Top
Image Alt

المثقب العبدي ونونيّته

  /  المثقب العبدي ونونيّته

المثقب العبدي ونونيّته

والمثقِّب -بكسر القاف: اسمه عائذ، ويقال: عائذ الله بن محصن بن ثعلبة بن وائلة بن عدي بن عوف من أسد بن ربيعة بن نزار، شاعر فحل قديم جاهلي، كان في زمن الملك عمرو بن هند؛ ولُقِبَ بالمثقِّب لقوله في القصيدة له:

ظَهَرنَ بِكِلَّةٍ وَسَدَلنَ أخرى

*وَثَقَّبنَ الوَصاوِصَ لِلعُيونِ

والقصيدة نونية، أي: حرف الرَوِيِّ فيها هو النون، يقول المثقب العبدي فيها:

أَفاطِمُ قَبلَ بَينِكِ مَتِّعيني

*وَمَنعُكِ ما سَأَلتُ كأَن تَبيني

فَلا تَعِدي مَواعِدَ كاذِباتٍ

*تَمُرُّ بِها رِياحُ الصَيفِ دوني

فَإِنّي لَو تُخالِفُني شِمالي

*خِلافَكِ ما وَصَلتُ بِها يَميني

إِذًا لَقَطَعتُها وَلَقُلتُ بِيني

*كَذَلِكَ أَجتَوي مَن يَجتَويني

وهو في هذه الأبيات يخاطب محبوبته فاطمة: “أفاطم”، وهذا منادى مرخم، أي: حذفت منه تاء التأنيث. “قبل بَينِك” أي: قبل فراقك، “متعيني”: يطلب منها أن تمتعه، قبل أن تفارقه.

فَلا تَعِدي مَواعِدَ كاذِباتٍ

*تَمُرُّ بِها رِياحُ الصَيفِ دوني

خص رياح الصيف بالذكر؛ لأنها لا خير فيها، إنما تأتي بالغبار والعجاج، ثم يقول لها: إنه لو تخالفه يده الشمال كما تخالفه محبوبته هذه؛ “إذًا لقطعتها ولقلت: بيني” أي: اذهبي. “كذلك أجتوي من يجتويني”: كذلك أفارق من أفارقه؛ فالاجتواء معناه: الكراهة والاستثقال.

ثم تساءل المثقب عن النساء الراحلات، وفيهن فاطمة هذه، ووصف رحلتهن فقال:

لِمَن ظُعُنٌ تَطَالِعَ مِن ضُبَيبٍ

*فَما خَرَجَت مِنَ الوادي لِحينِ

مَرَرنَ عَلى شَراف فَذاتِ رجلٍ

*وَنَكَّبنَ الذَرانِحَ بِاليَمينِ

وهذه أسماء أماكن: شرف، وذات رجل، والذرانح.

وَهُنَّ كَذاكَ حينَ قَطَعنَ فَلجًا

*كَأَنَّ حُدوجَهُنَّ عَلى سَفينِ

يُشَبَّهنَ السَفينَ وَهُنَّ بُختٌ

*عُراضاتُ الأَباهِرِ وَالشُئونِ

وَهُنَّ عَلى الرَجائِزِ واكِناتٌ

*قَواتِلُ كُلَّ أَشجَعَ مُستَكينِ

“فلج” أيضًا: اسم مكان أو طريق أو وادي، و”الحمول” أي: الهوادج، كان فيها النساء أو لم تكن، و”السفين”: جمع سفينة، و”البخت”: جمال طوال الأعناق، “عُراضات”: جمع عُراضة، والعراض: هو العريض المفرط، كما يقال: طوال، أي: طويل جدًّا، والأباهر: أراد بها الظهور، و”الشئون”: القنوات التي تجري فيها الدموع من الرأس إلى العينين، و”الرجائز”: مراكب النساء، الواحدة رجازة، واكنات: مطمئنات، الأشجع: الطويل. يقول: “يقتلن” أي: هؤلاء النساء، يقتلن كل أشجع، ولكنه يستكين -أي: يخضع لهن- والقتل هنا مجازي بالتأكيد؛ لا يقتلن حقيقة، المراد به ما يحدث للرجال من خضوع في الحب، ثم شبه النساء بالغزلان، فقال:

كَغُزلانٍ خَذَلنَ بِذاتِ ضالٍ

*تَنوشُ الدانِياتِ مِنَ الغُصونِ

خذلن، أي: تخلفن عن صواحبهن، وأقمن على أولادهن، والضال: نوع من شجر السدر، وتنوش أي: تتناول. ويستمر في الكلام على النساء، فيقول:

ظَهَرنَ بِكِلَّةٍ وَسَدَلنَ أخرى

*وَثَقَّبنَ الوَصاوِصَ لِلعُيونِ

الكلة: الستر الرقيق، سدلن أخرى: أرسلنها، والوصاوص: البراقع الصغار، واحدها وصواص؛ فأراد أنهن حديثات الأسنان فبراقعهن صغار، وثقبن الوصاوص أي: جعلن في البراقع فتحات للعيون، وبهذا البيت لقب الشاعر بالمثقب.

