Top
Image Alt

المال وأهميته، وطرق الحصول عليه وأوجه إنفاقه

  /  المال وأهميته، وطرق الحصول عليه وأوجه إنفاقه

المال وأهميته، وطرق الحصول عليه وأوجه إنفاقه

1. تعريف المال: أ. المال في اللغة: جاء في (النهاية) لابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم، ومال الرجل وتموّل: إذا صار ذا مال. وقد تكرر ذكر المال على اختلاف مسمياته في الحديث الشريف، ويفرق فيها بالقرائن: فالمال في اللغة هو: اسم للقليل والكثير من المقتنيات، والعرب تقسمه إلى أربعة أقسام: أحدها: يسمى المال الصامت، وهو العين والورق وسائر المصوغ منهما. الثاني: العرَض، ويشمل: الأمتعة، والبضائع، والحديد، والنحاس، والرصاص، والخشب… وسائر الأشياء المصنوعة منها. الثالث: وهو العقار، وهو صنفان: أحدهما: المسقف، ويشمل: الدور، والفنادق، والحوانيت، والحمامات، والأفران، والمصانع… وغيرها. وثانيها: المزروع، ويشمل: البساتين، والكروم، والمراعي، وجميع المزارع وما يلحق بها من العيون والحقوق في مياه الأنهار. الرابع: الحيوان، والعرب تسميه: المال الناطق، وهذا النوع ثلاثة أصناف: 1. الرقيق، أي: العبيد. 2. الكراع، وهو الخيل، والحمير، والإبل المستعملة. 3. الماشية، وهي الغنم، والبقر، والمعز، والجواميس، والإبل السائمة. فلفظ المال يشمل جميع ما تقدم؛ ولكن العرف قد يغلب إطلاق المال على نوع معين؛ كما يطلق المال على الإبل أو البقر أو الأنعام على وجه العموم عند أهل البادية، ويطلق على الذهب والفضة عند أهل المدن والحضر، وهذا إطلاق يخضع للمكان أو للزمان؛ ولكن المال في الأصل يشمل جميع المقتنيات. ب. المال في الشرع: أما المال في اصطلاح الفقهاء؛ فقد عرفه بعضهم: بأنه ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. وميزة هذا التعريف: أنه يضبط بين معنى المال الشرعي واشتقاقه اللغوي؛ ولكن فيه نقص؛ لأنه غير جامع لكل أنواع المال، فمن المال ما لا يمكن ادخاره مع بقاء منفعته كما هي، مع إجماع الفقهاء على أنه مال له قيمة، ويجري فيه التعامل، كأصناف البقول، والخضر… ونحو ذلك، وأيضًا فإن من الأموال ما لا يميل إليه الطبع، بل يعافه كالأدوية، ثم إن كلمة “يميل إليه الطبع”، غير محددة وغير معينة للمراد. وعرفه بعضهم بأنه: ما يجري فيه البذل والمنع. وهذا التعريف -مع إيجازه- أعم من الأول، وأكثر شمولًا؛ ولكنه يشمل المنافع، وفي اعتبارها من الأموال خلاف بين الحنفية وغيرهم. واختلاف العلماء، في بيان حقيقة المال، هو اختلاف عبارات بين الوضوح والغموض، وعدمه، والمراد عند الجميع واحد، ولا يتعدى مرادهم عن المعنى اللغوي للمال؛ ولكن الشرع، لا يعتبر كل مال صالحًا للانتفاع، مباح الاقتناء والاستغلال، بل من الأموال ما لا يباح الانتفاع به للمسلم، ولا يجوز له تملكه وادخاره، كالخمر، والخنزير ونحوهما، وملكية المسلم لذلك ملكية غير محترمة، لا غرم على من أتلف في يده، ويسمى هذا النوع من المال مالًا غير متقوَّم في حق المسلم؛ لأن الشارع لا يعترف له بقيمة؛ إذ لا يباح الانتفاع به في حال السعة والاختيار؛ ولكنه يباح له في حالة العسر والاضطرار، وذلك كمن لا يجد ماء وهو في حال ظمأ شديد يخشى معه الهلاك، ووجد خمرًا، يباح له أن يشرب منه غير طالب لها راغبًا فيها، وغير مجاوز حد الضرورة. 2. المال المحترم في نظر الشرع: أما المال الذي اعترف الشارع بقيمته الذاتية، يسمى مالًا متقوَّمًا، ويباح الانتفاع به بكل طرائق الانتفاع المشروعة، ومن تعدى عليه غرم وألزم بقيمته أو مثله على حسب الأحوال والقواعد الشرعية، وتجب حمايته. وهذه المالية للأشياء، تثبت بتموّل الناس كلهم أو بعضهم، جاء في (البحر) لابن نجيم: المالية إنما تثبت بتموّل الناس كافة أو بتموّل البعض والتقوم يثبت بها، وبإباحة الانتفاع به شرعًا، فما يكون مباح الانتفاع بدون تمول الناس لا يكون مالًا؛ كحبة حنطة -مثلًا- وما يكون مالًا بين الناس، ولا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما، كالدم. يؤخذ من كلام ابن نجيم هذا أمور: الأمر الأول: أن مالية الأشياء، تعتبر باعتبار تمول جميع الناس أو باعتبار بعضهم، أما تمول فرد أو أفراد قلائل فلا عبرة به. الأمر الثاني: أن الشيء إذا ثبتت ماليته، لا تزول إلا بترك الناس كلهم له، فلو ترك بعض الناس أشياء؛ لأنها أصبحت غير صالحة لانتفاعهم بها، لكنها تصلح لانتفاع غيرهم، كالثياب القديمة ونحوها، فإن اسم المال لا يزول عنها، ما دام إمكان الحيازة والانتفاع بها قائمًا بالنسبة لبعض الناس. الأمر الثالث: إن المالية تلازم المتقوَّم، فحيث ما كان تقوم، فلا بد أن تصحبه مالية، وقد تكون المالية من غير أن يثبت تقوم، وحينئذ يكون مالًا لا يعترف الشارع له بقيمة ذاتية، ولا يضفي عليه قيمة شرعية، والمال المتقوَّم، هو الذي يكون له قيمة مطلقة يضمنها متلفه عند الاعتداء عليه، والتعبير بالمتقوَّم ما ذهب عليه الحنفية في كتبهم؛ أما الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، فيعبرون بالمال المحترم أو المنتفع به؛ أما أهل الظاهر يقولون: مال له قيمة، ومال لا قيمة له، أما الشيعة: فيقولون: مال يجوز للمسلم تملكه، ولا يكون كذلك إلا إذا كان محترمًا. الأمر الرابع: أن حماية الأموال التي شرع الله تعالى لها الحماية من الاعتداء، تتوقف على ثبوت احترام الشارع للمال، أما الذي لا يحظى باحترام الشارع، فلا يضفي عليه حمايته، كما لو تملك المسلم خمرًا أو خنزيرًا، فاعتدى عليه غيره بالإتلاف، فلا ضمان عليه في حكم الشرع؛ لأنه لا يستحق الحماية؛ لإهدار الشرع لماليته بالنسبة للمسلم. 