Top
Image Alt

اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب التفويض

  /  اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب التفويض

اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب التفويض

سأتحدث عن اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب التفويض، حتى أبرئ السلف من القول به؛ لأن القول بالتفويض في باب صفات الله تعالى يستلزم عدة لوازم باطلة منها:

أولًا: القدح في حكمة الرب عز وجل:

حيث أنزل كلامًا لا يتمكن المخاطبون به من فهمه ومعرفة معناه ومراد المتكلم به، فأي فائدة لهم فيه؟! والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وليس من الحكمة أن يوجه المرء كلامًا، خبرًا كان أم طلبًا، لمن لا يفهم مراده، فضلًا عن أن يكون الفهم ممتنعًا عليه أصلًا ولا سبيل إليه، بل ذلك سفه وعبث، ينزه رب العالمين سبحانه وتعالىعنه.

والمقصود ها هنا أن توجيه الخطاب لمن ليست إليه الأهلية لفهمه مناف للحكمة، وليس المراد أن الكلام في حد ذاته لا معنى له، فهذا لا يتصور صدوره من مسلم، بل يُعلم بالضرورة تنزه الله -تبارك وتعالى- عنه.

وإنما وقع الخلاف من المتأخرين في الصورة الأولى، وهي إمكان توجيه الخطاب إلى العباد المتضمن معنى لائقًا بالله، لكن لا يفهمه المخاطبون، ويكون حظهم منه التعبد بتلاوة ألفاظه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان حقيقة هذا القول: وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف، بسبب الكلام في آيات الصفات، وآيات القدر، وغير ذلك، فلقبوها، هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه، وما تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم؟

فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من هذه الآية، أعني: آية سورة آل عمران، وهي ما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وبأن الله يمتحن عباده بما شاء. ومنعها طوائف، ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة، التي هي تحريف الكلم عن مواضعه.

والغالب على كلتا الطائفتين الخطأ، أولئك يقصِّرون في فهم القرآن بمنزلة من قيل له: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

ومن المتأخرين -هكذا يقول ابن تيمية- من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: هل يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئًا خلافًا للحشوية؟ وهذا لم يقله مسلم، أن الله يتكلم بما لا معنى له، وإنما النزاع؛ هل يتكلم بما لا يفهم معناه، وبين نفي المعنى عند المتكلم، ونفي الفهم عند المخاطب، بون عظيم.

والحق أن انتفاء الفهم من المخاطبين بالنص مناف لمراد الله -تبارك وتعالى- وحكمته بإرسال الرسل، فقد قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقال جل في علاه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38].

وأما قصر الحكمة في إنزال هذه الآيات لمجرد التعبد بتلاوة حروفها دون فهم معناها، فهي دعوة تحتاج إلى دليل أولًا، ثم إنها مخالفة للأدلة ثانيًا، ثم إن ثمرة التلاوة هي التفكر والتدبر ثالثًا، وقد ذم الله عز وجل في كتابه مَن هذا شأنه فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون} [البقرة: 78].

فإذا كان هذا حال من لم يحقق العلم بالكتاب، وكان حظه الظن، فكيف بمن لا يعلم الكتاب أصلًا؟ ثم كيف يظن بالله تعالى أنه أراد من عباده ذلك؟ إنه لمن أعظم القدح بحكمة الرب -جل وعلا- أن نقول بأن الله أنزل قرآنًا أو أنزل كلمات لا معنى لها، وهذا لازم لأهل التفويض.

ثانيًا: الوقوع في التعطيل المحض:

وذلك أن من يثبت ألفاظ الصفات دون ما دلت عليه من المعاني، يكون معطلًا لتلك الصفات التي أثبتها الله لنفسه.

