Top
Image Alt

المجامع النصرانية المعقودة، وأثرها في تحريف العقيدة المسيحية

  /  المجامع النصرانية المعقودة، وأثرها في تحريف العقيدة المسيحية

المجامع النصرانية المعقودة، وأثرها في تحريف العقيدة المسيحية

أولا: مجمع نيقية 325م:

وقد وُجِّهَتْ الدعوةُ إلى البطاركة من جميع البلدان، فاجتمع في نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة، وكان الخلاف بينهم على أشده في شخصية المسيح وأمه، وحضر قسطنطين مناقشاتهم ولكنه ازداد حيرة من كثرة خلافاتهم، فأعد دارًا للمناظرة وطلب إليهم أن يتناظروا فيها ليرى من خلال المناظرة ما هو الرأي الصحيح، وعلى الرغم من أن عدد المجتمعين من الأساقفة قد زاد على الألفين إلا أن ثلاثمائة وثمانية عشر من بينهم هم الذين قالوا بألوهية المسيح، فمال قسطنطين إلى هذا الرأي؛ لأنه فيما يبدو يتفق مع عقائده القديمة، فأعطاهم تفويضًا بأن يفرضوا هذه العقيدة على جمهور الناس وأيدهم بسلطانه.

وعلى الرغم من أن الغالبية كانت مشايعة لرأي “آريوس” الذي يقول بالتوحيد وبشرية عيسى، إلا أن قوة السلطان وقهر الحكم مكنا للآخرين من أن يجعلوا رأيهم صاحب السيادة بين جمهور الناس.

وتتلخص قرارات مجمع نيقية فيما يلي:

أ‌- أن المسيح إله.

ب‌- وأنه من جوهر الله.

ج- وأنه قديم بقدمه.

د- وأنه لا يعتريه تغيير ولا تحول.

وأخذ قسطنطين يفرض هذه الآراء بالقوة، وتسلط هذا القسيس على الناس، لكن الموحدين لم يستسلموا وظلوا يحاولون العمل بكل الوسائل ليظل الناس على عقيدتهم في التوحيد وفي الإيمان ببشرية عيسى، ولما مات قسطنطين وولي ابنه حاولوا إقناعه برأيهم ولكنه لم يعمل بما دعوه إليه، واستمر الصراع قائمًا بين الموحدين والقائلين بألوهية عيسى، وبخاصة وأن أغلب الكنائس كانت تميل إلى التوحيد، حتى إن أتباع “آريوس” الموحدين كانوا يتتبعون أي أسقف لم يكن على عقيدتهم فلا يبقون عليه، وقد حاولوا قتل أسقف الإسكندرية فهرب منهم واختفى، وحينما شعروا بأن بطريرك بيت المقدس لم يكن من الموحدين وثبوا عليه فهرب منهم وأحلوا مكانه أسقف “آريوسيا”، وهكذا مضت الحياة بين المسيحيين حتى يوم الناس هذا.

وبهذا يستبين لك أن قسطنطين كان له دور بارز في تغيير رسالة المسيح عليه السلام من التوحيد إلى الشرك، ومن الإيمان بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، إلى الزعم بأنه إله أو ابن إله أو أنه من جوهر الله… إلى آخر ما قالوه، وكان “آريوس” يرد عليهم ويقول لهم: “إن الأب هو الله وحده وأما الابن فمخلوق ومصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن”. وظل “آريوس” وأتباعه على هذا المبدأ، ولكن اجتهد قسطنطين في نشر المذهب الذي تبناه بولس، وتدخل قسطنطين تدخلًا فعليًّا في الأمر، وبحكم أنه إمبراطور الرومان أرسل كتابًا إلى “آريوس” و”الإسكندر” يدعوهما إلى الوفاق، ثم جمع بينهما ولكنهما لم يتفقا فجمع مجمع نيقية سنة 325.

قال ابن البطريق المسيحي في وصف المجتمعين وعددهم ما نصه: “بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان البطارقة الأساقفة، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة كانوا مختلفين في الآراء والأديان، فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله وهم البربانية ويسمون الريماتيين، ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة “سابليوس” وشيعته، ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب؛ لأن الكلمة دخلت في أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها وهي مقالة البيان وأشياعه.

ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم وإنه اصطفي ليكون مخلصًا للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية وحلت فيه بالمحبة والمشيئة؛ ولذلك سُمي ابن الله، ويقولون: الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد ويسمونه بثلاثة أسماء ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم البلقانيون، ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل صالح وطالح وعدل بينهما، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه، وزعموا أن “مرقيون” هو رئيس الحواريين وأنكروا بطرس، ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح وهي مقالة بولس الرسول، ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا”.وهنا ينتهي كلام ابن البطريق المسيحي في وصف المجتمعين وعددهم.