3. مالية المنافع والحقوق: الأشياء التي ينتفع الإنسان بها على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الأعيان، وهي الأشياء المادية التي لها مادة وجرم. النوع الثاني: وهي الفائدة المقصودة من الأشياء، كسكنى الدار، وركوب الدابة، ولبس الثوب… وما شاكل ذلك. النوع الثالث: الحقوق، وهي كل مصلحة تثبت للإنسان باعتبار الشرع، وهي قد تكون متعلقة بمال، كحق الشرب والمرور والتعلي، وقد لا تكون متعلقة بمال، كحق الحضانة للأم على الصغير، وحق الزوج على زوجته. والحق في عرف الفقهاء: ما ثبت لإنسان بمقتضى الشرع من أجل صالحه؛ ولذا يطلقونه على كل عين أو مصلحة تكون له بمقتضى الشرع سلطة المطالبة بها أو منها من غيره أو بذلها أو التنازل عنها، فيطلق على الأعيان المملوكة، ويطلق على الملك نفسه، وعلى المنافع والمصالح وهذا إطلاق العام. وقد يطلق في مقابلة الأعيان، ويراد به حينئذٍ المصالح الاعتبارية الشرعية، التي لا وجود لها إلا باعتبار الشرع وفرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن الأعيان أموال إذا أمكن حيازتها والانتفاع بها، كما اتفقوا على أن: الحقوق المتعلقة بغير المال، كحق الحضانة وحق الولاية على القاصر ليست بمال؛ ولكنهم اختلفوا في الحقوق المتعلقة بالمال والمنافع، وهي الأعراض المقابلة للأعيان؛ كحق السكنى والركوب ولبس الثوب: فذهب الحنفية إلى أنها ليست بمال؛ لعدم إمكان حيازتها بذاتها؛ لأنها معدومة، وإذا وجدت تفنى شيئًا فشيئًا؛ أما غير الحنفية، فقد ذهبوا إلى أنها أموال؛ بإمكان حيازتها بحيازة أصلها؛ ولأنها المقصودة من الأعيان ولولاها ما طلبت، وهذا الرأي أوجه من سابقه لاتفاقه مع العرف العام في المعاملات المالية؛ لأن العرف العام، يجعل المنافع أموالًا؛ لأنه أجاز أن تكون مهرًا في الزواج، والمالية معتبرة في الزوج؛ لقوله تعالى: {وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]؛ فاتفاق الفقهاء على أن تكون المنفعة مهرًا، دليل على اعتبارها مالًا. 4. المال وسيلة وليس غاية في ذاته: إن المال ضروري، وخلق لمصلحة الإنسان وقيامًا لحياته ومعاشه، وقد وضع الله له التشريع الذي يكفل تحقيق المصالح المالية، كسبًا وإنفاقًا وتصرفًا، ومن اتبع هذا التشريع في أحكامه ومبادئه، في كسب المال وإنفاقه على نفسه وعلى غيره، كان المال وسيلة لمصالح الدين والدنيا، وكان ممدوحًا عند الله وعند الناس، وإذا خرج بالمال عن أحكام الشارع ومبادئه، فقد ضل سواء السبيل، وكان المال وسيلة لشر وبيل على نفسه أو على غيره. 5. حق الملك، وقابلية الأموال للملك والتمليك: حق المال، وبيان أسباب كسب الأموال: فالحق في اللغة معناه: الأمر الثابت الموجود، وأطلقه الفقهاء على كل ما هو ثابت ثبوتًا شرعيًّا، أي: بحكم الشارع وإقراره، وكان له سبب ذلك حماية. وقد عرفه الأستاذ علي الخفيف بأنه: ما ثبت بإقرار الشارع، وأضفى عليه حمايته، وهو يشمل حق الاختصاص، وحق الانتفاع، ويطلق أيضًا على المصلحة، مثل: ولاية المال، وحضانة الصغير، فأطلق على المال عقارًا كان أو منقولًا، وعلى المصلحة مالية كانت أم أدبية، ويطلق على مرافق العقار، كحق الشرب، وحق المسيل، وحق التعلم، لما في ذلك من معنى الاختصاص. معنى الملك: أما الملك فمعناه في اللغة: احتواء الشيء مع القدرة على الاستبداد به، وقد عرفه الفقهاء بتعريفات كثيرة منها: عرفه ابن همام، في كتابه (فتح القدير): بأنه المقدرة الشرعية على التصرف ابتداء إلا لمانع. وعرفه المقدسي، في (الحاوي): بأنه الاختصاص الحاجز، ومعناه: أن الملك هو الاختصاص بالشيء المانع لغيره من الانتفاع به أو التصرف فيه إلا عن طريق المالك وبسببه. وقد أخذ الشيخ أبو زهرة من مجموع التعريفين تعريفًا واحدًا، ليكون جامعًا ومانعًا، فقال: الملك هو الاختصاص بالأشياء الحاجز للغير عنها شرعًا، الذي به تكون القدرة على التصرف في الأشياء ابتداءً إلا لمانع يتعلق بأهلية الشخص. ويؤخذ من تلك التعريفات المتقدمة عدة أمور: الأمر الأول: أن الملك لا يثبت إلا بإثبات الشارع وتقديره، وهذا أمر متفق عليه بين جميع فقهاء الشريعة، وأساس ذلك ما يراه الفقهاء من أن الحقوق كلها -ومنها حق الملك- حقوقًا شرعية أثبتها الشارع لأربابها، فالحق ليس ناشئًا عن طبائع الأشياء؛ ولكنه ناشئ عن إذن الشارع وجعله السبب منتجًا لمسببه شرعًا. الأمر الثاني: أن هذه التعريفات مهما اختلفت عباراتها؛ فإنها كلها ترمي إلى معنى واحد، وهو: أن الملك هو العلاقة التي أقرها الشارع بين الإنسان والمال وجعله مختصًا به، بحيث يمكن من الانتفاع به بكل الطرق السائغة شرعًا، وفي الحدود التي بينها الشرع الحكيم. الأمر الثالث: أن هذه العلاقة، تثبت مدة بقاء الشيء ما لم يخرجه عن ملكه عن تصرف شرعي. قابلية الأموال للملك والتمليك: فالأموال بطبيعتها قابلة للملك والتمليك، غير أنه قد يعرض لبعض الأموال ما يجعلها مخصصة للنفع العام، كالأماكن المعدة لحفظ البلاد وحمايتها، كالقلاع والحصون والمعدات الحربية العامة، ومنها: الطرقات العامة والقناطر والجسور المعدة لاجتياز عامة الناس، وهذا النوع من الأموال لا يقبل التمليك بحال من الأحوال، ما دام مخصصًا لمنفعة الكافة؛ فإن زالت عنها تلك الصفة عادت إلى حالتها الأصلية، وهي قابليتها للملك والتمليك. وهناك نوع آخر من الأموال، لا يقبل التمليك في معظم الأحوال، وقد يقبله عند وجود مسوغ شرعي من ضرورة ملحة للتمالك أو حاجة ماسة دافعة إليه أو مصلحة راجحة، وتلك الأموال هي: العقارات الموقوفة، وأموال بيت المال بالنسبة للمسلمين. 6. موقف الإسلام من الملكية الخاصَّة: لم تكن الملكية الخاصة الفردية بِدعًا في الإسلام؛ بل كانت مصاحبة لوجود الإنسان، وكل الشعوب والأمم السابقة عرفت نظام الملكية الخاصة، مثل: بني إسرائيل والرومان واليونان والعرب قبل الإسلام، وغير ذلك من أمم الأرض، ولعل السبب في هذا الاتفاق أن الملكية لها علاقة قوية بفطرة الإنسان وغرائزه وميوله، وعندما جاء الإسلام أقر الملكية الفردية؛ ولكنه أعطى نظام التملك مفهومًا خاصًّا، وهو مفهوم الخلافة، وأضفى عليها طابع الوكالة، التي تجعل من المالك أمينًا على الثروة، ووكيلًا من قبل الله تعالى، الذي يملك الكون وجميع ما يضم من ثروات، وهذا التصور لجوهر الملكية متى تركز وسيطر على ذهنية المالك المسلم، أصبح قوة موجهة في مجال السلوك، وقيدًا صارمًا يفرض على المالك، التزام فرائض الله وحدوده المرسومة في سياسة المال، كما يلتزم الوكيل والخليفة دائمًا بإرادة الموكِّل والمستخلف، وإذا كانت ملكية المال هي محور النشاط الاقتصادي في كل أمة وفي كل جماعة، كان لزامًا على الإسلام -وهو خاتم الأديان والرسالات- أن تمتد ظلال تعاليمه الاقتصادية إلى تنظيم ملكية المال، وتنظيم وسائل كسبه، وتنميته، وإنفاقه؛ لأنه جاء بعد انحراف اليهودية نحو المادة، وانحراف المسيحية نحو الروح؛ فلا بد له من إصلاح هذا الانحراف، بربط القيم الماديَّة بالقيم الروحية والأخلاقية. فمفهوم الخلافة، موجِّهٌ ومحرِّكٌ لقوة فعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وعندما