Top
Image Alt

الكلام على حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))

  /  الكلام على حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))

الكلام على حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))

التعليق على حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة)):

أ. سياق الحديث الوارد في ذلك: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدًا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)) وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة))، وزاد همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه وتر يحب الوتر)).

ب. ذكر معنى الإحصاء الوارد في الحديث:

ذكر الخطابي -رحمه الله- أربعة أوجه حول معاني ((من أحصاها)):

المعنى الأول: العد كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجـن: 28] فيكون معنى أحصاها في الحديث أنه يعدها ليستوفيها حفظًا فيدعو ربه بها، وقد استدل على صحة هذا التأويل بما ورد في رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة غير واحد، من حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)).

قال الخطابي عند هذا الوجه: وهو أظهرها، وقال النووي -رحمه الله: قال البخاري، وغيره من المحققين: معناها: حفظها، وهو الأظهر لثبوته نصًّا في الخبر وهو قول الأكثرين، وقال ابن الجوزي لما ثبت في بعض طرق الحديث من حفظها بدل من أحصاها: اخترنا أن المراد العد، أي: من عدها ليستوفيها حفظًا. واعترض الحافظ ابن حجر -رحمه الله- على هذا الوجه وقال: وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ من حفظها تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي.

المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله عز وجل: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] أي: لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((استقيموا، ولن تحصوا)) أي: لن تطيقوا كل الاستقامة، فيكون معنى أحصاها في الحديث أي: يطيقها بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الربسبحانه وتعالى بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم، فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله عز وجل فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، كقوله عز وجل: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، فإذا قال القائل أيضًا: السميع البصير، علم أن الله لا يخفى عليه خافية، وأنه بمرأى من الله ومسمع، فيخافه في سره وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله؛ ولذلك قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: “قيل: معنى أحصاها: عمل بها، فإذا قال: “الحكيم” مثلًا، سلم جميع أوامره؛ لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: القدوس، استحضر كونه منزهًا عن جميع النقائص، قال الحافظ: وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل -رحمه الله- وقال ابن بطال: “طريق العمل بها: أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فليمرن نفسه على أن يصح له الاتصاف بها”.

المعنى الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى: العقل، والمعرفة، وهذا المعنى مأخوذ من الحصاة وهي: العقل، قال طرفة:

وإن لسان المرء ما لم تكن له

*حصاة على عوراته لدليل

فيكون الإحصاء هنا بمعنى العقل والمعرفة، والعرب تقول: فلان ذو حصاة أي: ذو عقل ومعرفة بالأمور، فيكون معنى أحصاها أي: من عرفها وعقل معانيها يعني: فهمها وآمن بها دخل الجنة، وحول هذا المعنى يذكر أبو عمرو الطلمنكي-رحمه الله- يقول: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته، التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكرها وما تدل عليه من المعاني.

وهذا المعنى الثالث من الممكن أن يدخل تحت المعنى الثاني؛ لأن من عرف معاني هذه الأسماء والصفات، وما تضمنته من فوائد، وما دلت عليه من حقائق، لا شك أنه إذا قام ذلك بقلبه، قام بهذه المعاني عملًا بها، فيكون بذلك قد تحقق فيه المعرفة والفهم لأسماء الله الحسنى وصفات الله العلى ويكون بذلك قائمًا بأوامر الله عز وجل عاملًا بمقتضى هذه الأسماء، وما تدل عليه.

المعنى الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه، فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة؛ فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه؛ فقد استحق دخول الجنة، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: وقيل: المراد بالحفظ: حفظ القرآن لكونه مستوفيًا لها، فمن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود، وقال النووي: -رحمه الله: هذا ضعيف، وقيل: المراد من تتبعها من القرآن.

هذه هي معاني الإحصاء التي ذكرها الخطابي -رحمه الله- والحق والصواب: أن الإحصاء شامل لهذه الأمور جميعها؛ فلا بد من الجمع بين الإحصاء النظري المتمثل: في العلم بها وحفظها وحفظ النصوص الدالة عليها، والإحصاء الفقهي المتمثل: في فهم معانيها ومدلولاتها والإيمان بآثارها، والإحصاء العملي: الذي هو العمل بمقتضاها ودعاء الله بها.