يقول أيضًا عن النساء:

وَهُنَّ عَلى الظِلام مُطَلَّبَاتٌ

*طَويلاتُ الذَوائِبِ وَالقُرونِ

“الظِّلام” بكسر الظاء، معناه: الظلم، و”مُطَلَّبَات” أي: مطلوبات أي: نحن -يقصد الرجال- مع ظلم النساء إيانا وتمنعهن نطلبهن، والقرون خصل الشعر أو الضفائر.

ثم يقول:

أَرَينَ مَحاسِنًا وَكَنَنَّ أُخرى

*مِنَ الأَجيادِ وَالبَشَرِ المَصونِ

وَمِن ذَهَبٍ يَلوحُ عَلى تَريبٍ

*كَلَونِ العاجِ لَيسَ بِذي غُضونِ

إِذا ما فُتنَهُ يَومًا بِرَهنٍ

*يَعِزُّ عَلَيهِ لَم يَرجِع بِحينِ

بِتَلهِيَةٍ أَريشُ بِها سِهامي

*تَبُذُّ المُرشِقاتِ مِنَ القَطينِ

عَلَونَ رَباوَةً وَهَبَطنَ غَيبًا

*فَلَم يَرجِعنَ قائِلَةً لِحينِ

فَقُلتُ لِبَعضِهِنَّ وَشُدَّ رَحلي

*لِهاجِرَةٍ نَصَبتُ لَها جَبيني

لَعَلَّكِ إِن صَرَمتِ الحَبلَ مِنّي

*َكَذاكِ أكونُ مُصحِبَتي قَروني

قوله: “أرين محاسنًا وكنن أخرى…” إلى آخر الأبيات: “كنن”، أي: أخفين، الأجياد: جمع جيد وهو العنق، والتريب: جمع تريبة، وتجمع ترائب، وهو عظام الصدر موضع القلادة. والغضون تثني الجلد، فُتْنَه أي: تركنه وخلفنه، والرهن: في البيت المراد به قلبه، يقول: إذا صارت بين أيديهن وملكنه: لم يرجع إليه، أي: لم يرجع قلبه إليه، ولم يتخلص منهن. قوله: “بتلهية…” إلى آخره: التلهية: تفعِلة من اللهو. “أريش بها سهامي”، راش السهام: ألزق عليها الريش، وأراد بالتلهية: محبوبته، وأنه يتغنى بذكر محاسنها، تَبُزُّ، أي: تسبق وتغلب. “المرشقات”: اللواتي تمد أعناقها، وتستشرف للنظر، “القطين”: الخدم والجيران والتباع، يعني: أنها تتفوق عليهن في الحسن والجمال، “الرباوة”: ما ارتفع من الأرض. و”الغيب”: ما اطمأن منها، “القائلة”: وقت القيلولة، وهي نصف النهار، و”الهاجرة”: نصف النهار عند اشتداد الشمس.

قوله: “لعلك إن صرمت الحبل مني”، صرمت الحبل، أي: قطعت الوصل. و”مصحبتي”: تابعتي. وقرونه، أي: نفسه، أي: إن قطعت الوصل أطعت نفسي، وقطعت وصلك.

ثم يقول المثقب:

فَسَلِّ الهَمَّ عَنكَ بِذاتِ لَوثٍ

*عُذافِرةٍ كَمِطرَقَةِ القُيونِ

يقول: “سلِّ الهمَّ عن نفسك”: وأذهبه وحاول نسيانه عن طريق ركوبك لناقتك القوية الشديدة وارتحالك بها، يقول عن هذه الناقة: “إنها كمطرقة القيون”. والقيون: هم الحدادون، يشبه الناقة بمطرقة الحداد، يريد وصفها بالقوة والصلابة، ويصفها كما وصف الشعراء قبله هذه الناقة بقوله:

بِصادِقَةِ الوَجيفِ كَأَنَّ هِرًّا

*يُباريها وَيَأخُذُ بِالوَضينِ

كَساها تامِكًا قَرِدًا عَلَيها

*سَوادِيُّ الرَضيحِ معَ اللَجينِ

إِذا قَلِقَت أَشُدُّ لَها سِنافًا

*أَمامَ الزَورِ مِن قَلَقِ الوَضينِ

كَأَنَّ مَواقِعَ الثَفِناتِ مِنها

*مُعَرَّسُ باكِراتِ الوِردِ جُونِ

يَجُدُّ تَنَفُّسُ الصُعَداءِ مِنها

*قُوى النِسعِ المُحَرَّمِ ذي المُتونِ

تَصُكُّ الحَالِبَينِ بِمُشفَتِرٍّ

*لَهُ صَوتٌ أَبَحُّ مِنَ الرَنينِ

كَأَنَّ نَفِيَّ ما تَنفي يَداها

*قِذافُ غَريبَةٍ بِيَدَي مُعينِ

تَسُدُّ بِدائِمِ الخَطَراتِ جَثلٍ

*خَوايَةَ فَرجِ مِقلاتٍ دَهينِ

وَتَسمَعُ لِلذُبابِ إِذا تَغَنّى

*كَتَغريدِ الحَمامِ عَلى الوُكونِ

فَأَلقَيتُ الزِمامَ لَها فَنامَت

*لِعادَتِها مِنَ السَدَفِ المُبينِ

كَأَنَّ مُناخَها مُلقى لِجامٍ

*عَلى مَعزائِها وَعَلى الوَجينِ

كَأَنَّ الكورَ وَالأَنساعَ مِنها

*عَلى قَرواءَ ماهِرَةٍ دَهينِ

يَشُقُّ الماءَ جُؤجُؤُها وَيَعلو

*جَوارِبَ كُلِّ ذي حَدَبٍ بَطينِ

جَدَت قَوداءَ مُنشَقًّا نَساها

*تَجاسَرُ بِالنُخاعِ وَبِالوَتينِ

إِذا ما قُمتُ أَرحَلُها بِلَيلٍ

*تَأَوَّهُ آهَةَ الرَجُلِ الحَزينِ

تَقولُ إِذا دَرَأتُ لَها وَضيني

*أَهَذا دِينُهُ أَبَدًا وَديني

أَكُلَُّ الدَهرِ حَلٌّ وَاِرتِحالٌ

*أَما يُبقي عَلَيَّ وَما يَقيني

فَأَبقى باطِلي وَالجِدُّ مِنها

*كَدُكّانِ الدَرابِنَةِ المَطينِ

ثَنَيتُ زِمامَها وَوَضَعتُ رَحلي

*وَنُمرُقَة رَفَدتُ بِها يَميني

فَرُحتُ بِها تُعارِضُ مُسبَطِرًّا

*عَلى صَحصاحِةِ وَعَلى المُتونِ

إِلى عَمرٍو وَمِن عَمرٍو أَتَتني

*أَخي النَجداتِ وَالحِلمِ الرَصينِ

في هذه الأبيات جميعًا، يصف المثقب العبدي ناقته: “فسلِّ الهم عنك بذات لوث”: اللوث: الشدة، والعذافرة: الشديدة القوية، والقيون: الحدادون -كما ذكرنا- يصف بذلك ناقته، وأنه يتسلى عن محبوبته بالسفر إن قطعت وصله.

“الوجيف”: سير سريع، “يباريها”: يسير معها، الرضين: للرجل بمنزلة الحزام للسرج، يريد كأن بجانبها هرًّا -أي: قطًّا- يناوشها؛ فهي تبغي النجاة منه، يصفها بالسرعة. “التامك”: المشرف الطويل، “القرض”: المتلبد، يعني: سنامها، “السوادي”: نسبة إلى سواد العراق، يريد به: العلف، وأنه هو الذي نمى سنامها، “الرضيح”: النوى المدقوق، “اللجين”، أي: ما تلجن، يعني: تلزج من ورق أو علف أو غيره. “السناف”: خيط أو حبل دقيق من المنخر إلى الحزام، معرس: مكان التعريس: وهو النزول آخر الليل، والجون: السود، أراد بهن القطا، يبكرن بالورود إلى الماء، شبه ما مس الأرض من ناقته بتعريس من قطا فحصن الأرض و”معرس القطا”: أخفى. “يحز” أي: يقطع، و”الصعداء”: النفس المردود إلى الجوف، و”النسع”: سير يضفر من الجلد، و”قواه”، أي: طاقاته التي ضفر منها، والمحرَّم: الذي دفع ولم يليَّن، و”ذو المتون”، أي: ذو القوى، يقول: إذا زفرت؛ فامتلأ جوفها بنفسها قطعت النسع بنفَسها. “الحالبان”: عرقان يكتنفان السرة. و”المشفتر”: أي: المتفرق، يعني: الحصى، و”البحة”: صوت فيه غلظ، أراد: أنها تزج بالحصى في سيرها، فتصك بها حالبيها.