ولا فرق حينئذ بينهم وبين المعتزلة الذين يجعلون أسماء الله الحسنى أعلامًا لا أوصافًا، يعني أعلامًا مترادفة لا تحمل معاني يعني أوصافًا، والمعتزلة يزعمون أن تلك الأسماء لله عز وجل بمنزلة الألفاظ المترادفة، فأي فرق بالنسبة للعبد بين الطريقتين؟.

نعم، من حيث الواقع يعتقد المفوضة بمعان مجهولة لتلك الأسماء والصفات، بينما لا يعتقد النفاة الأصليون بوجود معان قائمة في ذات الرب دلت عليها تلك الألفاظ، لكن من حيث الأثر على المتعبدين، لا فرق بين الطريقتين؛ لأن من نفى وأول مثلًا، لا يستفيد من آيات الصفات شيئًا، وكذلك من فوض لما قال: لا أعلم المعنى، فهو لم يستفد من هذه الصفات شيئًا، ولا يمكن أن يتعبد ربه سبحانه وتعالى بها.

ومعرفة أصل هذا الدين وأساس الهداية، وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، هو معرفة الله -تبارك وتعالى- بما هو عليه سبحانه، حتى يتمكن العباد من تعظيم ربهم سبحانه، وعبادته بما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العُلا، ولا ريب أن لازم مذهب التفويض الحرمان من هذه المعاني الشريفة، والعبادات القلبية الجليلة.

ثالثًا: الطعن في القرآن الكريم:

وبيان ذلك فيما سأذكره الآن عن كتاب رب العالمين، ثم يظهر لنا ويتضح موقف المفوضة الذين قالوا بأنهم لم يفهموا معاني الآيات أو بعضها.

الله عز وجل قد وصف كتابه الكريم بجملة أوصاف منها؛ الفرقان، كما قال تعالى في كتابه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] كما وصفه أيضًا بالبرهان والنور، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} [النساء: 174]. كما وصفه الله عز وجل بالهدى والشفاء والرحمة والموعظة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين} [يونس: 57].

ووصفه أيضًا بأنه كتاب مبين فقال: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين} [المائدة: 15]، كما وصفه بأنه مفصَّل، يعني: واضح، فقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون} [فصلت: 3] كما صفه بأنه بيان للناس، فقال تعالى: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين} [آل عمران: 138] كما أن القرآن الكريم تبيانٌ لكل شيء، وهذا يدل على وضوحه، وعلى أن معانيه وآياته وما ورد فيه، معلوم ومعروف، ولكل كلمة فيه لها معنى، وهذا هو معنى كلمة التبيان، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89].

وهذه أسماء وأوصاف للقرآن الكريم، تقتضي اقتضاءً تامًّا أنه في أعلى المقامات من البيان والوضوح وانتفاء اللبس والجهل فيه دون استثناء، فمن زعم أن في القرآن ما لا سبيل إلى فهمه، ولا حيلة لبلوغ مراد المتكلم به، فقد طعن في القرآن الكريم طعنًا بليغًا، وشكك في مقاصده، ووفائه بحاجة الأمة إليه، لا سيما في هذا الباب العظيم، باب العلم بالله.

فكيف يكون فرقانًا ما لا يحصل به التفريق بين العلم والجهل، والحق والباطل؟ وكيف يكون برهانًا ما لا تقوم به حجة ويبقى الأمر معه ملتبسًا مشتبهًا؟ وكيف يكون نورًا وقارئه يتخبط في ظلمات التجهيل؟ وكيف يكون هدى وشفاء وموعظة ورحمة، ولاحظ لقارئه منه إلا الألفاظ الخالية من الدلالة؟ ثم كيف يكون مبينًا ومبيّنًا وبيانًا وتبيانًا، وهو لا يُوَرِّث عند هؤلاء المفوضة إلا علمًا مجملًا، غير مبين وغير واضح بأسماء وأوصاف لا تعقل معانيها؟!.

