأوصياء والصكوك، وتقدير النفقات للأيتام وغيرهم، وتدوين محاضر الجلسات وتنظيمها والمحافظة عليها؛ ليتمكن القاضي من الرجوع إليها عند الحاجة، كل هذا بدون كاتب متعسر، أو متعذر أن يقوم به القاضي وحده؛ بل لا بد من اتخاذ كاتب يستعين به القاضي في عمله.

ولا غرو في هذا, فقد اتخذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا من الكَتَبة للوحي، بلغ بعضهم -عند مَن تتبع عَدَّ هؤلاء الكتاب- إلى أكثر من أربعين كاتبًا، يأتي في مقدمتهم سيدنا زيد بن ثابت وغيره من أجلاء الصحابة، كسيدنا معاوية، وسيدنا عمرو بن العاص، وغيرهم كثير جدًّا.

أيضًا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين اشتغلوا بالقضاء يتخذون كاتبًا، من هؤلاء مثلًا: ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأحد الولاة: “ينبغي عليك ألا تتخذ كاتبًا من أهل الكتاب”, أي: سيدنا عمر لا مانع عنده -بل هذا هو الأفضل- أن يتخذ القاضي كاتبًا له، لكن على ألا يكون هذا الكاتب غير مسلم، فيجب أن يكون مسلمًا من وجهة سيدنا عمر، وإن كان الفقهاء بعد ذلك اختلفوا: هل يجوز أن يكون غير مسلم, ما دام القاضي في النهاية سيقرأ ما يكتبه هذا الكاتب ويراجعه، ويقرّ ما فيه مصلحة المسلمين، ويرفض ما فيه أدنى إساءة إلى مصالح المسلمين.

قال ابن كثير -رحمه الله- معقبًا على ما رُوي من أن سيدنا عمر أنكر على أبي موسى أن يتخذ كاتبًا من غير المسلمين: ففي هذا الأثر مع هذه الآية التي تلاها سيدنا عمر, وهو قوله سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران: 118], في هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها اطلاع على أسرار المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يُخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، قال تعالى: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}.

وعقَّبَ القرطبي -رحمه الله- على هذا الخبر بقوله: فلا يجوز استكتاب أهل الذمة, ولا غيرهم ممن توحي تصرفاتُهم بأنهم قد يطلعون على أسرار المسلمين، ورُوي أن أبا موسى استكتب ذميًّا، فكتب إليه عمر يعنّفه، وتلا عليه هذه الآية التي ذكرناها: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}.

وقَدِمَ أبو موسى الأشعري على عمرَ رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر، فأعجبه، وجاء عمر كتاب، فقال: “أين كاتبك يا أبا موسى, يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد، فقال: لِمَ؟ أجنبٌ هو؟ قال: إنه نصراني، فانتهره -أي: زجره عمر- وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله”.

على أي حال، من المؤكد أنه يُستحسن أن يكون مسلمًا، وإن كان بعض العلماء اشترط أن يكون الكاتب مسلمًا؛ لكن في ذلك خلاف، فالكاتب يُشترط فيه عدة شروط:

الشرط الأول: بعض العلماء قال: يشترط فيه الإسلام؛ فلا ينبغي اتخاذ كاتب غير مسلم كاليهودي والنصراني والمجوسي والبوذي، وجميع ملل أهل الشرك, ولأن الإسلام من شروط العدالة، والعدالة شرط في الكاتب، لكن يروى أيضًا: أن بعض المالكية لم يشترط هذا الشرطَ، خصوصًا إذا احتاج المسلمون إلى عمله -عمل غير المسلم- وكان أمينًا، وما يُخشَى مِن أنه سيفشي بعض أسرار المسلمين مدفوعٌ بأن القاضي سيقرأ ما سيكتبه هذا الكاتب، فإن رأى فيه أي ضرر محاه. على أي حال، الإسلام شَرْطٌ عند كثير من الفقهاء.

الشرط الثاني: العدالة: فقد قال جمهور الفقهاء بوجوبها؛ لأن الكتابة من باب الأمانة، والأمانة لا يقوم بها إلا العدل العفيف الصالح، وعند الشافعية وجهان -اشتراط الإسلام والعدالة في الكاتب-:

أحدهما: ما ذكره الجمهور.

والثاني: أن الإسلام والعدالة ليسَا بشرط في الكاتب، بل هما مستحبان، فتكون الآية -من وجهة نظر هذا التوجه- محمولةٌ على حالة عدم الوثوق؛ لِمَا ثبت من استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية يوم هوازنَ, وآخرين معه من طُلقاء مكة.

إذًا: يشترط في الكاتب أن يكون مسلمًا، وأن يكون عدلًا، كما يشترط فيه الأهلية الكاملة بأن يكون بالغًا عاقلًا تجوز شهادته؛ لأنه قد يحتاج القاضي إلى شهادته.

شروط أخرى مستحبة عند بعض الفقهاء, يستحبون أن تتوافر في الكاتب:

منها: الفقه، فمن الأولى بالكاتب أن يكون فقيهًا؛ ليعرف كيف يعبّر عن المعاني تعبيرًا صحيحًا، سواء أكان في الدعاوى، أم في البينات، أم في مكاتبات القاضي، أم في السجلات.

ومنها: استحب بعضهم أن يكون صحيحَ الضبط، حافظًا، واعيًا لما يسمع، فيسجله كما سمع حتى لا يفسد ما يكتبه بجهله، بالإضافة إلى العقل -بمعنى: الفطنة والذكاء- والورع، وأن يكون خطه جيدًا، وألا يقع في اللحن، أي: يستحب أن يكون متقنًا للغة العربية؛ حتى لا يقع في اللحن أثناء الكتابة، فتشتبه الأمور بعضها ببعض.

ومنها: جودة الخط فهي مهمة حتى يقرأ بعد ذلك بسهولة، وكذلك ضبطه من حيث اللغة، فلا يلحن؛ لأن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ثبت أنه عندما لحن الكاتب أمر بأن يضرب سوطًا واحدًا. وفي الواقع أن هذا أمرٌ يثير الإعجاب في النظام القضائي عند المسلمين، ففيه حِفاظ على سير القضاء وحسن أدائه، وفيه أيضًا محافظة على اللغة العربية، اللغة الشريفة التي هي لغة الكتاب والسنة. إذًا: أول مَن يستعين بهم القاضي الكاتب.

error: النص محمي !!