Top
Image Alt

المتضاد

  /  المتضاد

المتضاد

رأى السيوطي: أن المتضاد نوع من المشترك، قال أهل الأصول: مفهومَا اللفظ المشترك إما أن يتباينا، بألا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد؛ كـ “الحيض” و”الطهر” فإنهما مدلولا القُرْء, ولا يجوز اجتماعهما لواحدٍ في زمنٍ واحدٍ، أو يتواصلا؛ فإما أن يكون أحدهما جزءًا من الآخر كالممكن العام للخاص، أو صفة كالأسود لذي السواد فيمن سمي به.

ونقل عن ابن فارس: أن المتضاد من سنن العرب, حيث قال: وقال ابن فارس في (فقه اللغة): من سُننِ العربِ في الأسماء أن يُسَمُّوا المتضادَّين باسمٍ واحد، نحو: الجَوْن للأسود، والجَوْن للأبيض. قال: وأنكرَ ناسٌ هذا المذهَب، وأن العربَ تأتي باسمٍ واحدٍ لشيءٍ وضدّه، وهذا ليس بشيء؛ وذلك أنّ الذين رَوَوا أن العربَ تسمِّي السيفَ مُهنََّدًا والفرسَ طِرْفًا, هم الذين روَوا أن العربَ تسمِّي المتضادَّين باسمٍ واحدٍ. قال: وقد جرَّدْنا في هذا كتابًا ذَكرْنا فيه ما احتَجّوا به، وذكرنا ردَّ ذلك ونَقْضَه فلذلك لم نكرره.

كما نقل عن المبرد في كتابه؛ ما اتفق لفظه واختلف معناه، أجناسًا متنوعة من كلام العرب, ثم قال: ومنها ما يقع على شيئين متضادين؛ كقولهم: جَلَل للكبير والصغير وللعظيم أيضًا، والجون للأسود والأبيض وهو في الأسود أكثر، والقوي للقوي والضعيف، والرجاء للرغبة والخوف.

والحق: أن المتضاد هو نوع من المشترك حقًّا؛ لأنه يدل على معنيين؛ لكن الفارق بينه وبين المشترك أن المعنيين متضادان، بينما يكون المعنيان في المشترك مختلفين فقط دون تضاد.

وقد أيد وقوع المتضاد كثيرٌ من العلماء, منهم: ابن فارس، والثعالبي، وقطرب، وأبو زيد، والأصمعي, والسيوطي, وغيرهم من علماء العربية في القديم والحديث.

ولنشوء المتضاد أسباب تشبه أسباب نشوء المشترك؛ فمن أسباب وقوعه: تداخل اللهجات، مثل: الجون بمعنى الأبيض والأسود؛ فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواة بينهما، ولكنّ أحد المعنيين لحي من العرب، والمعنى الآخر لحي غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض؛ فأخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء -كما يقول السيوطي في (المزهر).

وقد يكون معنى اللفظ عامًّا ثم يخصص معناه عند قبيلة معينة، ويسير هذا التخصيص في اتجاه مضاد عند قبيلة أخرى، فأصل السدفة: الستر؛ فكأن النهار إذا أقبل ستر ظلمة الليل، وكأن الليل إذا أقبل سترت ظلمته ضوء النهار، ثم تخصص المعنى فصار في لغة تميم: الظلمة، وفي لغة قيس: الضوء.

ومن الأسباب أيضًا: التطور الصوتي، ومثاله قول بني عقيل: لَمَقْتُ الكتاب, أي: كتبته، وقول سائر قيس: لَمَقْتُه, أي: مَحَوْتُهُ، وإذا عرفنا أن ابن منظور يقول: نَمَقَ الكتاب ينمقه، نمقًا، أي: كتبه؛ فإننا نرجح أن النون أبدلت لامًا في نطق بني عقيل؛ فهما من الأصوات المتوسطة في العربية التي يحدث فيها الإبدال كثيرًا، وبذلك تطابق الفعل مع نظيره بمعنى مَحَا؛ فتولَّدَ التَّضَادّ.

ومن الأسباب أيضًا: العوارض التصريفية؛ تلك الصيغ الصرفية التي تحتمل معنيين، كصيغة فعول التي تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، وكذلك فعيل وفاعل، وهكذا عندما يشتق اسم الفاعل والمفعول من افتعل الأجوف، أو المضعف كمختار ومرتد.

والاستعمال المجازي أيضًا من أسباب وقوع المتضاد، ومثاله: إطلاق كلمة أمة على الجماعة والفرد.

كانت هذه أهم عوامل نشوء المتضاد.

والمتضاد لا يؤدي إلى الإبهام واللبس كما يرى بعضهم؛ لأن سياق الكلام كفيل ببيان المعنى المراد، وإن في اشتمال اللغة العربية على قدر منه لدليلًا على سعتها في التعبير، وثرائها, ونموها.

وقد ذكر السيوطي في (المزهر) أمثلة متنوعة من كتب لغوية عديدة, فقد نقل عن أبي عبيد في (الغريب المصنف) في باب الأضداد, قوله: سمعت أبا زيد سعيد بن أوس الأنصاري يقول: الناهل في كلام العرب: العطشان، والناهل: الذي قد شرب حتى روى. والسدفة في لغة تميم: الظلمة, والسدفة في لغة قيس: الضوء. وبعضهم يجعل السدفة اختلاط الضوء والظلمة معًا؛ كوقت ما بين صلاة الفجر إلى الإسفار.

ونقل عن ابن دريد في (الجمهرة): البك التفريق، والبك الازدحام، ونقل عن أبي زيد في نوادره: البسل: الحرام، والبسل: الحلال. إلى غير ذلك مما نقله عن العلماء من كتبهم.

error: النص محمي !!