Top
Image Alt

اللغة وشخصية الأمة

  /  اللغة وشخصية الأمة

اللغة وشخصية الأمة

إن وجود الأمة مرتبط بوجود شخصيتها، واللغة من مكونات هذه الشخصية، بالإضافة إلى الدين والانتماء الوطني، فبقدر المحافظة على اللغة تظهر شخصية الأمة، وإلا تحولت إلى مجرد أشتات.

وعنصر اللغة، يعني: عنصر التراب، ويعني: الأرض، ويعني: الوطن، فاللغة تُكوِّن الإنسان وليس العكس، وهي التي تؤثر فيه، والذي يفقد لغته، يفقد الخيط الذي يصله بأجداده وماضيه وتراثه، ولغة الأمة هي قوتها الطبيعية، وعلى الأمة أن تستنفذ كل ما في هذه اللغة من إمكانات ومَلَكات وقوة طبيعية؛ للتعبير عن نفسها، ولا ينبغي للأمة أن تتساهل في لغتها، أو تتباهى بكل ما هو أجنبي عنها.

إن كل تربية صحيحة سليمة لا يمكن أن تقوم إلا على أساس لغة قومية أصيلة؛ والتي هي عنوان قوة الأمة، والأمة التي تحقق التربية المثلى، هي التي تستطيع أن تحقق الدولة المثلى؛ ولذلك يحترم العالم اليوم الأمم التي تتمسك بلغتها، وتنهض بها علميًّا وصناعيًّا.

من هنا يأتي الخطر حينما تتوجه الأمة في تعليم أبنائها باللغات الأجنبية، أو تهتم بالعاميات، وتحصر الفصحى في دور العبادة والكتب القديمة، والأمة التي لا تحترم لغتها، ستذوب حتمًا في الهيمنة التي نلحظها في عالمنا المعاصر.

إن هناك مصطلحًا يُتداول -الآن- وهو ما يسمى بـ”العولمة”، وهي هيمنة مركزية لبعض الدول المتقدمة على أخرى، تسمى بالدول النامية أو الأقل تقدمًا، ومن خلال هذه الهيمنة، فإن تلك الدول المتقدمة -كما تصف نفسها- تفرض شروطها سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، واللغة أبرز معالم هذا الجانب الثقافي، والثقافةُ التي تشتمل على اللغة وارتباطها بالتراث والعقيدة، هي التي تحدد بقوة ملامح هُوية الأمة، وكل لغة تتعرض للاحتكاك باللغات الأخرى، هي لغة مرشحة لهذا التحدي، فالاحتكاك الحضاري يستتبع احتكاكًا لغويًّا في الغالب بين اللغتين الأصيلة والوافدة، وقديمًا بذل علماؤنا جهدًا في الحفاظ على اللغة، فجمعوها ووضعوا قواعدها، وعملوا على تنقيتها، في الوقت الذي كانت فيه العربية -في خارج الجزيرة العربية- تصرع غيرها.

أما في العصر الحديث، فإن العربية تواجه بعض التحديات؛ حيث يحاول أنصار “العولمة”، أن ينشروا لغاتٍ يعتبرونها عالميةً، ويأتي على رأسها اللغة الإنجليزية، ويستخدمون لها الوسائل الإعلامية؛ لتحقيق هذا الغرض؛ لذلك تسربت بعض الأفكار الخاطئة بين أفراد أمتنا، مما يؤثر على شخصيتها، ومنها -مثلًا-: الشعور المبالغ فيه بأهمية اللغات الأجنبية، والانبهار بكل ما هو أجنبي، والظن بأن التقدم مرتبط بإتقان اللغات الأجنبية.

 وقد تكون “العولمة”، خيرًا للعربية إذا أردنا النهوض بها، وجعلناها تستجيب لهذا العصر -المتقدم حضاريًّا- الذي نعيش فيه، فنخدمها عن طريق وسائل الاتصال، فنستغلها لنشر العربية، وتسهيل التواصل بين الباحثين في قضاياها، كما يمكن أن نستغل الثورة المعلوماتية، فننتج برامجَ تعليميةً وثقافيةً جذابةً وميسرةً لإجادة اللغة العربية، ونُعمِّم الإفادة من كنوزها المخبأة.

