Top
Image Alt

المؤسسات الخيرية، ودورها

  /  المؤسسات الخيرية، ودورها

المؤسسات الخيرية، ودورها

إنشاء المؤسسات الخيرية كالمستشفيات والمدارس، ومواساة المحتاجين وتأليف قلوب المدعوين.

إن للمؤسسات الخيرية دورها العظيم الذي تقدمه للمجتمع، فتثبت به أركانه وتؤكد به على خيرية الأمة ووحدة شعورها وتوجهها، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) ولذلك اجتهد المسلمون في إنشاء هذه المؤسسات الخيرية التي تقوم على تقديم الخدمات المختلفة للمجتمع: كالعلاج، والتعليم والإنفاق على الفقراء والمساكين، ورعاية الأرامل واليتامى، وإغاثة المحتاجين إلى آخر هذه الأعمال الخيرية.

وعلى سبيل المثال فقد بلغ عدد المغاثين من قِبَلِ بعض المؤسسات الخيرية في الخمس سنوات الأخيرة، حتى عام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين من الهجرة بلغ عددهم أكثر من خمسة ملايين، ونصف المليون محتاج، وأما مداواة المرضى: فقد بلغ إجمال المخيمات الطبية التي أقامتها بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية في شتى أصقاع العالم، بلغت أكثر من خمسمائة مخيم طبي في إفريقيا وآسيا وأوربا، هذا غير المستشفيات الميدانية التي تقام في ساعات الكوارث والحروب.

نماذج للمؤسسات الخيرية:

هناك مؤسسات خيرية إسلامية متخصصة قلَّمَا يوجد لها مثيل حتى في النمط الغربي للعمل الخيري، ومنها مؤسسة البصر الخيرية العالمية، والتي تُعْنَى بالذين حرموا نعمة الرؤية، وأظلمت الدنيا في وجوههم فامتدت إليهم الأيادي الرحيمة من هذه المؤسسة، وهذا بخلاف المؤسسات الخيرية الكثيرة العاملة داخل كل بلد عربي وإسلامي، وهذه المؤسسات الخيرية ولا شك تدعم العمل الدعوي، وتقوي جانب الدعوة الإسلامية، وتؤكد على قيم الإسلام التي تدعو إلى الإنفاق، والتكافل ورعاية الضعفاء والمحتاجين، كما أنها تقوي المجتمع وتدفع به نحو الرقي والتقدم، بالإضافة إلى أنها تشعر المسلمين جميعًا أنهم جسدٌ واحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

ولم يكن العمل الخيري الذي تقوم من خلاله المؤسسات الخيرية التي تبني المستشفيات والمدارس خاصًّا بهذا العصر الحاضر، بل لقد وجد منذ عصور الإسلام الأولى.

فالمستشفيات والمدارس على سبيل المثال كانت موجودة منذ وقت مبكر وكانت تسمى المستشفيات: “بالبيمارستانات” جمع بيمارستان، وهذا ما شهد به ليس فقط الأصدقاء، بل وأيضًا الأعداء، بل لقد شهد بهذا أحد الكتاب الغربيين، وهو الكاتب الأمريكي “جونز” قال: لقد انتشرت البيمارستانات انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي، وذلك منذ ظهورها المبكر خلال القرن الأول الإسلامي، أو نحو ذلك، وقد تأسست البيمارستانات ودعمت بواسطة الأموال الخيرية للأوقاف، وكان البيمارستان مثالًا للجانب الأخلاقي والإنساني والحياتي الذي ينطوي عليه الإسلام، وكذلك على شمول الثقافة الطبية الإسلامية على الناحيتين النظرية والعملية.

وقد تميزت في العصور الوسطى للإسلام عن مثيلاتها من المستشفيات الرومانية والبيزنطية والأوروبية، حيث كان البيمارستان يجمع بين ممارسة الطب وتعليمه، وكان الغرض من إنشاء البيمارستان، الذي كان يدعم عن طريق نظام الأوقاف الدينية أن يكون مثالًا على النزعة الخيرية للإسلام، وينسب إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك تأسيس أول مستشفىً عام، سنة ثمانية وثمانين من الهجرة، الموافق سبعمائة وسبعًا من الميلاد، وبعد ذلك توالى إنشاء مثل هذه المؤسسات في المدن الرئيسة في العالم الإسلامي على يد الخيريين.

