Top
Image Alt

الكتابة في الأندلس، وفنونها، وسماتها

  /  الكتابة في الأندلس، وفنونها، وسماتها

الكتابة في الأندلس، وفنونها، وسماتها

إذا تحدثنا عن الكتابة في الأندلس فإننا نذكر أن الكتابةَ الأندلسيةَ اتسمَتْ بعدة سماتٍ، وظهرت فيها عدةُ ظواهر، منها: أنهم ضمَّنُوا كلامهم كثيرًا من الحِكْمَةِ أو الشعرِ المشهور، وأنهم يقتبسون في كتابتهم من القرآن الكريم وحديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقد يبالغون في حشوِ رسائِلِهِم بالحِكَم والأمثال، كما فعل ابن زيدون في بعض رسائله، وأحيانًا أيضًا يبالغُون في الاقتباس من القرآن الكريم حتى تكون الرسالة كأنها أجزاءٌ من الآيات.

ومن ذلك أيضًا: أنهم يُكثرون في رسائِلِهم من الإشارةِ إلى حادثةٍ تاريخيةٍ أو يومٍ مشهودٍ، وإذا لم يكن القارئُ عالمًا بهذه الحادثةِ أو هَذَا اليوم؛ فإنه يشعرُ بغموضِ المعْنَى المقصود، وَمِن ذلك أيضًا ما شَاعَ في كتابَاتِهِم من التوريةِ بأسماءِ العلومِ ومصطلحاتِهَا، وأحيانًا يتوسَّعُونَ في هذا المجال أيضًا؛ فلا يكتفون بالإشارةِ الظاهرةِ والمصطلحِ الشائعِ، بَلْ يتدرجُونَ إلى ما يستعْصِي عَلَى غَيْرِِ المتخصصين في هذِهِ العلومِ التي يستخدمونَ مصطلحَاتِهَا.

وشاع في كتابتهم أيضًا الإطنابُ والترادفُ الكثير، وأحيانًا نجدهم يلتزمونَ السجعَ، ويكثرون من الجِنَاسِ والمحسنات البديعية في رسائِلِهم، والكتابةٌ أنواع؛ فعندنا الكتابة الرسائل الإخوانية وهي التي تكون بين الأصدقاء أو بين القرناءِ، يعاتبون بعضَهُم، أو يهنئون بعضهم، أو يعربون عن الشوق و الحنين إلى اللقاء فيما بينهم، هذه هي الرسائل الإخوانية. فيها تظهر عاطفة الإخوة والصداقة والمحبة والمودة بين الأصدقاءِ والإخوانِ.

وعندنا الرسائلُ الديوانيةُ التي تُكْتَبُ على لسانِ الأميرِ أو تصدر من ديوان من الدواوين، يُخَاطبُ بها أحد العمال أو جند أو القادة أو يخاطب بها جمهور الناس، هذه تسمى الرسائل الديوانية. وعندنا كذلك المقامات، وعندنا أيضًا الكتابةُ الإبداعيةُ الخالصةُ.

من الكتابة الإبداعية الخالصة:

الكتابة الإبداعية الخالصة التي تُكْتَبُ في وصفِ الطبيعةِ مثلًا يعبر فيها كاتبها عما يُحِسُّه في نفسِهِ حِيَالَ منظرٍ بديعٍ من المناظرِ. من ذلك مثلًا رسالة في وصف رياضٍ بعد أن نزل المطرُ، لابن خفاجة الأندلسي يقول فيها:

“وَلَمَّا أَكَبَّ الغَمَامُ إِكْبَابَا، لَم أَجِدْ مِنْهُ أَغْبَابَا، واتَّصَلَ المَطَرُ اتِّصَالَا، لَم أُلْفِ مِنْهُ انْفِصَالَا، إذًا الله تعالى للصَّحْوِ أن يُطْلَعَ صفحته، وينشرَ صحيفتَه، فقَشَعَتْ الريحُ السحاب، كما طَوَى السِجِّلُ الكتاب، وطَفِقَتِ السمَاءُ تَخْلَعُ جَلْبَابَهَا، والشمسُ تُمِيْطُ نِقَابَهَا، وطلعت الدنيا تبتهج كأنها عروسٌ نَجِلَتْ وقد نَحِلَتْ، فذهبت في لُمَّةِ الإخوان نستبق إلى الراحة رَكضًا، ونطوي للتفرج أرضًا، فلا اندفعُ إلَّا إلى غديرٍ نميرٍ، قد استدارت منه في كلِّ قرارةِ ماءٍ، سحابةٌ غَمَّاء، وانساب في تلْعَتِهِ حُبَابَ، فتردْدنا بتلك الأباطحِ، نتهادى تهادي أغصانِهَا، ونتضاحكُ تَضَاحك أقحوانها، وللنسيم أثناء ذلك المنظر الوسيم، تَرَسُّلِ مشيٍّ على بساطِ وشيٍّ، فإذا مَرَّ بغديرٍ نسجه درعًا، وأحكمه صُنعًا، وإن عَثَرَ بجدولٍ شَطَبَ منه نصلًا، وأخلصه صقلًا، فلا ترى إلَّا بطاحًا مملوءةً سلاحًا، كأنما انهزمت هنالك كتائب، فألْقَتْ بما لبسته من درعٍ مصقولٍ وسيفٍ مسلولٍ”.