كما نستغل البحوث العلمية؛ لتعريب الحواسب الآلية، ونطبق المستجدات في مجال الترجمة الآلية. 

وبذلك نقطع خطر ما يسمى بـ”العولمة”، التي يظهر أن من أهدافها القضاء على هوية الشعوب الأقل تقدمًا، فنحافظ على شخصيتنا العربية الإسلامية.

إننا لا نخشى استخدام اللغة الأجنبية في ديارنا، ولا نخشى طمس شخصيتنا بسببها، وذلك إذا أحسنّا توظيفَ اللغات الأجنبية في ديارنا بما يناسب حاجة المجتمع والأفراد، دون إقصاء العربية عن مواقعها، بحيث لا تجور تلك اللغات على العربية في أَلْسنة أهلها أو مجتمعها.

إن اللغة من أهم ملامح الشخصية الإنسانية إن لم تكن أهمها، فقد تتشابه صفات أجسام الأشخاص وملامح وجوههم، ولكنك لا تعرفهم حق المعرفة حتى تعرف اللغات التي نشأوا عليها، وتحدثوا بها، فهي التي تربطهم بالجغرافيا، والتاريخ، والأرض التي قدموا منها، والثقافات التي ينتمون إليها؛ لذلك فلنحظر من أن تكتسح اللغات الأجنبية -وخاصة اللغة الإنجليزية- منازلنَا وأسواقنَا، ودور العلم، ونجعلها لا تتحكم في مناحي حياتنا، ولا تطغى عليها، وَلْنَحْذرْ من تعليمها للأطفال منذ الصغر، ولنحذر أيضًا من أن ندرس بها العلوم في جامعاتنا، أو نكثر من المدارس الاجتماعية لأبنائنا العرب، ولنحذر من ربط اللغات الأجنبية بوظائف أبنائنا.

فلنتمسك بالعربية في كل مناحي حياتنا في بيعنا وشرائنا، وفي لوحات محلاتنا، وفي شوارعنا.

إننا نخشى في عصرنا هذا بعد دخول عصر الإنترنت، والفضائيات في حياتنا من أن تَنتزع اللغات الأجنبية لغتنا من ألسنتنا، وأن تفرِّغ منها أدمغتنَا، فلا نريد ننسلخ عن هويتنا العربية الإسلامية، فيجب أن تكون لغتنا الأم؛ لغةَ القرآنِ الكريمِ، هي صاحبة السيادة في بلادنا، فليس هناك ما يدعو إلى تعليمها في الصفوف الأولى من التعليم؛ حتى لا تتشتت أذهان أطفالنا بين لغتين، مما ينتج عنه آثار سلبية؛ منها: الازدواجية اللغوية المؤدية إلى ضعف الانتماء اللغوي، ومنها: ضَعف الارتباط بالثقافة العربية؛ بل يؤدي هذا إلى أثر سيئ آخر، وهو ازدراء العربية نفسها، والدول المتقدمة نفسها لا تصنع هذا الصنيع، فلا تربي أولادها الصغار على لغة أجنبية أخرى.

فإذا أردنا تأكيد الولاء لوطننا وتراثنا وأمتنا، فإنه لا بد من الاعتناء بلغتنا، وإجادتها دون أن تزاحمها لغة أجنبية أخرى.

وإذا أردنا أن ننشئ شبابًا مبدعًا مبتكرًا بعيدًا عن الاضطرابات العقلية والانهزام النفسي، فعلينا أن نغرس العربيةَ في كل مراحل التعليم حتى في الجامعة، فلا ندرس العلوم باللغات الأجنبية، كما يحدث الآن في كثير من الكليات العملية، التي تدرس الطب، والصيدلة، والهندسة، والعلوم النباتية، والكيميائية، والرياضية، والحاسوبية، وغيرها.