يتكيَّف المسلم بهذه التعاليم الخلقية نفسيًا وروحيًا تتحدد مشاعره، ويتوجه نشاطه وفقًا لها، وفي سبيل غرس هذا المبدأ في نفوس المؤمنين سلك الإسلام مسالك عديدة: الأول: إشعار الناس بأن المال لله؛ فهو مالك لكل ما بالكون، فقال عز وجل{لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرَىَ} [طه: 6]. المسلك الثاني: إشعارهم بأنه سخَّرَ هذا المال، وكل ما في الكون لمصلحتهم ومنافعهم منَّةً مِنْه سبحانه وتعالى عليهم، فقال تعالى: {اللّهُ الّذِي سَخّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12]… وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى، فهذه توحي بأن الله تعالى يَمُنُّ عليهم في كتابه الكريم بالمآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح… ونحو ذلك. المسلك الثالث: بعد إضافة الملكية الحقيقية إليه، أعلنهم وأعلمهم بأنهم قد صاروا خلفاء له بجعلِه إياهم، فقال تعالى: {هُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاّ مَقْتاً} [فاطر: 39]، فالله مانح الخلافة لعباده، ولو شاء لانتزعها منهم، كما قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133]. وطبيعة الخلافة تفرض على الإنسان أن يتلقى تعليماته بشأن أخذ المال والتصرف فيه ممن منحه تلك الخلافة، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمّا جَعَلَكُم مّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] وقال تعالى: {وَآتُوهُمْ مّن مّالِ اللّهِ الّذِيَ آتَاكُمْ} [النور: 33]. ومن لوازم هذه الخلافة: أن يكون الإنسان مسئولًا بين يدي من استخلفه خاضعًا لرقابته في جميع تصرفاته وأعماله، وفي هذا قال الله تعالى: {ثُمّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14]، وقد أمر الجماعة أن تحجُرَ على الفرد، إذا لم يكن أهلًا للتصرف الحكيم في ماله؛ لصغر أو سفه، وأن تمنعه من التصرف في ماله بشكل يؤدي إلى ضرر بليغ بسواه، أو يجعل ماله وسيلة للفساد والإفساد. المسلك الرابع: تجريد الملكية من كل الامتيازات المعنوية التي اقترنت بوجودها على مر الزمن، ولا يرضى للمسلم أن ينظر إليها بوضعها مقياسًا للاحترام والتقدير في المجتمع الإسلامي، ولا أن يقرنها بنوع من القيمة الاجتماعية في العلاقات المتبادلة، قال تعالى: {إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، ولا مقياس بعد هذه التقوى عند الله وعند المؤمنين به حقًّا. المسلك الخامس: محاربة الغائية: فالمال ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق مصالح الدنيا والآخرة للإنسان؛ فالإسلام يحارب كونه غاية في ذاته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأبقيت))، وما سوى ذلك، فهو ذاهب وتاركه للناس، وقد قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ}(1) {حَتّىَ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1-2]، وقد حث الله تعالى على الإنفاق في سبيله، وجعل الإنفاق بمثابة القرض لله فقال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]. وبهذا المسلك الحكيم والأسلوب السليم، أعاد الإسلام الملكية إلى وضعها الطبيعي، وجعلها في الإطار المهذب بعيدة عن الانحرافات بالمال عن مقاصده الأصلية التي خُلِقَ من أجلها؛ فجعل الملكية في نسبة مزدوجة؛ إلى الله تارة، وإلى الإنسان تارة أخرى. والنسبة الأولى: حقيقية، والنسبة الثانية: إضافية. 7. أسباب الحصول على الأموال: أسباب الحصول على الأموال: حاجة الإنسان إلى ما يقوته، ويمونه في حالاته وأطواره تدعوه إلى البحث عن الرزق والسعي في كسبه وتحصيله، والكسب هو قيمة الأعمال البشرية، وهو يكون بالسعي في الاقتناء والقصد إلى التحصيل، وأسباب حصول الأعمال تأتي من جهتين: إحداهما: من طريق القصد والطلب. والثانية: من طريق المصادفة والعرض. فأما ما كان من طريق المصادفة؛ فهو كمثل المواريث عن الآباء والأقارب، والعرب تسميه المال التليد، ويطلق عليه الفقهاء: خلافة الشخص لغيره في الملكية ومنه الوصية، فإن الملك يصل إلى الوارث والمُوصَى له بالخلافة عن المورِّث والمُوصِي؛ إذ لا يملكان إلا من بعد وفاته، ووفاته تعتبر شرطًا للملكية عنه؛ ولذا لا يحتاج دخول الميراث في ملك الوارث إلى قبول منه، وكذلك الوصية لا تحتاج إلى قبول، بل الشرط عدم الرد فيها؛ ولكن الميراث يدخل في الملك الوارث جبرًا عنه من غير اختياره وإرادته، ومن هذا النوع: الخبايا التي لم تبقَ لها أحد، وتسمى الركاز. وأما ما كان بطريق القصد والطلب؛ فهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يؤخذ من يد الغير عن طريق المغالبة والاقتدار عليه، ويسمى مغرمًا وجباية: وهذا شأن الإمارة، والشريعة الإسلامية وضعت مبادئ وأحكام للحاكم المسلم في سياسة المال، والشرع الإسلامي لا يُبِيح تملك المال وكسبه عن طريق القوة والغلبة، إلا في الجهاد مع الكفار، فتكون الغنيمة مباحة التملك؛ ولكن تعتبر تبعًا لمقصد الجهاد وأثرًا من آثاره. يقول ابن خلدون: إن الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش، ويوافقه الإمام الشاطبي في هذا؛ لأنه يعتبر الإمارة من المقاصد الأصلية التي لا حظ فيها للمكلف؛ فلا يجوز لوالٍ أن يأخذ أجرة من تولاهم على ولايته عليهم، وكل ما شابه ذلك من الأمور العامة التي فيها للناس مصلحة عامة، ومن أجل ذلك مُنِعَتِ الهدايا والرشاوى؛ لأنها مفسدةٌ عامةٌ تضاد حكمة الشريعة في نصب الولاية؛ ولكن كما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة، فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك؛ فَيُعطي للحاجة لا لقيامه بأعمال معينة؛ لأن أعمال الولاية من الضروريات الأصلية التي ليس فيها حظ عاجل للمكلف، وأموال بيت مال المال ومالية الدولة العامة؛ فقد وضع الشرع لها الأحكام والمبادئ التي يهتدي بها الحكام في تحصيلها؛ إما بهدى النص، وإما بروح الشرع ومبادئه. القسم الثاني: ضروب الاحتيال في طلب الاكتساب، وهي على أربعة أقسام: الفلاحة، والصناعة، والتجارة، وتربية الحيوان. -أما الصناعة فهي متأخرة عن الفلاحة؛ لأنها مركبة وعامية، تصرف فيها الأفكار والأنظار؛ ولهذا لا توجد غالبًا إلا في أهل الحضر. -وأما التجارة، فالأكثر من طرقها ومذاهبها، إنما هي تحيُّلات في الحصول على ما بين