Top
Image Alt

الكلام على حكم من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره

  /  الكلام على حكم من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره

الكلام على حكم من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره

من نواقض التوحيد: عدم تكفير المشركين أو الشك في كفرهم أو تصحيح مذهبهم:

أولًا: الآيات الدالة على هذا الناقض.

ثانيًا: الأحاديث الدالة على هذا الناقض.

ثالثًا: مسألة تكفير من لم يكفر الكافر.

رابعًا: الكلام على حكم من شك في كفر الكافر.

قلب المؤمن لا يتسع لمحبة المؤمنين ومحبة الكافرين، بل إن قلب المؤمن ينبغي أن يمتلئ بحب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة إخوانه المؤمنين والميل إليهم ومؤازرتهم وموالاتهم، وتصحيح مذهبهم والدفاع عنه ومشاركتهم والتعاون معهم على البر والتقوى لما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

إذا تقرر ذلك، سنتناول ناقضًا جديدًا ذا صلة قريبة بالناقض السابق ألا وهو: تكفير المشركين أو الشك في كفرهم أو تصحيح مذهبهم، فكل من لم يؤمن بأن المشركين الذين يحادون الله ورسوله، ويكفرون بالله، ويطعنون في رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كفار، من لم يؤمن بذلك فهو كافر مثلهم، أو شك في ذلك بأن شك في كفر الكافر الظاهر المعاند للحق، أو شك في أن المشرك الذي يظهر الشرك البواح أنه مشرك فهذا يعد مشركًا، ويعتبر قد نقض توحيده وإيمانه وخرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك والكفر؛ لأن المنافقين الذين كانوا يوافقون المسلمين في النطق بالشهادتين، ويظهرون بعض شعائر الإسلام لم ينفعهم ذلك؛ لأن ميلهم الحقيقي  وموالاتهم التامة إنما كانت للمشركين.

حكم القرآن الكريم عليهم بالكفر والخروج من دائرة الإسلام في آيات، منها: قول الله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] وجب على كل مسلم عرف ذلك أن يحكم عليهم بهذا الحكم الذي حكم الله به عليهم، وصرحت به الآيات الكريمة، وأحاديث السنة القويمة، فمن رفض هذا الحكم، ولم يكفر الكافر أو تسلل إلى ذهنه الشك في كفر الكافر والمشرك أصبح هو مشركًا، ونقض توحيده وإيمانه، وأصبح في دائرة المشركين والكافرين.

أولًا: الآيات الدالة على هذا الناقض:

إذا ظهر من المسلم شرك بالله أو جحود لأمر ثابت في الكتاب أو السن، وتحققت شروط التكفير وانتفت موانعه حكم بكفره وخروجه من دائرة الإسلام وارتداده عن الدين -والعياذ بالله- فيستتاب، فإن تاب وإلا حكم بقلته ووجب على الحاكم المسلم تنفيذ ذلك الحكم، أما إن كان كفر ذلك الرجل غير مخرج من الملة أطلقنا عليه ما أطلقه الشرع من الكفر أو الفسق أو نحو ذلك من الاعتقاد بأنه باق على الإسلام. والذي يهمنا هو: إذا أظهر العبد القول أو الفعل الذي يحكم عليه بموجبه بالكفر هل يجب علينا أن نحكم عليه بالكفر؟ وما موقفنا من ذلك؟.

فالآيات القرآنية المحذرة من موالاة الكفار والركون إليهم، والداعية إلى مباعدتهم والبراءة منهم قاضية بضرورة وأهمية معرفة الكافر والحكم عليه بما آل إليه من الكفر.

فمن الآيات الدالة على ذلك قول الله -تبارك وتعالى-:

  1. 1.    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1]، فهذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين من اتخاذ المشركين أعداء الله أولياء، وهذا من أعظم الدواعي لبيان حال الكافر لاتخاذه عدوًّا والحذر منه وعدم موالاته.
  2. ومنها، قوله الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [التوبة:23].

يقول الإمام ابن كثير –رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “أمر الله تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن استحبوا -أي: اختاروا- الكفر على الإيمان وتوعد على ذلك”. انتهى كلامه رفع مقامه.

  • ومنها، قوله تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22].