فبنى ابن طولون مستشفى للفقراء في القاهرة عام مائتين وواحد وتسعين من الهجرة، ودعم صلاح الدين اثنين في مصر، كذلك أسس ابن جبير في دمشق مستشفيين أحدهما بيمارستان النوري العظيم، لا يزال جزء منها قائمًا حتى اليوم، ومع بداية القرن الرابع الهجري كان في بغداد ثمانية مستشفيات، وكانت العادة أن تنشأ المستشفيات ويلحق بها مدرسة، حيث يقوم المدرسون بتقديم العلوم الطبية للطلبة، وكانت المستشفيات تنظم وتتخصص في عملها، وذلك بجانب الأجنحة التي تضم مختلف الأمراض، وكذلك التسهيلات الجراحية والصيدلانية، والمكتبات الطبية، وخدمات الإسعاف، ويقوم الأطباء المقيمون تحت إشراف مدير معين بتقديم الرعاية الصحية المتخصصة، والخدمات العلاجية، كما طورت المدارس الطبية نظمًا لاختيار الأطباء الجدد، والإقرار بكفاءاتهم، ومنحهم التراخيص لمزاولة مهنة الطب، أو منحهم الدبلومات المتخصصة.

وقد تأسست المستشفيات العامة في الإسلام، ودُعِّمَتْ بواسطة الهيئات الخيرية على صورة أوقاف، وهي عبارة عن أملاك دائمة بلا وريث تؤتي دخلها من المزارع والمحلات والأبنية التي كانت تخصص للدعم المستمر للعديد من المؤسسات الخيرية، ومن ذلك المستشفيات، ومنذ ظهور الوقف في القرن الأول الإسلامي، والذي كان يستخدم في دعم عدد عظيم من المؤسسات الخيرية: كالمساجد والمدارس، والمكتبات والمدافن، وقوافل الحجاج، وإغاثة الفقراء وغير ذلك.

 منذ ظهوره أوضح الدفعة القوية الواضحة للأعمال الخيرية، والتي تعتبر أحد سمات الإسلام وهو يمثل الوسائل الأعظم شيوعًا في الامتثال لواجب اتباع المعايير الأخلاقية للقرآن الكريم، والشريعة المقدسة لحياة البشر. وهكذا فإنه في توجيهه إلى تلك المؤسسات، الوثيقة الصلة بالبشر ممثلةً في البيمارستانات، أي المستشفيات يتماشى تمامًا مع الاتجاهات الأساسية للدين الإسلامي، هذا ما شهد به هذا الكاتب الأمريكي.

ولخطورة المستشفيات والدور الذي تقوم به في تدعيم المجتمع الإسلامي، ومساعدة المسلم المريض، وربطه مع إخوانه في وحدة واحدة، كالجسد الواحد؛ لهذه الخطورة الكبرى للمستشفيات اهتم به الغرب، الذي لم يتوانَ في بناء المستشفيات في الشرق الإسلامي وتقديم العلاج الطبي؛ بهدف تبشير المرضى المسلمين.

يقول المبشر نورسون: نحن متفقون بلا ريب على أنَّ الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين المرضى في المستشفيات: أن ندخلهم أعضاء عاملين في الكنيسة المسيحية الحية، كما جاء على لسان المبشرة “إيرا هارس” وهي تنصح الطبيب الذاهب في مهمة تبشيرية، تقول: يجب أن تنتهز الفرصة؛ لتصل إلى آذان المسلمين وقلوبهم، فتكرز لهم بالإنجيل إياك أن تضيع التطبيب في المستوصفات والمستشفيات، فإنه أثمن تلك الفرص على الإطلاق، ولعل الشيطان يريد أن يفتنك، فيقول لك: إن واجبك التطبيب فقط، لا التبشير، فلا تسمع منه، هذا ولا ينبغي أن تنسى ما سبق ذكره عما دار في المؤتمرات التبشيرية، وكلها توصي باتخاذ القرارات من أجل استخدام العلاج الطبي في التبشير.