وأما موقف قسطنطين من المتناظرين فكما أسلفنا أنه أمرهم أن يتناظروا لينظر الدين الصحيح مع من، وأخلى دارًا للمناظرة ولكنه جنح أخيرًا إلى رأي بولس، وعقد مجلسًا خاصًّا للأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي وكانت عدتهم ثمانية عشر وثلاثمائة، وانحازه لرأي مؤلهي المسيح مع أنهم ليسوا الكثرة.

وفي ذلك يقول ابن البطريق: “وضع الملكُ للثلاثمائةِ والثمانية عشر أسقفًا مجلسًا خاصًّا عظيمًا، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعه إليهم وقال لهم: قد سَلَّطْتُكُمُ اليوم على مملكتي لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه مما فيه قوام الدين وصلاح المؤمنين، فَبَارَكُوا الملكَ وقلدوه سيفًا وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذب عنه ووضعوا له أربعين كتابًا فيها السنن والشرائع، منها ما يصلح للملك أن يعلمه ويعمل به ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به”.

وأما العقيدة التي فرضها المجمع فقد وضع هذا المجمع المحدود أو الجمع المحدود من الأساقفة قرارات في العقيدة والشرائع ليقيدوا بها المسيحيين، ولا يهمنا إلا بيان العقيدة التي قررها المجمع وفرضها على المسيحيين، وقد ذكرها صاحب كتاب (تاريخ الأمة القبطية)، فقال عنها ما نصه: “إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجودًا فيه، وأنه لم يوجد قبل أن يولد، وأنه وُجِدَ من لا شيء، أو من يقول: إن الابن وُجِدَ من مادة أو جوهر غير الله الأب، وكل من يؤمن أنه خُلِقَ، أو من يقول: إنه قابل للتغيير ويعتريه ظل دوران”.

أما قرارات هذا المجمع فقد أيدت برهبة السلطان؛ إذ قرر المجمع ألوهية المسيح، وأنه من جوهر الله، وأنه قديم بقدمه، وأنه لا يعتريه تغيير ولا تحول، وفرضت تلك العقيدة على المسيحيين قاطبة مؤيدة بسلطان قسطنطين، لاعنة كل من يقول غير ذلك، والذين فرضوا هذا القول ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا، ويخالفهم في ذلك نحو سبعمائة وألف أسقف وإن لم يكونوا متفقين فيما بينهم على نحلة واحدة، فهل ذلك المجمع لم يخلُ من نقد؟

لا، إن باب النقد فيه متسعٌ، والنقد الموجه إلى هذا المجمع أول ما يلاحظه الناقد أن الذين دعوا إليه وجابوا الأمصار ووصلوا إلى نيقية -بدعوة من قسطنطين- وبتفهم البطارقة فيما بينهم بلغوا (2048) من الأساقفة، ولكنا نجد العدد ينزل إلى (318) أسقفًا، فما هي آراء الباقين؟ ولماذا أهملت كل هذا الإهمال؟ أكانوا جميعًا مختلفين في النحل والآراء، حتى إن نحلةً لم يصل عَدَدُهَا إلى (318) تكون هي السائدة؟ فلما تعذر الأخذ بالكثرة المطلقة التي يزيد عددها على النصف ولو بواحد، أو اتجهوا للأخذ بالكثرة النسبية، وهو اعتناق الرأي الذي يأخذ به أكبر عدد في الأصوات وإن لم يصل النصف أو يقاربه؟

إن المروي غير ذلك؛ لأن ابن البطريق يقول: “إن قسطنطين هو الذي اختار أن يعقد أولئك الأساقفة الذين يبلغون فقط ثلاثمائة وثمانية عشر مجلسًا خاصًّا بهم، وحضر هو المجلس وأعطاهم شارة الملك والسلطان؛ لأنهم أفلجوا على إخوانهم -في زعم ابن البطريق المسيحي التثليثي- ولأن الرواة يقولون: إن “آريوس” لما اجتمع بهم وألقى بدعوته ونحلته إليهم انضم إلى آرائه أكثر من سبعمائة أسقف”، وذلك العدد هو أكبر عدد نالته نحلة من تلك النحل المختلفة، فلو كانت النصرة بالكثرة النسبية لكان الواجب إذًا أن يكون الغلب لآريوس الذي احتج بما تحت أيديهم من أناجيل، فلما عارضوه بنصوص أخرى تدل على ألوهية المسيح قرر تحريفها.

هذا ومما هو واضح أن عامل الرغبة والرهبة من السلطان لهما دخل في قرارات ذلك المجمع، يظهر أن عصا السلطان ورقبة الملك كان لهما دخل في تكوين رأي الذين رأوا ألوهية المسيح، فلقد يروى أن أولئك الثلاثمائة وثمانية عشر لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح، ولكن تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين -بدفعه إليهم شارة ملكه ليتحكموا في المملكة- أجمعوا، فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقده مجلسًا خاصًّا بهم دون الباقين؛ لاعتقاده إمكان إغرائهم، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترهيب أو الترغيب أو هما معًا.