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “أي: لا يجتمع هذا وهذا فلا يكون العبد  مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقيقة إلا كان عاملًا على مقتضى الإيمان ولوازمه من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه، وهذا هو الإيمان -على الحقيقة- الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان، أي: رسمه وثبته وغرسه غرسًا لا يتزلزل ولا تؤثر فيه الشبه والشكوك، وهم الذين قواهم الله بروح منه، أي: بوحيه ومعونته ومدده الإلهي وإحسانه الرباني، أما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر وهو مع ذلك مُوَادٍّ لأعداء الله محب لمن ترك الإيمان وراء ظهره فإن هذا إيمان زعمي لا حقيقة له، فإن كل أمر لا بد له من برهان يصدقه فمجرد الدعوى لا تغير شيئًا ولا يصدق صاحبها”. انتهى كلامه.

  • ومنها، قوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُون} [يونس: 41].

يقول الإمام ابن كثير –رحمه الله- في تفسيره هذه الآية: “يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإن كذبك هؤلاء المشركين فتبرأ منهم ومن عملهم فقل: {لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون} [الكافرون: 1، 2] إلى آخرها، وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين: {إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة:4] الآية”. انتهى كلامه.

  • ومنها، قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} [سورة الكافرون].

يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: “هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون وهي آمرة بالإخلاص فيه فقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون} يشمل كل كافر على وجه الأرض ولكن المواجهون بهذا الخطاب كفار قريش”. انتهى كلامه.

ثانيًا: الأحاديث الدالة على هذا الناقض:

وأما الأدلة من السنة فكثيرة، منها:

  • قوله صلى الله عليه وسلم: ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)) رواه أبو داود في سننه، والحاكم في (المستدرك) و حسنه الألباني في (صحيح الجامع).
  • وفي رواية: ((لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا)).
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) رواه أبو داود في سننه، والترمذي في سننه، وصححه الألباني في (صحيح الجامع).
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملًا حتى يفارق المشركين إلى المسلمين)) رواه ابن ماجه، ومسند الإمام أحمد.
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)) رواه مسلم.

يقول الدكتور حسن العواجي معلقًا على هذه الأحاديث: “فدلت الآيات الماضية وما بعدها من الأحاديث على لزوم مباعدة الكفار، والبراء منهم، ومقاطعتهم، ولا شك أن هذا يدعونا إلى تبين معرفة الكافر، واستيضاح حاله؛ ليحكم عليه بالكفر الذي يمكن بمعرفته أن تتم المباعدة؛ ولهذا فإنه يوجد في كثير من كلام أهل العلم تكفير الكافر، وتكفير من لم يكفره؛ بل تكفير من شك في كفره”. انتهى كلامه.

ثالثًا: مسألة تكفير من لم يكفر الكافر:

ذكر كثير من العلماء في كلامهم حول كفر الكافر مسألة مهمة، وهي من لم يحكم على الكافر بالكفر هل يكون كافرًا أم لا؟

فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه كافر، حتى أصبحت هذه المسألة أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة، فقد ذكر الإمام الصابوني –رحمه الله- في أول رسالته (عقيدة السلف وأصحاب الحديث).. أنه  طُلِبَ منه أن يكتب رسالة تحوي أصول الدين، التي مضى عليها السلف والعلماء ودعوا إليها ونهوا عما يضادها ووالوا في اتباعها، وكفَّروا من اعتقد غيرها، فبين –رحمه الله- أن أهل السنة يكفرون من لم يعتقد أصول عقيدة السلف، واعتقد غيرها مما يضادها.

وهذا القاضي عياض –رحمه الله- نقل الإجماع على كفر من لم يكفر الكافر، وذلك عند كلامه حول تكفير من صوب أقوال المجتهدين في أصول الدين حيث يقول: “وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك”. انتهى كلامه.

ثم ذكر –رحمه الله- أن العلماء أجمعوا على كفر الطائفة التي تدعي الإلهية  في علي رضي الله عنه، وأن المخالف في تكفيرهم كافر.

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- يقول في حكم سب الصحابة: “أما من اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لا شك في كفره؛ بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره”. انتهى كلامه.

يقول الدكتور حسن العواجي: “وبهذا يتضح لنا أن السلف كانوا يفهمون أن الآيات والأحاديث الدالة على مباعدة الكفار والبراء منهم دالة على أهمية تكفير الكافر، وإن لم تكن مصرحة به؛ وذلك لأن ما دلت عليه من المباعدة والمفاصلة لا يحصل إلا بعد الحكم على الكافر بالكفر ومعرفة حاله، وإلا كيف تعادي وتبغض من لم تعرف كفره، ونفاقه؟.

فمسألة الحكم بتكفير الكافر مبنية على أصل كبير وهو أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم.

وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين، والأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة مشهورة فكل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية، فإنه تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة، وذلك على قدر ما عنده من مجانبة الحق، فالولاء والبراء تابع للحب والبغض، والحب والبغض هو الأصل فإن أصل الإيمان أن نحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وأن نبغض في الله من عاداه، وعادى رسله، وعلى هذا فإن كل من حكم الشرع بتكفيره فإنه يجب تكفيره، ومن لم يكفر من كفره الله ورسوله فهو كافر مكذب لله ورسوله، وذلك إذا ثبت عنده كفره بدليل شرعي”. انتهى كلامه.

إذن يتضح بهذا أن جمهور العلماء يؤكدون على أن من صحح مذهب الكفار ووالاهم وركن إليهم، وتوقف في تكفيرهم أنه يحكم عليه بالكفر؛ لأن من كان هذا شأنه لا بد أن الإيمان لم يلامس شغاف قلبه، الإيمان الذي لا يتم إلا بالولاء والبراء أي: موالاة أهل الإيمان ومحبتهم وتصحيح مذهبهم، والبراءة من أعدائهم أهل الكفر والعصيان وبغضهم في الله ومناصبتهم العداء، من أجل كفرهم، وكره مذهبهم ورفضه ومن ثم الحكم عليهم بالكفر، من كان هذا شأنه لا يشك عاقل في جهله وفسقه بل في كفره.

رابعًا: الكلام على حكم من شك في كفر الكافر:

وأما كلام أهل العلم في حكم من شك في كفر الكافر فكثير جدًّا أيضًا:

ومن ذلك ما ذكره البغدادي في (أصول الدين)، حيث يقول: “وأما الشك في كفر أهل الأهواء، فإن شك في أن قولهم هل هو فاسد أم لا؟ فهو كافر وإن علم أن قولهم بدعة وضلال، وشك في كونه كفرًا، فبين  أصحابنا أن في تكفير هذا الشاك خلافًا، وقد قال أكثر المعتزلة بتكفير الشاك في كفر مخالفيهم، ونحن بتكفير الشاك في كفرهم أولى”. انتهى كلامه.

ونحن إذا وقفنا عند قول البغدادي هذا نجد فيه ما يوافق مذهب السلف وما يخالفه.

يقول الدكتور حسن العواجي: “فأما قوله بتكفير من شك في أن قول أهل الأهواء فاسد فهو حق، وأما قوله بالاختلاف في تكفير من علم أن قولهم بدعة وضلال، وشك في كونه كفرًا فهو خلاف مذهب السلف، فإنهم يبدعون ويضللون من ثبت أن قوله بدعة أو ضلال، ولا يكفرون إلا من ثبت كفره، وأما حُكم البغدادي بتكفير الشاك في كفر المعتزلة في مقابل تكفيرهم لمن شك في كفر مخالفهم من أهل السنة وغيرهم فإنه خطأ؛ لأن السلف لا يكفرون أهل الأهواء لتكفيرهم إياهم، وإنما يكفرونهم إذا ثبت لديهم كفرهم”. انتهى كلامه.

قلت: وهذا الذي ذكره الدكتور حسن، هو الصحيح وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو أصل من أصول مذهبهم؛ لأن أهل الأهواء يحكمون في غالب الأحيان على مخالفيهم بمحض الهوى والعصبية، أما السلف -رحمهم الله-فإنهم ضبطوا قواعد مذهبهم بالكتاب والسنة، وكانوا في حكمهم على مخالفيهم من أهل الأهواء والبدع متقيدين بالدليل من الكتاب والسنة، ولم يعطوا فرصة للعصبية أو الهوى للنيل من خصومهم، وهو منهج في غاية العدل، انطلاقًا من قول الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]. فإذا أخطأ أهل الأهواء -بحكم منهجهم-، فأصدروا الحكم بالتكفير على من خالفهم لم يجز لأهل الحق -وهم السلف- أن يفعلوا فعلهم فيحكموا على من حكم عليهم بالكفر شنآنًا وبعضًا -يحكموا- عليه بالكفر.

وقد تقدم معنا كلام القاضي عياض –رحمه الله- ومنه قوله -مبينًا انعقاد الإجماع من أهل العلم على كفر من لم يكفر الكافر يقول-: “وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك”. انتهى كلامه. 

ومن كلام أهل العلم في كفر من شك في كفر الكافر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عن أهل وحدة الوجود -بعد أن ذكر مذهبهم الباطل، وأنه أشر من قول النصارى- فقال: “فهذا كله كفر باطنًا وظاهرًا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم، ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين”. انتهى كلامه.