هذه قطعة أدبية في وصف الرياض في إثرِ المطر الذي سقاها وغسلها، ويصف الكاتبُ انطباعَهُ في هذا الموقف، ويصف ما حدث من المطر، وما حدث من انقطاع هذا المطر وطلوع الشمس في لغةٍ أدبيةٍ بارعةٍ.

من الرسائل الإخوانية: ما كتبه عبد الرحمن محمد بن طاهر، وهو من كُتَّابِ مُلوكِ الطوائفِ إلى رجلٍ يسمى المأمون ذي النون يشكره على مراسلة, يقول في رسالته:

“الآن أيدك الله عاد الشباب خيرَ معادِهِ، وابْيَضَّ الرجاء بعد سوادِهِ، وتَرَكَ الزمانُ فَضْلَ عنانِهِ، فلله الشكر المرددُ بإحسانِهِ، وافاني أعزَّك الله كتابٌ كريمٌ، كما طرَّزَ البدرُ النهر، أو كما بلَّلَ الغيثُ الزهر، طوقتَنِي به طوقَ الحمامةِ، وألبستني به ظِلَّ الغمامة، وأَثْبَتَّ لي فوق النجوم منزلة، وأريتني الخطوبَ عني نائيةً ومعتزلةً، فوضعته على رأسي إجلالًا، ولثمت سطورها احتفاءً واحتفالًا، وناولنيه الوزير الكاتب أبو الحسن عبدُك ونصيحُكَ أعزه الله، وبشَّرَ بدنوِّ الدار، وأشار إلى ما لديك كما يشار إلى النهار، ويعلم الله أني ما أَعُدُّنِي إلا شيعة، ولا أرى وُدَّكَ إلا دينًا وشريعةً، فإنك الموثوقُ بوفائِهِ وشرفِهِ، والمسكون إلى برد أمنه وتَرَفِهِ، الذي لَا تجد الأيامُ الفضلَ متممًا إلَّا لدَيْهِ، ولَا تعقد الأحرارُ الأصفاقَ إلَّا عَلَيْهِ، ولن أزال العَاِلَم بحقِّكَ ومقْدَارِك، الناظمَ في سلكِكَ واختيارك إن شاء الله تعالى”.

فهذه رسالة تعبر عن الود والإخلاص، وتشكر المخاطب على رسالة التي أرسلها إلى الكاتب، وهكذا تكون الرسائل الإخوانية مهتمَّةً بهذِهِ المعانِي.

من نماذج المقامات: مقامةٌ تنسب للسان الدين بن الخطيب يصف فيها مدينة مكناسة، وهذه المقامة تسمى “مقامة البلدان” يقول فيها:

“مكناسةٌ مدينةٌ أصيلةٌ، وشعبٌ للمحاسن والفضيلة، فضَّلها الله تعالى ورعَاهَا، وأخرج منها ماءها ومرعَاهَا، فجنابُهَا مَرِيع، وخيرها سريع، اعتدل فيها الزمان، وانسدَلَ الأمانُ، وفاقت الفواكهَ فواكُهَهَا ولا سيما الرُّمَّان، وحفظ أقواتها الاختزان، ولطفُت فيها الأواني والكيزان، ودَنَا من الحضرة جوارُهَا فكثر قُصَّادُهَا من الوزراء وزوارها”.

النثر التأليفي:

النثر التأليفي نمطٌ آخر غير الكتابةِ الديوانيةِ، وغير الرسائل الإخوانية، وغير الرسائل الإبداعية التي تكتب لوصفِ الطبيعةِ وغيرِ ذلك، فالنثرُ التأليفيُّ المقصودُ به الكتب التي ألَّفَهَا الأدبَاءُ والعلماءُ الأندلسيون كـ(العقد الفريد) مثلًا لابن عبد ربه، وكـ(طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي… وغيرهما من الرسائل والكتب التي ألَّفَهَا هؤلاء الأدباء؛ يرصدون فيها الظواهر الاجتماعية والأدبية، ويحلِّلُونَ، ويجمعون الأخبار، ويُعَلِّقُون عليها، ومن هذا النثر التأليفي مثلًا ما جاء في مقدمة كتاب (الشفا) للقاضي عياض. وهذا الكتاب في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقول في المقدمة: “أما بعد؛ أشرق الله قلبي وقلبك بأنوارِ اليقين، ولطُفَ لي ولك بما لطف بأوليائه المتقين الذين شرَّفهم الله بنزل قُدُسِه، وأوحشهم من الخليقةِ بأنسِهِ، وخصَّهُم من معرفتِهِ ومشاهدةِ عجائبِ ملكوتِهِ وآثار قدرته بما ملأ قلوبهم حبرة وولَّه عقولهم في عظمتهم حيرة، فجعل همهم به واحدًا، ولم يروا في الدارين غيرهم مشاهدًا، فهم بمشاهدة جمالِهِ وجلالِهِ يتنعمون، وبين آثار قدرتِهِ وعجائب عظمته يترددون، وبالانقطاع إليه والتوكل عليه يتعزَّزُون، لاهجين بصادق قوله: {قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون} [الأنعام: 91] فإنك كررت عليك السؤال في مجموعٍ يتضمن التعريف بقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم وما يجب له من توقيرٍ وإكرام”. ومن هذا أيضًا ما جاء في كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربه، يقول عن السلطان:

“السلطانُ زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوامُ الحدود، والقطبُ الذي عليه مدارُ الدنيا، وهو حِمَى الله في بلادِهِ، وظله الممدود على عباده، به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومُهم، وينقمع ظالِمُهُم، ويأمن خائفهم. قالت الحكماء: إمامٌ عادلٌ خيرٌ من مطرٍ وابلٍ، وإمامٌ غشومٌ خيرٌ من فتنةٍ تدوم، وما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن.

وقال وهب بن منبه: فيما أنزل على نبيه داود #: “إني إنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن كان لي على طاعة جعلت الملوكَ عليهم رحمة، وَمَن كَانَ لي على معصية جعلت الملوكَ عليهم نقمة، فحق على من قلَّدَهُ الله أَزِمَّةَ حكمه، وملَّكه أمور خلقه، واختصه بإحسانه، ومكَّنَ له في سلطانه أن يكون من الاهتمام بمصالح رعيته، والاعتناء بمرافق أهل طاعته؛ بحيث وضعه الله من الكرامة، وأجرى عليه من السعادة. قال الله عز وجل: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج: 41]”.

ومن نماذج النثر التأليفي أيضًا: ما جاء في كتاب (طبقات الأمم) لصاعدِ بن أحمد بن صاعد؛ إذ يقول: “وأما الأندلسُ، فكان فيها أيضًا بعد تغلب بني أمية عليها جماعة عنيت بطلب الفلسفة، ونالت أجزاءً كثيرةً منها، وكانت الأندلس قبل ذلك في الزمان القديم خاليةً من العلم، لم يشتهر عند أهلها أحدٌ بالاعتناء بِهِ، إلا أنه يوجد فيها طلسمات قديمة في مواضعَ مختلفةٍ منها، وقع الإجماع على أنها من عمل ملوكِ رومية؛ إذ كانت الأندلس منتظمةً بمملكتهم، ولم تزل على ذلك عاطلةً من الحكمة إلى أن افتتحها المسلمون في شهرِ رمضان سنة اثنين وتسعين، فتمادت على ذلك أيضًا لا يُعْنَى أهلها بشيءٍ من العلوم إلا بعلوم الشريعة وعلم اللغة، إلى أن توطَّدَ الملك لبني أمية بعد عهد أهلها بالفتنة، فتحرك ذوي الهمم منهم لطلب العلوم، وتنبَّهُوا لإشارة الحقائق”.

ومن ذلك أيضًا ما جاء في كتاب (الاعتصام) للإمام الشاطبي؛ حيث يقول:

“ومما يتعلق به المتكلفين أن الصوفية هم المشهورون باتباع السنة، المقتدون بأفعال السلف الصالح، المثابرون في أقوالهم وأفعالهم على الاقتداءِ التامِّ، والفرارِ عما يخالف ذلك؛ ولذلك جعلوا طريقتهم مبنيةً على أكل الحلال واتباع السنة والإخلاص، وهذا هو الحق، ولكنهم في كثيرٍ من الأمور يستحسنون أشياءَ لم تأتِ في كتاب ولا سنة، ولا عمل بأمثالها السلف الصالح، فيعملوا بمقتضاها، ويثابروا عليها ويحكموها طريقًا لهم مَهْيَعًا، وسُنَّةً لا تُخْلَف، بل ربما أوجبوها في بعض الأحيان”.

وأنت تلاحظ أن النثر التأليفي يعبر عن رأيٍ ولا يعبر عن عاطفة، والفكرُ والعقلُ فيه أكثر من المشاعر؛ لأنه لا يُعَبِّرُ عن مشاعر وعواطف، وإنما يهتم بالأفكار والمعارف، وتلاحظ أيضًا أنه يتخفف من السجع والجناس والزينة البديعية؛ لأن الاهتمام فيه -كما قلت- يكون بالفكرة أكثر.

error: النص محمي !!