القيمتين؛ في الشراء والبيع؛ لتحصيل فائدة الكسب من تلك الفضلة؛ ولذلك أباح الشرع فيها المكايسة، فالعمل عنصر أساسي في طلب الرزق؛ لأن الزراعة تحتاج إليه، والصناعة تحتاج إليه، وتربية الحيوان الداجن باستخراج فطونه كاللبن من الأنعام… ونحو ذلك، والحرف من كتابة وتجارة وخياطة وحياكة… ونحو ذلك تحتاج إلى العمل. ولذلك نجد الإسلام اهتم بالعمل وحث عليه في تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، كما أنه رتب عليه غذاءَ الدنيا والآخرة، قال تعالى: {فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النّشُورُ} [المُلك: 15]. وجه الدلالة: أن الله تعالى رتب الأكل على المشي المأمور به، وهو كناية عن العمل في سبيل الحصول على الرزق، وهذا يجعل العامل يتبع حدود الشرع في أعماله، ويخلص في إتقانها، ومن ذلك مصلحة عظيمة، ومصلحة الجماعة و الأمة التي يعيش بينها، قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أكل أحد طعامًا قط خير من عمل يده))، وقبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدًا وَرِمَتْ من كثرة العمل، وقال: “تلك يد يحبُّها الله ورسوله”، وغير ذلك من الآيات والأحاديث العديدة التي تحث الناس على السعي طلبًا للرزق، وتلك الأعمال المتقدمة لا تخضع إلا لقواعد الشرع وضوابطه، التي تجب مراعاتها في جميع الأعمال والتصرفات. وعلى هذا الأساس احترم الإسلام العمل، واحترم حق العامل في تملك ثمرة جهده، ودعا الناس إلى الوفاء بحق العامل، وينذر من يجور عليه من أرباب الأعمال بحرب وخصومة من الله، قال صلى الله عليه وسلم ((قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره)). 8. بعض مقاصد الشارع في الأموال: للشريعة الإسلامية مقاصد كثيرة في الأموال، لكن توجد أربعة أمور أعطتها عناية فائقة، وهي: مبدأ التداول، والوضوح، والعدل فيها، والمحافظة عليها من الاعتداء، وبيانها كالتالي: التداول والوسائل التشريعيَّة لتحقيق مقصد التداول: المقصد الأول: التداول: معنى التداول -في اللغة-: التناقل، وتداولوا الشيء بينهم، أي: تناقلوه، وقلبوه بين أيديهم وتناوبوه، والدّولة: ما يُتَدَاوَلُ، وتطلق على المال والغنمة، وقيل: الدَّولة بالفتح: الظّفر في الحرب وغيرها، وهي المصدر، وبالضم -الدُّوَلَة-: اسم الشيء الذي يُتَدَاوَلُ بين الناس، ومنه قوله تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَآءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7]. ومعناه الشرعي: أن يكون المال متداولًا بين أيدي الناس جميعًا ومتحركًا في شكل استهلاك أو استثمار، فالمال الذي يُتَدَاوَلُ بين الأمة ينظر إليه على وجه الجملة، وعلى وجه التفصيل، أما على وجه الجملة، فهو حق عام للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير؛ فمن شأن الشارع أن ينظم إدارته بأسلوب يحفظه موزعًا بين الأمة بالقدر المستطاع. وينظر إليه على وجه التفصيل، باعتبار كل جزء منه حقًّا راجعًا لمكتسبه ومعالجه، من أفراد أو طوائف أو جماعات معينة أو غير معينة، أو حقًّا لمن ينتقل عن مكتسبه، وهو بهذا النظر ينقسم إلى: – مال خاص بآحاد وجماعات معينة. – مال مرصود لإقامة مصالح طوائف من الأمة غير معينين. فمن الوسائل التشريعية لتحقيق مقصد التداول، لا بد لنا من بيان الوسائل التشريعية التي شرعت لتحقيق هذا المقصد، وبعد الوقوف عليها، نستطيع القول بأن هذه الوسائل تفوق جميع ما أتت به النظم والمذاهب الاقتصادية لتحقيق هذا الهدف، وأهم هذا الوسائل ما جاء به الإسلام، من منع كنز الأموال واحتكار السلع الضرورية، والمعاملة بالربا، ومنع الميسر، وتحريم الغش في المعاملات، وتحقيقًا لهذا المقصد بالصورة المطلوبة، نهى الشرع عن أن تكون الأموال دولة بين فئة قليلة من الناس، وتيسيرًا للمداولة شرع العقود والتصرفات، لنقل الأعيان والمنافع بمعاوضة أو تبرع، وهي إما أن تكون ضرورية أو حاجية أو تحسينية، على حسب ما تقدم في بيان مراتب المقاصد. الوسيلة الأولى: منع الإسلام من اكتناز النقود وسحبها من مجال التداول وتجميدها: لأن حبس المال عن التداول والكف عن الإنفاق في سبيل الله، من شأنه أن يفسد التوازن المالي والتجاري والاقتصادي عامة، ويفسد معه التوازن الاجتماعي، ويؤدي بذلك الفساد إلى محظورات ومحرمات يجب تبعًا لمبدأ سد الذرائع منعها من الوقوع، ومنع أسبابها التي تؤدي إليها. وقد جاء تحريم كنز الأموال في الكتاب و السنة، ورتَّبَ الشارع على كنز الأموال وعيدًا مرعبًا ومروعًا، من هذه الآيات قوله تعالى: {وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(34) {يَوْمَ يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وجه دلالة الآية على تحريم الكنز، ترتب الوعيد الشديد عليه. والخطاب في الآية قيل: المراد به أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم؛ وهما: أخذهم الرشوة، وكنزهم الأموال، والضن بها على الإنفاق في سبيل الخير، وقيل: إن المراد به المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود؛ تغليظًا، ودلالةً على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منهم طيب ماله، سواء في استحقاق الإشارة بالعذاب الأليم. وقيل: المراد به أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين. ونرى أن أرجح الأقوال، هذا الرأي؛ لأن الكنز إذا كان محرَّمًا في حق الكفار من أجل أنه رذيلة مذمومة، فيكون في حق المسلم بطريق الأولى؛ لأنه أولى باجتناب الرذائل والتحلي بالفضائل. أما السنة؛ فقد رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح تكوى بها جنباه وجبهته، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إلى إما إلى الجنة وإما إلى النار)). فهذا الحديث مؤكد لمعنى الآية، ومطابق لها في الدلالة على شناعة كنز الأموال، وما يترتب على ذلك من وعيد شديد في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون؛ بل المال حينئذٍ ينقلب إلى حياة ضاربة تزيده غمًّا على غمٍّ وعذابًا فوق العذاب. الوسيلة الثانية: تحريم التعامل بالربا: لقد حرم التعامل بالربا؛ لأنه يقتل مشاعر الشفقة والرحمة في قلب الإنسان المرابي، وذلك لأن همه يصبح أثيًرا بدوافع حب جمع المال، وضم أقل قليل إلى ما عنده من ألوف أو ملايين، ويتحين فرصة احتياج