قوله:

كَأَنَّ نَفِيَّ ما تَنفي يَداها

* قِذافُ غَريبَةٍ بِيَدَي مُعينِ

شبه ما تنفي يداها -أي: تلقيه وتبعده من الحصى بسبب سرعتها: بحجارة تقذف بها ناقة غريبة أتت حوضًا غير حوضها لتشرب منه؛ فرُميت. قوله: “تسد بدائم الخطران جثل”، دائم الخطران: يعني ذنبها، وخطرانه: حركته، والجثل: الكثير الشعر، والخواية في البيت: معناها الفرجة، والمقلاة: التي لا يبقى لها ولد، والدهين: الناقة القليلة اللبن.

قوله:

وَتَسمَعُ لِلذُبابِ إِذا تَغَنّى

*كَتَغريدِ الحَمامِ عَلى الوُكونِ

يريد بالذباب هنا: حد نابها، أي: صوته إذا صرفت أي: صوتت بأنيابها، ويجوز أن يكون ذلك في وقت الخصب؛ فتسمع صوت الذباب في الرياض -يمكن أن يفسر الكلام على وجهين- والوكون: جمع وكن: وهو عش الطائر، السدف: الليل، والسدف: النهار أيضًا، والمراد به في قوله:

فَأَلقَيتُ الزِمامَ لَها فَنامَت

*لِعادَتِها مِنَ السَدَفِ المُبينِ

المراد به هنا: الضوء. “المعزاء”: الموضع الكثير الحصى. و”الوجين”: ما غلظ من الأرض وكان فيه ارتفاع، شبه موقع سفناتها، أي: مواقع أقدامها وآثارها بموقع الجام إذا ألقي.

“الكور”: كور الرحل: وهو خشبه وأداته، “الأنساع”: جمع نسع: وهو السير، “القرواء” في كلامه معناها: السفينة الطويلة القرى، أي: الطويلة الظهر، والمأهرة: أي: السابحة، و”الدهين”: المدهونة، و”الجؤجؤ”: الصدر، و”الغوارب” من كل شيء: أعلاه، والحدب: ارتفاع الموج، والبطين: البعيد الواسع، شبه الناقة بسفينة يشق الماء صدرها، قوله: “غدت قوداء… إلى آخره” القوداء: الطويلة العنق. “منشقًّا نساها”، وذلك إذا سمنت انفلقت اللحمتان اللتان في الفخذين، فيظهر النسا بينهما، و”النسا”: عرق. “تجاسر”: تمضي، و”الوتين”: عرق في القلب.

قوله: “إذا ما قمت أرحلها بليل”، أرحلها: أي: أضع عليها الرحل، “تأوه آهة الرجل الحزين”، يقول: إن الناقة تصدر صوتًا يشبه صوت الرجل المتوجع المتألم، عندما يضع الرحل عليها ليلًا؛ لأنها تعرف أنها ستسافر سفرًا متعبًا، وسيرحل عليها رحلة طويلة:

تَقولُ إِذا دَرَأتُ لَها وَضيني

*أَهَذا دِينُهُ أَبَدًا وَديني

 هنا يتخيل الشاعر ناقته كأنها تتكلم، بعد أن ذكر أنها تتأوه؛ أخبر أنه إذا شد رحله بالحزام عليها ومده، قوله:

تَقولُ إِذا دَرَأتُ لَها وَضيني

*أَهَذا دِينُهُ أَبَدًا وَديني

أَكُلُّ الدَهرِ حَلٌّ وَاِرتِحالٌ

*أَما يُبقي عَلَيَّ وَما يَقيني

 تخيل الشاعر ناقته تتكلم، وألقى على لسانها هذا الاستفهام الإنكاري التعجبي، أهذا دينه أبدًا وديني؟! أكل الدهر حل وارتحال؟! أما يبقي علي ذلك الرجل وما يقيني تعب السفر والارتحال؟! هكذا تخيل الشاعر ناقته تقول.

