Top
Image Alt

الكتابات في عهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة

  /  الكتابات في عهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة

الكتابات في عهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة

 روى البخاري حديث: ((اكتبوا لأبي شاه)) أو ((لأبي فلان)) وحديث: “أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هم بكتابة حديث قبيل موته”، وهو لا يهم بذلك إلا إذا كان مبيحًا لكتابة السنة.

وأيضًا روى البخاري بسنده عن وهب بن منبه عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: “ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب”. ويقول البخاري: تابعه -يعني: وهب بن منبه- معمر أي: ابن راشد، عن همام، عن أبي هريرة.

وإذا كان حديث أبي شاه يحتمل أن يكون إذن الكتابة له خاصًّا؛ لأنه كان أميًّا وكان أعمَى، فإن هذا الحديث بطرقه التي ذكرها البخاري وغيره أقوى في الاستدلال للجواز؛ لأن ابن عمرو لم يكن أميًّا ولم يكن أعمى.

وروى البخاري بسنده عن أبي جحيفة، قال: “قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، وفَهْمٌ أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلتُ: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل -يعني: الديات- وفِكاك الأسير، ولا يُقتل مسلم بكافر”، وفِكاك الأسير أي: الحض على فكاك الأسير.

هذه الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها إن لم تدل على أن حديث أبي سعيد غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها تقضي بتأويله والجمع بينه وبينها، والذي يُحتمل هو أن حديث أبي سعيد منسوخ، وقد نسخته هذه الأحاديث التي تبين إباحة الكتابة، أو أن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشيةَ التباسه بغيره، أما بعد ذلك فكان الإذن بالكتابة، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن في شيء واحد، والإذن في كتابة الأحاديث بعيدة عما يكتب فيه القرآن، أو أن النهي خاص بمن خشي عليه من الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لِمَن أُمِنَ منه ذلك.

ونعرج على الكتابات في عهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، فعلى أية حال قد فهم الصحابة -باستثناء أبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري- أنه لا مانع من كتابة الأحاديث وتوثيقها بهذه الكتابة، وقاموا بتنفيذ ذلك، ومما روي لنا في هذا الصدد: أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتب صحيفة سماها “الصادقة” وكتب أبو بكر لأنس بن مالك “فرائض الصدقة” التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عمر بن الخطاب قال: “قيدوا العلمَ بالكتاب”، وصح مثله عن أنس، وقد تقدم أن عند علي صحيفة فيها: العقل، وفكاك الأسير، والنهي عن قتل المسلم بالكافر، وهي صحيفة تحتوي على كثير من الأحاديث.

وروى أبو خَيثمة في كتاب العلم له بسنده الصحيح عن علي رضي الله عنه أنه قال: “من يشتري مني علمًا بدرهم؟”. قال أبو خيثمة: يقول: يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم، وزاد ابن سعد في روايته: “اشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا”، ومما يدل على أن حديث علي رضي الله عنه كان مكتوبًا أن ابن أبي مليكة كتب إلى ابن عباس وسأله أن يكتب له كتابًا ويخفي عنه، فقال: “ولد ناصح، أنا أختار له الأمور اختيارًا وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه ما شاء.

وكما يقول بعض الباحثين: هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السنة.

وكذلك ثبت أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال لبنيه: “يا بني، إنكم اليوم صغار قوم أوشك أن تكونوا كبار قوم، فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فليكتبه”. وفي رواية زاد: “وليضعه في بيته”.

وكتب ابن عباس، وتلاميذ أبي هريرة، وكتب سمرة بن جندب لبنيه صحيفةً فيها حوالي مائة حديث، وكتب جابر بن عبد الله صحيفة اشتهرت فيما بعد بـ”صحيفة جابر بن عبد الله”. وروي أن أبا أمامة الباهلي أجاز العلم، وجمعت أسماء بنت عميس بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم وكتب عبد الله بن أبي أوفَى حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسله إلى بعض أصحابه.

والروايات في هذا كثيرة، ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا كان اتجاهًا عامًّا، لكن السؤال هو أنه قد روي أن بعضهم نَهَى عن الكتابة، فكيف يكون هذا اتجاهًا عامًّا؟.

نقول: لعلنا قد لمسنا أن بعض من قيل: “إنهم كرهوا الكتابة”، قد ثبت من الروايات عنهم أنهم أجازوها أو كتبوا، مِمَّا يجعلنا نرى أن الكراهة كانت في بعض الحالات وليست في جميعها، وهذه الأخبار نفسها -التي تحمل الكراهةَ من بعض الصحابة- تحمل في طياتها ذلك الاتجاه العام إلى كتابة الأحاديث، والإلحاح من أجل كتابتها والإحساس بتلك الكتابة، فهذا عمر رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها، هكذا تقول الرواية، وهذا أبو بكر هم بجمع السنن فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى أن يحرقها؛ ليس لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم نهى عنها، ولكن خاف أن تؤثر عنه وتنقل وقد يكون فيها حديث غير صحيح. وهذا هو أبو سعيد الذي روى الحديث المرفوع في كراهة الكتابة، وروي عنه غيره من الموقوفات يُلح دائمًا عليه تلاميذه: إنا نخاف أن نزيد أو ننقص، فلو أننا كتبنا، ويذهب الأمر بابنه إلى أن يخالف أباه ويكتب حديثه، والعجيب في الأمر أنه مع هذا الإلحاح لا نرى أبا سعيدًا يرى علةً لهذا المنع، إلا أنه لا يريد أن يجعل الحديثَ كالقرآن في مصاحف، ويريد لهم أن يحفظوا كما حفظ هو وغيرُه من الصحابة، ولكنه لا يذكر أن العلة هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.

error: النص محمي !!