وعلينا أن نحافظ على عربيتنا في سوق العمل الذي يحتاج إليه معظم الناس، فقد نرى أن أبناء لغتنا محرمون من فرص وظيفية في بلادهم؛ حيث يشترط لتوظيفهم إجادة اللغة الإنجليزية، أو الفرنسية إلى غير ذلك، فلو كانت العربية حية في سوق العمل، لَكَان السوق لدينا عربيًّا منسجمًا مع هويتنا وشخصيتنا، فهل نحول أنفسنا وشبابنا إلى متحدثين بلغات أجنبية، من أجل الحصول على قوت اليوم في سوق العمل لدينا؟

إن بلادنا -بفضل الله- لا تزال حرةً عربيةً إسلاميةً.

إن البلاد المتقدمة لا تُؤْثِر شيئًا على لغتها الوطنية مهما كانت الأسباب، إن اللغة الأجنبية إذا سمحنا لها بأن تتوغل في حياتنا، وفي سوق العمل لدينا، وفي دور تعليمنا، فإنها تنهش هويتنا، وتهزأ بوجودنا، ولا ننسى أن اللغة إذا عزلناها فإننا حَكَمْنا عليها بالضعف، فضعف اللغة ناتج عن ضعف أهلها، لا عن ضعف متأصل فيها، ولا ننسى أن هناك لغات اندثرت؛ إما بالاستسلام للغات الأجنبية، وإما بتشجيع العاميات.

فأين اللغة الـ”سنسكريتية”، ذات السطوة في وسط آسيا؟ وأين الفرعونية؟ وأين البابلية والآشورية والسومرية في بلاد الرافدين؟ وأين الرامية؟ بل أين اللاتينية؛ التي كانت لغة العلم والدين، في بدايات عصر النهضة في “أوربا”؟

إننا بحاجة إلى وضع خطط مناسبة؛ لتقوية لغتنا؛ حفاظًا على شخصيتنا، وبحاجة إلى وضع خطط للتعامل مع اللغات الأجنبية بحذر، وبث الوعي بين الناس بأهمية لغتنا؛ التي هي من مكونات شخصيتنا العربية الإسلامية، فلا يُتساهل في استعمال الأجنبية أثناء الكلام العربي؛ حتى لا يطغى الدخيل، ويجب العمل على وقف التدفق اللغوي القادم إلينا من الغرب، والمتمثل في الألفاظ الدخيلة، والتعبيرات المستوردة.

إنه لا ضرورةَ لتدريس المواد العلمية باللغات الأجنبية في دور العلم، وأنه لا تلازمَ بين إتقان اللغة الأجنبية، والقدرة على الإبداع والابتكار والمشاركة في بناء الحضارة، فالدول التي حافظت على شخصيتها؛ بل تقدمت، لم تتخذ اللغة الأجنبية لغةً للتعليم، أو السوق، أو التجارة، ولم يعرف عنها اهتماماتها بلغات أجنبية، كما يحدث عند بعض الأمم الأقل تقدمًا، والتي لم تزدها اللغة الأجنبية إلا تخلفًا وارتباطًا بالآخر، وانقيادًا ثقافيًّا للأجنبي، واهتزازًا واضطرابًا لشخصيتها.

 يجب أن نسلك طريق التحديث النابع من الاعتماد على ذاتنا وأخذ ما يناسبنا من الخارج، لكن دون التفريط في الأسس المكونة لشخصيتنا الخاصة.

إن إحلال اللغة الأجنبية محل العربية في دور تعليمنا وأسواقنا وشئون حياتنا، هو اعتداءٌ على وجودنا، وعبث بكرامتنا، وتنكر لثقافتنا الأصيلة، إننا لا ندعو إلى مقاطعة تعلم اللغات الأجنبية أو الاستغناء عنها، أو ندعو إلى عدم فائدتها؛ إنما ندعو إلى تنظيم علاقتنا بها، مع الإقرار بأهميتها في بعض شئون حياتنا؛ بحيث لا تغطى على لغتنا، أو تعطلنا عن الإبداع والابتكار، أو تكون أداة لهدم الثقة بلساننا، والشعور بالنقص أمام الأجنبي، مما يسهل ابتلاعنا في خِضَمِّ التحديات المعاصرة.

error: النص محمي !!