المضطرين، وهذا ينافي قصد الشارع في بناء علاقات الناس على التواد والتراحم والإخاء والإيثار. وقد حرم الله تعالى الربا بقوله: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا} [البقرة: 275]، وقوله تعالى{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ}(278) {فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278، 279]. وجه الدلالة: الأمر بترك ما بقي من الربا مع اقتران ذلك الأمر بالوعيد المرعب المروِّع، وبذلك تترك الآية مجالًا في احتمال عدم تحريم الربا في أية صورة، وإن حصل خلاف في الربا إنما يحصل فيما هو من حقيقة الربا، وما هو ليس داخلًا في حقيقة الربا، والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرضه، على ما يتراضون به، هذا هو المتعارف المشهور عندهم. وقد قال الإمام الجصاص: إنه من المعلوم أن ربا الجاهلية، إنما كان قرضًا مؤجلًا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلًا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرَّمَه، وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة: 279]، وقال: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا} [البقرة: 278]. وقسم ابن القيم -رحمه الله- الربا إلى قسمين؛ جلي، وخفي: فالجلي: حُرِّمَ؛ لما فيه من الضرر العظيم، ويقْصد به ربا النسيئة. والخفي: حرِّمَ؛ لأنه ذريعة إلى الجلي فتحريم الأول قصد، وتحريم الثاني وسيلة. الوسيلة الثالثة: منع الاحتكار: إن الشارع الحكيم يقصد من منعه لكنز النقود تحريكها، وعدم تجميدها، وبهذا المبدأ السليم يضمن التشريع الإسلامي، دفع النقود من كنوزها وتحريكها نحو ميادين الزراعة والصناعة والتجارة؛ سواء كان المحرك لها صاحبها أو من ينوب عنه. وإذا اتجهت الأموال للزراعة والصناعة والتجارة، فلا بد أن تكون هناك محاصيل ومصنوعات وسلع توَّاقَة ونزَّاعة إلى نزول الأسواق الاستهلاكية، وقد يجنح ذَوُوها إلى حبسها ومنعها عن الأسواق؛ رغبة منهم في ارتفاع سعرها، وهذا الفعل يُعْتبر في نظر الإسلام مصادرة لحق الجماعة، ومعوِّقًا لمقصد التداول، ووصول المنافع الأموال إلى الناس، لسد ضروراتهم وحاجاتهم من الطعام واللباس وغيرها؛ ولذا مَنَعَ الشارع الكريم الحكيم احتكار السلع، وشدد في منعه بالنسبة لأقوات الناس والضروريات اللازمة لحياتهم. الوسيلة الرابعة: منع الميْسِر. الوسيلة الخامسة: المنع أن يكون المال دُولة بين فئة قليلة من الناس. المقصد الثاني: وضوح الأموال: والمراد بوضوح الأموال: أن تكون بعيدة عن مواطن المنازعات والخصومات ولحوق الضرر، ولتحقيق هذا المقصد شرع الإسلام التوثيق في العقود والمعاملات المالية: كالكتابة، والإشهاد، والرهن… ونحو ذلك. الوثيقة الأولى: الكتابة: والكتابة شرعها الله تعالى بقوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] وقال: {وَلاَ تَسْأَمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً} [البقرة: 282]. وآية المداينة هي آية عظمى في الأحكام، مبنية جملًا من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل البيوع وكثير من الفروع، والدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا، ووجه دلالة الآية على مشروعية الكتابة في المعاملة المالية، هو أن الله سبحانه وتعالى أمر بكتابة الدين المؤجل بقوله: {فَاكْتُبُوهُ} والأصل في الأمر أن يكون للوجوب ما لم تصرفه القرينة، والدين معاملة مالية معرضة لاحتمال الجحود والنكران أو النسيان؛ فكل معاملة هذا شأنها تعطى هذا الحكم؛ لاتحاد العلة والحكمة. واختلف العلماء في حكم الكتابة المأمور بها في الآية: فمنهم من قال: إنها واجبة على أربابها، بيعًا كان التعامل أو قرضًا؛ لئلّا يقع فيه نسيان أو جحود، واختار الإمام الطبري، هذا القول مستدلًّا بهذه الآية. وذهب الجمهور إلى أن: الأمر بالكتابة للندب وليس للوجوب؛ لأجل حفظ الأموال وإزالة الريب؛ لأن الغريم إذا كان تقيًّا؛ فليست الكتابة بضارّة له، وإن كان غير ذلك؛ فالكتابة فيها حفظ لصاحب الحقِّ. ورجح القرطبي هذا القول، وقال: لأن الله تعالى ندب للكتابة فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع؛ فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس. وإذا تتبعنا مسالك التشريع الإسلامي نجد أن قول الجمهور هو الذي يناسب تلك المسائل؛ لأن الشارع كثيرًا ما يعتمد على الوازع الفطري في تقدير الأحكام، وحب الناس للأموال يدعوهم للمحافظة عليها؛ ولذلك يعتبر الأمر بالكتابة من باب الندب والإرشاد إلى أسلم الطرق في المحافظة على الأموال؛ وبذلك يكون قول الجمهور هو الأولى بالاعتبار، والوازع الفطري يعتبر بمثابة القرينة الصارفة عن إرادة الوجوب، كما في الأمر بالأكل والنكاح. ومهما كان الحال؛ فالكتابة وسيلة شرعها الله تعالى لإرشاد الناس إلى أسلم الطرق في المحافظة على المال، فنفع الكتابة محقّق بلا ريب؛ لأن في عصمتها من الجحود والنكر والخطأ والنسيان فائدة دينية ودنيوية: فالفائدة الدينية: منع النفوس من الظلم. والفائدة الدنيوية: منع الأموال من الضياع. الوثيقة الثانية: الإشهاد: لقد شرع الله سبحانه وتعالى الإشهاد في الحقوق المالية والمدنية، والحدود، وجعل في كل ذلك نصاب الشهادة شاهدين عدلين، أو رجل وامرأتان، إلا في الزنا، وشهادة النساء خاصة بالأموال، وبما لا يطلع عليه الرجال، كالحيض والنفاس، ويشترط في شهادتهن في الأموال أن يكون معهن الرجال؛ وإنما جازت شهادة النساء في الأموال دون غيرها؛ لأن الأموال جعل الله أسباب توثيقها كثيرة؛ لكثرة جهات تحصيلها، وعموم البلوى بها، وتكررها، فجعل فيها التوثيق تارةً بالكتابة، وتارةً بالإشهاد، وتارة بالرهن، وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال، وقد شرع الله الإشهاد، بقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ} [البقرة: 282]، وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]. وجه دلالة الآية: مشروعية الإشهاد في المعاملات المالية؛ فالله سبحانه وتعالى أمر الناس أن يشهدوا إذا تبايعوا، وإذا وجب الإشهاد في البيع أو ندب -كما تقدم في الكتابة- فالأمر يرشدنا إلى خير السبل في المحافظة على الأموال. واختلف العلماء في وجوب الإشهاد في الديوان والبيوع، كاختلافهم في وجوب الكتابة وندبها: فمنهم