فالحاصل أنه يلزم على مذهب المفوضة أن يكون هذا القرآن الذي أنزله الله هدى وشفاء، ونورًا وبيانًا، سبب حيرة وضلال، وقلق وتردد، وهذا من أمحل المحال، والكتاب المجيد بيَّن الله عز وجل فيه الحق في هذه المسألة، وفي غيرها من المسائل، فكيف نقول بأن القرآن الذي أنزله رب العالمين ترك الناس حيارى لا يعتقدون شيئًا معلومًا؟! ولا شك أن هذا في غاية الامتناع.

رابعًا: غلق باب التدبر لكتاب الله تبارك وتعالى:

إن من يقول بأن آيات الصفات لا معنى لها، لا شك أنه يسد الباب إلى تدبر كتاب الله، والله عز وجل قد أمر في كتابه بتدبر كتابه مطلقًا دون استثناء، فلم يستثنِ آية دون آية، وإنما أمر بالتدبر بالقرآن على وجه العموم ولكل حرف فيه. قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ص: 29].

تأمل معي أخي الطالب قال: {لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ولم يقل: بعض آياته، كما قال سبحانه أيضًا في آية أخرى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كلامًا جميلًا حول هذه الآية قال فيه: “ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله، أما من سلك سبيل التفويض، فإنه يغلِق باب التدبر، ويعارض صريح أمر القرآن، بالكف عن التدبر في أهم وأولى وأوجب ما ينبغي أن يتدبر بلا دليل عنده على التخصيص، بل بمخالفة الدليل”.

فالمفوضة سدوا عقولهم، وصرفوا هممهم عن فهم معاني هذه الصفات وما تدل عليه، وهي من أعظم الآيات لأنها تتعلق برب العباد الذي أمرنا بعبادته سبحانه، والعبد لا يتمكن من العبادة الصحيحة، إلا بفهم صفات رب العالمين وأسمائه، ومعرفة معناها، ليتوسل إلى الله عز وجل بها.

خامسًا: مصادمة النصوص الدالة على الإثبات، واعتقاد أن ظواهرها تدل على ما لا يليق به سبحانه:

إن من نتائج القول بالتفويض مصادمة دلالة النصوص الشرعية في باب الإثبات، وهي نصوص صحيحة صريحة، بعضها متواتر، والمفوض قد شارك غيره من المعطلة بالاعتقاد بأن ظواهر تلك النصوص تدل على التمثيل.

حتى قال بعض المتجرئين من أهل التحريف: “ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية”، ثم قال: “فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر”.

وأنا أقول معقبًا على هذا الكلام: عياذًا بالله من الشيطان الرجيم أن نقول مثل هذه الكلمات، وقد قال أحدهم أيضًا: “التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية”.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “الخطاب الذي أريد به هنا خطاب في الحقيقة فيه الهدى والبيان لنا، وفيه إخراجنا من الظلمات إلى النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه بغير بيان في المخاطب بذلك، فهل يمكن أن يكون هذا الكتاب قد خاطبنا بالحق المبين؟ أو عرفنا رب العالمين سبحانه وتعالى ما أراده من خلال هذا الكتاب.

وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا، أعني رب العالمين -سبحانه- أو إن كان المخاطب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يبيِّن الواحد منهم الحق ولا أوضحه، مع أمر الله لنا أن نعتقد، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه، لا شك أنه أراد منا أن نعمل به.

وعلى قول المفوضة أن ما خاطبنا الله به وأمرنا باتباعه والرد عليه، لم يبيِّن ربنا سبحانه وتعالى فيه لنا الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا ألا نفهم منه شيئًا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه، وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله عنه، وتنزيه رسوله صلى الله عليه وسلم عنه، وأن هذا الكلام من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد.

فأما أهل التحريف فحرفوا الكلم عن مواضعه، واخترعوا المعاني المجازية فحملوا النصوص عليها، وأما أهل التجهيل -وأعني بهم: المفوضة- فأحالوا إلى معان مجهولات، لا يعلمهن بزعمهم إلا الله، وبقيت دلالة النصوص في الإثبات تزعجهم، فيمنعونها ويشكون بدلالتها، وقد قال الله تعالى لنبيه: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2]”.