جـ. مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى:

  1. المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعدها أي: حفظها.
  2. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
  3. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}.

هذه المراتب هي في الحقيقة تحقيق لمعاني أسماء الله الحسنى حتى يدركها العبد، ويعمل بها، والدعاء الذي ذكرته في المرتبة الثالثة، هنا له مرتبتان:

إحداهما: دعاء ثناء وعبادة.

والثاني: دعاء مسألة وطلب.

فلا يثنى على الله عز وجل إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل سبحانه وتعالى إلا بها، فلا يقال مثلًا: يا موجود، أو يا شيء، أو يا ذات: اغفر لي وارحمني، لأن: الموجود، والشيء، والذات، ليست من أسماء الله الحسنى، وإن كنا نخبر عن الله عز وجل وعن وجوده بقولنا: موجود ويستحب للإنسان أن يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، كأن يقول مثلًا: يا غفور اغفر لي، أو يا رحيم ارحمني، أو يا تواب تب علي، فيكون السائل متوسلًا إليه سبحانه وتعالى بذلك الاسم.

ولا بد من مراعاة الأمور التالية عند ذكرنا لوجوب الإيمان بأسماء الله الحسنى، ومراتبها، هذه الأمور هي:

أولًا: الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة.

ثانيًا: الإيمان بما دل عليه كل اسم منها من المعنى، واحترام ذلك المعنى، وعدم تحريفه.

ثالثًا: الإيمان بما يتعلق به من الآثار، والحكم وغير ذلك.

وأضرب مثالًا على هذا يتضح به الكلام، فأقول مثلًا: اسم الله السميع، اسم من أسماء الله الحسنى وردت به النصوص، فلا بد للإيمان به وتحقيق إحصائه على الوجه المطلوب من: إثبات اسم الله السميع اسمًا لله عز وجل وإثبات ما دل عليه من المعنى الذي نسميه: الصفة، فالله عز وجل متصف بصفة السمع؛ إثبات الحكم، أي: الفعل وهو أن الله سبحانه وتعالى يسمع السر والنجوى.

د. ثمرات إحصاء أسماء الله الحسنى:

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (مدارج السالكين) شيئًا حول ذلك:

  • إثبات الكمال المطلق لله سبحانه وتعالى ومدحه بما ثبت له منها.
  •  دعاؤه سبحانه وتعالى بما ثبت له من هذه الأسماء، فإن من كان له نصيب من معرفة أسماء الله الحسنى، واستقرأ آثارها في الخلق والأمر؛ رأى الخلق والأمر منتظمين بها، أكمل انتظام، والله يحب أسماءه وصفاته، ويحب المتعبدين له بها، ويحب من يسأله ويدعوه بها، ويحب من يعرفها ويعقلها، ويثني عليه بها، ويحمده سبحانه وتعالى أيضًا بها وفي الحديث الصحيح: ((لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه))، ولمحبته سبحانه لأسمائه وصفاته، أمر عباده بموجبها، ومقتضاها، فأمرهم بالعدل، والإحسان، وأن يقوموا بدعائه سبحانه وتعالى بأسماء الله الحسنى وصفات الله العلىسبحانه وتعالى.
  • أن أعرف الناس بأسماء الله وصفاته هم أشد الناس حبًّا لله عز وجل فكل اسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفات الله –سبحانه- تستدعي محبة خاصة بها، لأن أسماء الله كلها حسنى، وهي مشتقة من صفاته، وأفعاله دالة عليها، فهو سبحانه وتعالى المحمود على كل ما فعل، وعلى كل ما أمر، وليس في أفعاله سبحانه وتعالى عبث بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة، والمصلحة، والعدل، والفضل، والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء على الله عز وجل ويدعو جميع المخلوقين إلى الإقبال على الله عز وجل والأمر فيها كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)).
error: النص محمي !!