من قال بوجوب الإشهاد، وهذا قول الطبري. ومنهم قال: الأمر للندب، وحكي هذا القول عن الإمامين: مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. والذي يعنينا أن الله سبحانه وتعالى قد شرع الإشهاد كطريق من طرق المحافظة على الحقوق المتعلقة بالمال في المعاملات المالية، وحث عليه، سواء أكان الأمر على جهة الوجوب، أو على جهة الإرشاد والندب؛ حرصًا من الله تعالى على إبعاد الأموال عن مواطن الريب والتنازع. ولما كانت الشهادة ولاية عظيمة، وهي قبول قول الغير على الغير، شَرَطَ الله تعالى فيها الرضا والعدالة؛ فمن حكم الشاهد أن تكون له شمائل وفضائل يتحلى بها، يوجب له رتبة الاختصاص بقبول قوله، والإشهاد يجعل الأموال واضحة، بعيدة عن مواطن الجحود والنكران أو العوارض والنسيان. الوثيقة الثالثة: وهي الرهن: والرهن معناه: احتباس العين وثيقة بالحق، ليستوفي الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، وجاءت مشروعيته في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىَ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]. جاء في (تفسير القرطبي): لمّا أمر الله تعالى بالكتابة والإشهاد وأخذ الرهان، كان ذلك نصًّا قاطعًا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وقد أمر الله تعالى بالكتابة والإشهاد وقبض الرهان؛ لمراعاة صلاح ذات البين، ونفي التنازع المؤدِّي إلى فساد ذلك؛ لئلّا يسول له الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حد له الشرع، أو ترك الاقتصاد عن المقدار المستحق؛ ولأجل ذلك حرّم الله البيّعات المجهولة التي اعتيادها يؤدي إلى الاختلاف وفساد ذات البين، وإيقاع الضغائن والتباين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان حسن النية وسوئها عند أخذ أموال الناس: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله تعالى عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)). فمما لا شك فيه أن كثيرًا من الناس تنطوي نفوسهم على حب ظلم الآخرين إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومن أجل سد هذه الذريعة جعل الله لصاحب المال حق الكتابة، والإشهاد، وطلب الرهن، وصاحب المال -كما أعطي تلك الوسائل في المحافظة على حقه- أعطي طلب الحميم الذي يضمن له حقه، إما بضمان الوجه أو بضمان الغرم. وبهذه الوسائل جعل الشارع الكريم، مقصد وضوح الأموال وبعدها عن مواطن الريب والتنازع والخصام أمرًا ظاهرًا. المقصد الثالث: العدل في الأموال: فالعدل: هو المساواة بين الناس، والعدالة لفظ يقتضي ذكر المساواة، ولا يستعمل إلا باعتبار الإضافة، وهو في التعارف إذا اعتبرت بالقوة، هيئة في الإنسان يطلب بها المساواة، وإذا اعتبرت بالفعل في القسط القائم على الاستواء، وإذا وصِف الله تعالى به العدل، فليس يراد به الهيئة، وإنما يراد أن أفعاله واقعة على نهاية الانتظام، والإنسان في تحرِّي فعل العدالة يكون تامّ الفضيلة؛ لأن العدالة من أجمل الفضائل الإنسانية، وهي ميزان الله المبرأ من كل ذلة، وبها يستتب أمر العالم؛ فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ} [النحل: 90]، وقال: {وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((بالعدل قامت السماوات والأرض)). وقال بعض العلماء: إن المراد بالميزان في قوله تعالى: {اللّهُ الّذِيَ أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17] أي: بالعدل، والعدالة المحمودة هي التي تكون مبرأة عن الرياء والسمعة. والذي يجب على الإنسان أن يستعمل معه العدالة خمسة: الأول: بينه وبين الله تعالى: بمعرفة أحكامه والانقياد لها. الثاني: من قوى نفسه: وهو أن يجعل هواه مستسلمًا لعقله، فقد قيل: أعدل الناس من أنصف عقله من هواه. الثالث: بينه وبين أسلافه الماضين في إنفاذ وصاياهم والدعاء لهم. الرابع: بينه وبين معامليه: من أداء الحقوق والإنصاف في المعاملات من البيعات والمقرضات والصدقات. الخامس: النصيحة بين الناس على سبيل الحكم: وذلك إلى الولاة وأعوانهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسئول عنه؛ ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته))، هذا الحديث يدل على: عموم مسئولية العدل بين الناس من كل مكلف في حدود مسئوليته. وأما حكام العدل في الأرض؛ فثلاثة: – حاكم من الله تعالى: وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. – والعامل والآمر به، وهو كل والٍ عدل. – والنقود المعتبر بها قيمة الأشياء، وأعلاها الذهب؛ لأنه الحكم في قيمة الأشياء المالية، وهو من وجه كالحاكم، ومن وجه آخر كالآلة للحاكم، يعتبر إذا قيس عمل بعمل. ولما كانت الشريعة الإسلامية مجمع العدالة ومنبعها صار من امتنع من انتظامها والتزامها أظلم ظالم؛ ولهذا قال الله عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} [الأنعام: 144]. وإذا كانت العدالة لفظًا يقتضي المساواة؛ فالظلم هو الانحراف عن العدالة؛ ولهذا عُرِّف بأنه: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص، والذي نرمي إليه في هذا المقصد: العدل في الأموال؛ بوضعها في موضعها الذي خلقت من أجله وأمر به الشارع الحكيم؛ فالعدل فيها يشمل تحري الحق في كسبها وتأدية ما عليها من حقوق وواجبات دائمة كالزكاة، أو الطارئة، واتباع أرشد السبل في إنفاقها وتنميتها. – أما طريق الكسب والتنمية؛ فقد سبق ذكره. – أما الإنفاق فهو المقصود في هذا المقصد. وقد توصّل الشارع إلى تحقيق مقصد العدل في الأموال بمسلكين: المسلك الأول: طلب الإنفاق المحمود. والمسلك الثاني: طلب الكف عن الإمساك المذموم، ونهى عن الإسراف والتبذير. أما الإنفاق المحمود فهو الذي يكسب صاحبه العدالة، وهو بذل ما أوجبت الشريعة بذله، كالصدقة المفروضة، والإنفاق على النفس والعيال، وما ندبت الشريعة إلى بذله كصديقة التطوع، وإكرام الضيف، فهذا يكسب صاحبه من الناس شكرًا، ومن ولي النعمة أجرًا. وأما المذموم فضربان: الأول: الإفراط، وهو التبذير والإسراف. والثاني: التفريط، وهو التقتير والإمساك. وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية: فالتبذير من جهة الكمية يعطي أكثر مما يحتمله حاله، ومن حيث الكيفية، أي: يضعه في غير موضعه، والاعتبار به في الكيفية أكثر منه بالكمية؛ فرب منفق درهمًا من ألوف هو في إنفاقه مسرف، وببذله مفسد ظاهر؛ وذلك كمن أعطى فاجرةً درهمًا، أو اشترى به خمرًا، ورب منفق ألوفًا لا يملك غيرها هو فيه مقتصد، وبذله محمود، فبذل القليل يكون إسرافًا، والكثير اقتصادًا؛ إذا كان بذل القليل في باطل والكثير في حق. ويتفاوت أجر المنفق بقدر ما يلاقيه من مجاهدة النفس وإكرام الآخذ؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: ((سبق درهم مائة ألف درهم. قالوا: يا رسول الله، وكيف؟! قال: رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها)). أما التقتير من جهة الكمية فهو: أن ينفق دون ما يحمله حامل، ومن جهة الكيفية: أن يمنع من حيث يجب، وينفق حيث لا يجب، ورذيلة التبذير أحمد من التقتير عند الناس؛ لأن التبذير جود، والتقتير بخل، والجود على كل حال مهما تجاوز الحد فهو أحمد من البخل. 