سادسًا: تجهيل النبي صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين:

وهذا في الحقيقة لازم لا محيد لأهل التفويض عنه، إذ هو مقتضى مذهبهم، حيث استدلوا بقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] على نفي العلم بالمعنى.

فكانت النتيجة أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه ربه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45- 46] جاهلًا عند المفوضة بما وصف الله به نفسه لا يعلم معنى ما أنزل عليه، فكيف يتأتى له البيان الذي من أجله أنزل إليه الذكر، كما قال تعالى عنه: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فعلى قول هؤلاء، يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة، والنصوص المثبتة للأمر والنهي، والوعد والوعيد عند طائفة أخرى.

ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله -تبارك وتعالى- أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبيِّن للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله.

ومع هذا فأشرف ما فيه -وهو ما أخبر به الرب عن صفاته- أشرف ما في القرآن هو ما أخبر الله -تبارك وتعالى- به عن صفاته، وما أخبر الله به أيضًا من الأمر والنهي، أو الوعد والوعيد، أو اليوم الآخر، وهؤلاء يقولون بأنه لا يعلم أحد معناه، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن للناس ما نزل إليه، ولا بلغ البلاغ المبين.

وعلى قولهم هذا يمكن أن يقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر، ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص المتشابهة، لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه، لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدًّا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول، ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مراده”.

فتبين أن أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف، من شر أهل البدع، ومن لازم كونه صلى الله عليه وسلم لا يعلم معاني الصفات، أن يكون أصحابه رضي الله عنهم والأمة من بعدهم، لا علم لهم في هذا الباب الشريف الذي هو أصل الدين، وزبدة الرسالة الإلهية، وحسبك بهذا الأمر دليلًا على فساد الملزوم، فإن هذه الأمة -بحمد الله- خير الأمم، وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم هم خير القرون علمًا وعملًا، وعبادة وأخلاقًا، فكيف تطبق الأمة على الجهل بالله تعالى؟!.

كما يستلزم هذا الأمر أن يكون صلى الله عليه وسلم وحاشاه، يتكلم بما لا يعرف معناه، فقد أخبر عن صفات ربه بأحاديث كثيرة، منها ما وافق القرآن، ومنها ما استقل بدلالته، وهذا حال ينزه عنه آحاد العقلاء، فكيف بأعقلهم؟! وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأتيه الوحي من السماء.

ثم هو يستلزم أيضًا أن تكون الأجيال المتعاقبة من فضلاء هذه الأمة، من المحدِّثين والفقهاء والعلماء العدول، يروون أحاديث الصفات، ويقرءون آي الكتاب، بلا وعي ولا إدراك، بل مجرد أماني كشأن اليهود، بل اليهود أحس حالًا منهم عند هؤلاء المفوضة، فقد أثبت الله لهم عقلًا لكلامه حيث قال: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون} [البقرة: 75].

أما سادة الأمم والأولون يوم القيامة فلا يعقلون خطاب الله عند أهل التجهيل في أهم المسائل، وهذا في الحقيقة من اللوازم الباطلة الفاسدة لقول أهل التعطيل.

اللازم السابع وهو: مخالفة طريقة السابقين الأولين وسبيل المؤمنين من سلف هذه الأمة:

وهذا والذي قبله لازمان متلازمان، فإن أهل التجهيل لما رموا سلف هذه الأمة بالجهل في هذا الباب، وسلكوا سبيل التفويض، غفلوا عما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وحادوا عن طريقهم في التحقيق والتدبر والفهم.

وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزها حتى يعمل بها، قال: فتعلمنا العلم والعمل معًا”. وهذا يدل على أنهم عملوا بعد العلم، ولا يمكن أن يكون هناك عمل دون علم.

error: النص محمي !!