…. …. …. وَضيني

*أَهَذا دِينُهُ أَبَدًا وَديني

أَكُلُّ الدَهرِ حَلٌّ وَاِرتِحالٌ

*أَما يُبقي عَلَيَّ وَما يَقيني

وقوله:

فَأَبقى باطِلي وَالجِدُّ مِنها

*كَدُكّانِ الدَرابِنَةِ المَطينِ

“باطلي”: أي: ركوبي في طلب اللهو والغزل، ركوبي إياها، وجدها: جدها في السير وسرعتها، والدكان: الدكة المبنية للجلوس عليها، والدرابنة: البوابون، الواحد “دربان” بتثليث الدال دُربان أو دِربان أو دَربان: فارسي معرب، و”المطين” أي: المطلي بالطين، يريد أنها: وإن أتعبها في لهوه؛ فإنها ضخمة قوية:

ثنيت زمامها ووضعت رحلي

*ونمرقة رفدت بها يميني

 النمرقة: الوسادة، رفدت، أي: أعنت يعني، أنه اعتمد على وسادة.

فَرُحتُ بِها تُعارِضُ مُسبَطرًّا

*عَلى صَحصاحِهِ وَعَلى المُتونِ

“المسبطر”: الطريق الممتد. و”تعارض”: تأخذ في عرضه، أي: تسير بإزائه، كأنها تختصره مخافة أن تضل، و”الصحصاح”: ما استوى من الأرض، و”المتون”: جمع متن: وهو ما صلب من الأرض وغلظ… بعد أن فرغ من الكلام على ناقته أخبر أنه توجه بها إلى عمرو، ويبدو أن عمرًا هذا هو عمرو بن هند الملك، فقال -كأنها كانت هبة له من عمرو:

إِلى عَمرٍو وَمِن عَمرٍو أَتَتني

*أَخي النَجداتِ وَالحِلمِ الرَصينِ

فَإِمّا أَن تَكونَ أَخي بِحَقٍّ

*فَأَعرِفَ مِنكَ غَثّي مِن سَميني

وَإِلّا فَاِطَّرِحني وَاِتَّخِذني

*عَدُوًّا أَتَّقيكَ وَتَتَّقيني

وَما أَدري إِذا يَمَّمتُ وَجهًا

*أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني

أَأَلخَيرُ الَّذي أَنا أَبتَغيهِ

*أَمِ الشَرُّ الَّذي هُوَ يَبتَغيني

يقول لعمرو: إما أن تكون أخي بحق؛ فأعرف منك غثي أو سميني: أعرف نصحك من غشك، و إلا تفعل ذلك فاطرحني، واتخذني عدوًا، أي: اترك مودتي، واتخذني عدوًّا أتقيك وتتقيني.

وهذا البيت والأبيات السابقة التي قالها المثقب، وهو يتحدث عن محبوبته، كأنه أراد بها أن يصف لنا نفسه، وأنه ذو شمم وإباء، وأنه لا يقبل إلا المعاملة المتكافئة، لا يحب من محبوبته أن تهجره، وتقطع صلتها به، ثم هو يدوم على ودها، كذلك لا يقبل من الملك أن يعامله معاملة أقل من معاملة الأخ بحق، وهو في كل ذلك يخبر أنه مستعد؛ لأن يتحمل مسئولية قراره بهجر من يهجره؛ حتى إنه قال لمحبوبته:

فَإِنّي لَو تُخالِفُني شِمالي

*خِلافَكِ ما وَصَلتُ بِها يَميني

إِذًا لَقَطَعتُها وَلَقُلتُ بِيني

*كَذَلِكَ أَجتَوي مَن يَجتَويني

فالرجل لا يقبل من أحد أن يخالفه في وده، ثم يقول كلامًا شريفًا عاليًا، يظهر عجز الإنسان عن معرفة الحقيقة في أي اتجاه يتجهه يريد به الخير، فقد يحصل الشر من حيث أراد الخير:

وَما أَدري إِذا يَمَّمتُ أمرًا

*أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني

أيهما يكون قريبًا مني.

أَأَلخَيرُ الَّذي أَنا أَبتَغيهِ

*أَمِ الشَرُّ الَّذي هُوَ يَبتَغيني

وهذه القصيدة تتسم بوحدة موضوعية إلى حدٍّ بعيدٍ؛ لأن المعاني التي أراد الشاعر التعبير عنها معان مترابطة، ولعل نهايتها في خطابه لعمرو مشبهة بدايتها في خطابه لمحبوبته، وفي القصيدة صور جزئية من التشبيه والاستعارة في وصف النساء، وفي وصف الناقة، يسهل على المراجع أن يتعرف عليها.

error: النص محمي !!