فبين الشيخ –رحمه الله- أن الشك في كفر من اتضح كفره واشتهر كفره بحد ذاته؛ لأن من شك في كفر الكافر يدل على أنه يتردد بين كونه مسلمًا أو كافرًا، والمتردد بين كون الكفر يقبل أو لا يقبل كافر. ومن الأدلة كذلك على إجماع العلماء على كفر من شك في كفر الكافر: قول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- أيضًا، وهو يتكلم على حكم من سب الصحابة رضي الله عنهم: “من زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم، والثناء عليهم؛ بل من يشك في كفر مثل هذا، فإن كفره متعين وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام”. انتهى كلامه.

فهذا تصريح شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بتكفير الشاك في كفر من ثبت كفره، وأنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام. 

ومن أقوال العلماء في كفر من شك في كفر الكافر ما ذكره الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ، ونقل معه إجماع العلماء على أن الشاك في كفر الكافر إذا بينت له الأدلة من الكتاب والسنة على كفرهم، واستمر في شكه وتردده أنه يكفر، كما نقله عنه الدكتور حسن العواجي في (شرح نواقض التوحيد)، ثم قال: “فعلم من تلك النقول عن أهل العلم -المتفاوتين في الأزمان والأماكن-، ومن خلال استنادهم إلى أدلة الكتاب والسنة أن من ثبت لديه كفر الكافر، ثم بقي شاكًّا في الحكم عليه بالكفر فإنه يكفر”. انتهى. 

خامسًا: التنبيه على خطورة التكفير:

بقي هنا أن نشير إلى مسألة مهمة تتعلق بهذا الناقض ألا وهي: التنبيه على خطورة التكفير، والحكم على الآخرين، فإن التكفير وإخراج المرء من دائرة الإسلام أمر ليس بالهين، فينبغي التنبه له والحذر منه، فإنه ظهر في الآونة الأخيرة جماعة تتسرع بالحكم بالتكفير على الناس تسمى “جماعة التكفير”؛ حتى إنهم يعتبرون الأمة الإسلامية الآن ليست على شيء، وأنهم يعتبرون الحكام والمحكومين كفارًا مرتدين، وأن أمة الإسلام تعيش الجاهلية الأولى، كل ذلك بسبب الجهل بمقاصد الشريعة وعدم قراءة سيرة العلماء البانين الذين كانوا ينهون عن التسرع في إصدار أحكام التكفير والتبديع والتفسيق على المخالف، ما لم يقم دليل شرعي واضح وصريح من الكتاب والسنة على ذلك؛ لأن التكفير حق من حقوق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن نكفر إلا من كفَّره الله، أو كَفَّره رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هناك موانع من التكفير تردع المرء وتزجره من إصدار حكم التكفير جزافًا على الآخرين.

وقد أكد جمهور أهل العلم، ونبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- مرارًا في كتبه أن التكفير أمر خطير لا يجوز للمسلم أن يصدره في حق المخالف أيًّا كان إلا بدليل واضح وقطعي من كتاب الله تعالى، أو من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأنه لا يصار إليه إلا بعد بيان الحق، وإيضاح الدليل، وإزالة الشبهة، وإقامة الحجة؛ لأن بعض المخالفين قد يكون الذي يمنعه من اتباع الحق عدم وضوح الدليل، وبعضهم قد يكون المانع له من الحق شبهة خيمت في ذهنه وعقله فإذا أزيلت عنه تلك الشبهة رجع إلى الحق، أما صاحب البدعة المكفرة المعاند الذي إن بينت له الحق، وأوضحت له الدليل، وأزلت عنه الشبهة، وأقمت عليه الحجة عاند وكابر ورفض الحق، وتمسك بباطله، فهذا هو الذي يحكم عليه بالكفر بعينه ولا كرامته بسبب موالاته للكفرة، أو تصحيح مذهبهم وعدم تكفيرهم، أو بسبب شكه في كفرهم.

وإذا حكمنا على الموالي للكفرة بالكفر والارتداد عن دين الإسلام، فليس في هذا الحكم تجنٍّ عليه ولا ظلم له. فإنه علم بطريق العقل أن من صادق عدوَّ امرئ ثم ادعى محبته وصداقته فقد اتصف بالحماقة وأي حماقة.

ولقد أحسن القائل:

تَوَدُّ عدوي ثم تزعم أنني

*صديقك إن الرأي منك لعازب

error: النص محمي !!