10. إنفاق المال فيما خلق لأجله: لقد جعل الله تعالى إنفاق المال فيما خلق لأجله هو المقصد الأصلي الذي ترجع إليه جميع المقاصد الشرعية في الأموال؛ لأن المال لم يخلق ولم يتكبد المشاق في كسبه وتحصيله إلا لإنفاقه في حاجات الناس، ضرورية كانت، أو حاجية، أو تحسينية، حاضرة أو مستقبلية؛ ولذلك اهتم التشريع الإسلامي في أصل أدلته بوضع القواعد والمبادئ في إنفاق المال، وتوجيه المنفقين إلى مصارف الإنفاق، وإنفاق المال إما أن يكون على النفس؛ وإما أن يكون على الغير، وفي كلٍّ لا يعدو المنفق ثلاث حالات: وذلك لأنه إما أن يكون بخيلًا شحيحًا ممسكًا، وإما أن يكون مبذرًا مسرفًا، وإما أن يكون متوسطًا ومعتدلًا: الحالة الأولى: البخل والشح: نظر الشرع إلى حالة البخل والشح، على أنهما مرض يعتري نفوس البشر، فسعى في علاجه بتشريعات حكيمة، فجاءت بعض الآيات والأحاديث في ذم البخل والبخلاء: أولًا: القرآن الكريم: قال الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لّهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لّهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180]، وقال تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}(36) {الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء: 36، 37]، وقال: {وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، فهذه الآيات، تدل على أن البخل والشح من الصفات الذميمة، وأن عاقبة البخل وخيمة، وأنه صفة مبغوضة عند الله تعالى، وهي مرض يصيب نفوس البشرية، ولا فلاح لها في الدنيا والآخرة إلا بالتخلص منها، وأن الله تعالى رتب عليه الوعيد الشديد؛ لأن حبسها يناقض قصد الشارع فيها. ثانيًا: السنة النبوية: وردت أحاديث كثيرة في ذم البخل والبخلاء: منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أُحْمِي عليه في نار جهنم، فيُجعل صفائح فتكوى به جنباه وجبهته، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار))، وقد ذكر أصناف الأموال ورتّب على كل صنفٍ ما يناسبه من العقاب والعذاب؛ فهذا الحديث فيه تغليظ عقوبة من لا يؤدي زكاة ماله، وما يتعلق به من حقوق وواجبات. والزكاة حق الله تعالى؛ فمن يبخل بها على الله، فهو أولى ببخله بحق الناس. ومما جاء في ذم الإمساك، قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان: فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: أعطِ ممسكًا تلفًا))، فلو لم يكن الإمساك قبيحًا، ما دعا عليه الملائكة بالتلف، فكون الله يسلط من عباده المكرمين ليدعوا على الممسك بتلف ماله في الدنيا، جديرٌ بتحريم الإمساك وتقبيحه. الحالة الثانية: حالة التبذير والإسراف: أولًا: القرآن الكريم: فقد جاءت آيات كثيرة في ذمه وتقبيحه، وبينت أنها سبب هلاك الأمم؛ لأنها تؤدي إلى الترف والكفران بنعم الله، قال تعالى: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيراً}(26) {إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوَاْ إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ وَكَانَ الشّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُوراً} [الإسراء: 26، 27]، فوصفُ المبذرين، بأنهم من إخوان الشياطين، ووصف الشيطان بأنه كفور لربه، وأخو الكفور كفور، والكفور يستحق العقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة. وقال تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16]، فجعل الترف سببًا للفسق، والفسق سببًا في الهلاك والتدمير، وهذه سنة الله في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. فهذه الآيات دلّت على أن إسراف الدنيا المؤدِّي إلى الإتراف، سبب في عذاب الآخرة، وهذه الآيات المتقدِّمة ترشدنا إلى أن التبذير والإسراف، كلاهما ليس من شيم المؤمنين الذين يضعون الأموال فيما أمرهم الله بوضعها فيه. ثانيًا: السنة النبوية: وقد جاء في السنة النبوية المشرفة، ما يمنع إضاعة المال: فمن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله -تبارك وتعالى- يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاء الله أمركم. ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال))، وإضاعة المال تكون بصرفه في غير وجوهه الشرعية، وتعرضه للتلف؛ لأن ذلك إفساد، والله تعالى لا يحب الفساد؛ لأنه إذا ضاع ماله تعرّض لما في أيدي الناس. طرق الشرع في علاج أمراض: البخل، وشح النفس، والإسراف: الطريق الأول: تهيئة النفوس: لتهيئة النفوس بتلك الآيات والأحاديث الذي توضح قبح البخل والشح، والإسراف والتبذير، وتبين أنها خصال ذميمة، وأمراض خبيثة، تعتري النفوس وتنحرف بذلك عن جادة الطريق، وأن هذه الخصال لا تنتشر في أمة أو قوم إلا كانت علة في الهلاك والدمار المحقق، وأن عاقبة البخلاء والمسرفين عذاب أليم. وبعد هذه التهيئة الحكيمة لنفوس، المؤمنين شرع لهم الواجبات المالية التي يجب أداؤها، والمندوبات المالية التي يحسن بهم القيام بها؛ لمصالح الأفراد والجماعة، وقد تقدم الكلام على رزيلة البخل والشح، وعن الإسراف. ولكن: ما هو البخل الذي يترتب عليه ذلك الوعيد؟ البخل عند العرب: منع السائل مما يفضل عنده. والشح أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: الشح بالمال والمعروف. وفي الشرع عند جمهور العلماء: منع الواجب؛ لقوله تعالى: {الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 180]؛ لأن الآية دلت على الوعيد الشديد في البخل، والوعيد لا يليق إلا في ترك الواجب؛ ولأن الله تعالى ذم البخل وعابه، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله أو يعاب به؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((وأيّ داءٍ أدوأ من البخل)). وإذا كان البخل هو عبارة عن منع الواجب، فلا بد من تقبحه وذمه، وبيان عواقبه؛ حتى تتهيأ النفوس بذلك لأداء الواجب؛ خشية ما يحل بها من عذاب الله، إن لم تكن طامعة في مرضاته. الطريق الثاني: الواجبات المالية: ليست الحقوق في واقع الأمر إلا مصالح، وليست المصالح إلا من قبيل المنافع، غير أن المنافع نوعان: حقوق شرعها الله سبحانه وتعالى لأصحابها بناء على أسباب تترتب عليها الضرورات والحاجات، هذه الضرورات والحاجات يتطلبها صلاح المجتمع ونظامه، وتوفير وسائل العيش والحياة الميسرة لأفراده، وقصدًا إلى سدِّ حاجاتهم وتحقيق السلام بينهم، وهي أنواع: منها ما يتعلق بالأنفس، ومنها ما يتعلق بالأسرة ومنها ما يتعلق بالأموال، والمتعلقة بالأموال إما على جهة الإيجاب وإما على جهة الندب، والواجبات التي يجب أداؤها أنواع كثيرة، والتي أداؤها على جهة الندب أيضًا كثيرة: الواجب الأول: الإنفاق على النفس والأقارب، الذين تلزم نفقتهم، وقد تقدم نفقة الزوجة والأولاد: وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء… فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك))، هذا الحديث يدل على وجوب البدء بنفقة النفس، وفيه إشعار بأن الحقوق إذا تزاحمت، يقدم الآكد فالأوكد، وفيه أيضًا إشارة إلى أن الاستحباب والحث على تكثير الصدقة وتنويع جهاتها أمر محمود، والإنفاق على النفس واجب، وعلى بعض الأقارب كالأولاد والوالدين، وكذا نفقة الزوجة. الواجب الثاني: الزكاة: وهي ركن من أركان الإسلام، وعمود فقري في بناء المجتمع المسلم، وهي حق المال، وحق الجماعة في عنق الفرد، إن لم يؤدِّه سيطوّق به يوم القيامة، ويجب على الحاكم المسلم أخذُ هذا الحق جبرًا على صاحب المال، ولو أدّى ذلك إلى قتاله وقتله. والحكمة في جعل الزكاة ركنًا من أركان الدين؛ أن الإسلام جاء لتقويم الأرواح والأبدان، وإذا كان وجوب الصلاة ضروريًّا لحياة الإنسان الروحية، فالزكاة كذلك ضرورية لحياته المادية والروحية معًا. جاء في كتاب (حجة الله البالغة) عن الإمام الدهلوي: إن عمدة ما رُوعِي في الزكاة مصلحتان: مصلحة ترجع إلى تهذيب النفس، وهي أنها أُحْضِرت الشح، والشح أقبح الأخلاق ضار بها، ومن تمرّن بالزكاة، وأزال الشح من نفسه كان ذلك نافعًا له، وأنفع الأخلاق، ومصلحة ترجع إلى المدنية، وهي أنها تجمع لا محالة الضعفاء وذوي الحاجة، وتلك الحوادث تغدوا على قوم وتروح على آخرين، فلو لم تكن السنة بينهم مواساة الفقراء وأهل الحاجات، لهلكوا وماتوا جوعًا. الواجب الثالث: إذا اضطر أحد المسلمين؛ فإنه يجب على صاحب المال أن يدفعَ إليه مقدار ما يستبقي به حياته: فكل هذه الإنفاقات من الواجبات، وتركها يكون من باب البخل بحق الله وحق الجماعة، وهذه الواجبات نوعان: دائم الوجوب كالزكاة وزكاة الفطر، وطارئ الوجوب، كالواجبات لدفع الضرر عن جماعة المسلمين وآحادهم، أو لدفع كيد الأعداء عن الإسلام والمسلمين. الطريق الثالث: ما يدخل في دائرة بذل المال على جهة التطوع: وهذا باب واسع قد ندب إليه الشرع، وحبب فيه؛ لأنه مكمِّل للواجب، ونهى الله سبحانه وتعالى عن المنِّ والأذى، والرياء في التصدق؛ لأن هذه مدمرات تحبط الأعمال، قال الله تعالى في بيان فضل الإنفاق في سبيل الله: {الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274]، وقال تعالى: {مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، فهذا يشمل جميع أنواع الإنفاق في سبيل الله، وقد بيّن الله تعالى بقوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ} [البقرة: 264]، إن المنّ والأذى والرياء خصال ذميمة، إن قارنت الصدقة تبطلها؛ ولذا قال تعالى: {قَوْلٌ مّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} [البقرة: 263]. وقد حثّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على الإنفاق في سبيل الله ومساعدة المحتاجين، فقال: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله))، والمراد بالساعي: الكاسب لهما، العامل لمؤنتهم، والأرملة: مَن لا زوج لها، سواء أكانت تزوجت من قبل أم لا، وسميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال -وهو الفقر- وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال: أرمل الرجل: إذا فني زاده. وقال صلى الله عليه وسلم: ((كافل اليتيم -له أو لغيره- أنا وهو كَهَاتَيْنِ في الجنة -وأشار بالسبابة والوسطى))، والمراد بكافل اليتيم: القائم بأموره من نفقة، وكسوة، وتربية… وغير ذلك، وأهم هذه الأمور الإنفاق عليه. وقد وردت أحاديث كثيرة تفوق الحصر في بيان فضل الإنفاق في سبيل الله، ومساعدة المحتاجين، ولا غرابة في هذا؛ لأن الإسلام دين يقوم على التوادّ والمحبة، والتعاون على البرِّ والتقوى، والأخذ بيد الضعفاء والمساكين، ومساعدة ذوي الحاجة، ثم إن هذا الإنفاق التطوعيّ مكمِّل ومتمِّم للإنفاق الواجب، فهو إما أن يقع في مرتبة الحاجة، وإما أن يقع في ترتيب التحسين والتزيين، ولقد وضع الله سبحانه وتعالى تشريعًا لمعالجة حال الإسراف والتبذير ما به تُحفَظ الأموال، ويحدُّ من إسراف المسرفين وتبذير المبذرين، وقد شُرع الحَجْر على كلِّ مَن لم يكن له عقل؛ ليفي بحفظ المال ووضعه في موضعه الشرعي، وأوجب بذلك الولاية على أموال اليتامى، بقوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، والعلة في ذلك أنهم صغارٌ، ولم يكن في مقدورهم أن يتصرّفوا فيها بما يؤدِّي إلى حفظها ونمائها. وقد أجمع العلماء على وجوب الحَجْر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم؛ ولذلك لقوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} ولكنهم اختلفوا في العقلاء البالغين، إذا ظهر منهم تبذير لأموالهم: فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى: جواز ابتداء الحجر عليهم بحكم الحاكم؛ وذلك إذا ثبت عنده سفههم، وأعذر إليهم، فلم يكن عندهم حسن التصرف. وذهب أبو حنيفة إلى أنه: لا يبتدأ الحجر على الكبار.

error: النص محمي !!