كقولهم: يجب الإكثار من الإرساليات الطبية؛ لأن رجالها يحتكون دائمًا بالجمهور، ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمسلمين الآخرين ويجب على طبيب إرساليات التبشير ألا ينسى، ولو للحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء، ثم هو طبيب بعد ذلك.

إن المرضى يشدون الرحال من أصقاع بعيدة إلى مستشفيات المبشرين، وعندما يرحل الأطباء جائبين البلاد، ينشرون في النفوس بذورًا يمكن للمبشرين وبائعي الكتب أن يحصدوها بعد ذلك، وينمو أغراسها، ويتقرب المبشرون إلى المسلمين بالمدارس، والإرساليات الطبية، وهذه الإرساليات الطبية مثل الشوك في الأجسام بالنسبة لزعماء المسلمين، الذين يسألون أنفسهم قائلين: إن الله أرسل هؤلاء الأطباء ليخدمونا، وإن النساء المبشرات اللائي يتعاطين الطب، يلاقين مزيد الحفاوة؛ لأن المسلمين لا يهتمون بأعمال النساء المبشرات، ولا يضمرون لهن سوءًا ولذلك لا يشجع المبشرون على إنشاء مستشفيات وطنية في مجال عملهم؛ لأن وجود مثل تلك المستشفيات يحول بينهم وبين تحقيق مآربهم عن طريق العلاج الطبي.

ومصداق ذلك ما قرره الطبيب المبشر بول هاريسون بقوله: إن المبشر لا يرضى عن إنشاء مستشفيات، لقد وُجِدْنَا نحن في بلاد العرب؛ لنجعل رجالها ونساءها نصارى، وهذا كله يوضح لنا ما تنطوي عليه نفوس المبشرين، مهما كانت الوسيلة التي يتخذونها ستارًا؛ ليزاولوا من ورائها مهمتهم التبشيرية التي كلفوا بها.

وهناك أساليب التبشير الطبي المتعددة، ففي المستشفيات المقامة بالمدن، على الأطباء الموجودين بها أن يذكروا للمترددين على تلك المستشفيات الإنجيل بأسلوب بسيط، لا يدعو إلى التطرف في المناقشة، وفي الفيافي والأدغال عليهم أن يهيئوا الأذهان لدى المرضى قبل موعد وصول الطبيب بوقت طويل؛ حتى يمكن تجميع أكبر عدد من المرضى، الذين يقوم المبشرون بالتبشير بينهم في تلك المدة، التي فيها ينتظرون وصول الطبيب إلى المستشفى، وفي كافة الأحوال والظروف التي يُخْضِعُوْنَ فيها المرضى لصالح التبشير؛ لا يقومون بالعلاج للمرضى إلا بعد أن يحملوهم على الاعتراف بأن الذي يشفيهم من أمراضهم هو المسيح، أو قبل أن يخر المرضى راكعين سائلين المسيح الشفاء.

ولا ينبغي أن يغفل في هذا المقام ما تقوم به الطبيبات المبشرات من زيارات البيوت في القرى والمدن؛ للاتصال بالنساء مباشرة، واستخدامهن في الوصول إلى أهدافهن، إذ إن المريض في حالة مرضه يلتقي حوله العديد من أقاربه ومعارفه من الرجال والنساء، مما يعد فرصة كبيرة أمام المبشرات لتحقيق عملهن التبشيري، وبتلك الصورة تحول العلاج الطبي عن طريق المبشرين، وهو عمل إنساني إلى وسيلة خداع؛ لمحاولة تنصير الناس عن طريقها مما لا يقره عقل، ولا يقبله منطق ولا دين.

error: النص محمي !!