وبذلك قرروا ألوهية المسيح وقسروا الناس عليه بقوة السيف ورهبة الحكام، والمجمع فرض لنفسه سلطانًا كهنوتيًّا على الناس، ذلك أن المجمع فرض نفسه حكومة وجماعة كهنوتية تلقي على الناس أوامر الدين وعليهم أن يطيعوا راغبين أو كارهين، وقرر أن تعاليم الدين لا يتلقونها من كتب المسيحية رأسًا، بل لا بد من تلقيها من أفواه أولئك العلماء ورجال الكهنوت، وأن أقوالهم في ذاتها حجة سواء أخالفت النصوص أم وافقت، وسواء أكانت الصواب أم جافت الحق.

وإن ذلك كان له ما بعده في المسيحية، وهو مخالف كل المخالفة لما جاء في تعاليم المسيح المنصوص عليها حتى في كتبهم التي يقرءونها ويعترفون بها، فقد جاء في إصحاح (20) من إنجيل متى ما نصه: “رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ”. ولكن العلماء تسلطوا على إخوانهم المسيحيين لما أعطاهم قسطنطين خاتمه وسيفه وقضيبه، وبذلك خالفوا المسيح عليه السلام ليطيعوا قسطنطين.

هذا وقد أمر قسطنطين والمجمع بحرق كل ما يخالفه، فقام المجمع بحرق الكتب التي تخالف رأيه وتتبعها في كل مكان، وحث الناس على تحريم قراءتها، فهو بهذا يمنع أن يصل إلى الناس علمٌ بأي أمر من الأمور التي تخالف رأيه، وهو بهذا يحاول التحكم في القلوب، والسيطرة على النفوس بحملها على قراءة ما وافق رأيه، ومنعها منعًا باتًّا جازمًا من أن تقرأ غيره، ويسد عليها منافذ النور للاهتداء إلى ما يخالفه، ولعل المجمع مخطئ في ذلك التحريم وآثم في ذلك التحريق.

بل إن المجامعَ عامةً من بعد خطأته، فأعادت إلى حظيرة التقديس كتبًا كان مجمع نيقية قد حرمها، فقد حرم كتبًا من العهد القديم ولم يعترف بها فاعترفت بها المجامع المسيحية من بعده، وحرم من كتب النصارى المعتبرة الآن رسالة بولس إلى العبرانيين، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ومشاهدات يوحنا، ولكن المجامع من بعد ذلك أقرتها وأجمعت عليها.

إذًا لم يكن المجمع مصيبًا من كل الوجوه، وإن أخطأ في معرفة الصحيح من الكتب فآراؤه الأخرى أكثر عرضة للخطأ وأكثر استهدافًا للنقد، ولعل أشدها صلة بالباطل وأقربها به رحمًا وأدناه إليه هو ما يتعلق بالعقيدة.

وبذلك تدخل قسطنطين ذلك التدخل ليقرر دين المسيحية أو النصرانية وهو لم يتنصر بعد، وبقي أن نشير إلى هذا الأمر إشارة خفيفة وهو مقام قسطنطين في المسيحية عند انعقاد ذلك المجمع، أكان مسيحيًّا عالمًا بالمسيحية في ذلك الوقت حتى ساغ له أن يحكم لبعض المجتمعين، وإن لم يكونوا الكثرة، وعلى أي اعتبار كانت الكثرة، أكثرة مطلقة أم كثرة نسبية؟

يقول المؤرخ “أبسيبوس” الذي تقدس الكنيسةُ كلامَه وتسميه سلطان المؤرخين: “إن قسطنطين عمد حين كان أسير الفراش”، وأن الذي عمده هو ذلك المؤرخ نفسه وقد كان له صديقًا، والتعميد معناه إعلان دخول المسيحية؛ إذًا فقسطنطين ما كان مسيحيًّا إبان انعقاد ذلك المجمع، وما كان من حَقِّهِ أن يحكم بخروج الموحدين هؤلاء، ويسوغ للآخرين أن يجعلوا ما اعتقدوه دينًا، لكن كان له في هذا إرب خاص وهو قرب المسيحية من وثنيته، أو على الأقل عندما رَجَّحَ رأي فريق على فريق كان يُرَجِّحُ ما هو أقرب إلى وثنيته وأدنى إلى ما يعرفه من عقيدة، فلم تكن الحُجَّةُ القويةُ في جانب ترجيحه على هذا الاعتبار، أو كان متهمًا في ترجيحه بناءً على الاعتبار الأول؛ وسواء أكان هذا أم ذاك فهو قد رَجَّحَ ما هو أقرب إلى الوثنية لوثنيته.

فماذا عن تلقي المسيحيين لقرارات المجمع؟ هل أمات هذا الرأي الوحدانية التي كان يجاهر بها “آريوس”؟ هل قضى ذلك المجمع القضاء المبرم عليها؟ إنه لو فرض أبعد الفروض عن الحق وكانت كثرة المجمع العام على غير رأي “آريوس” ما انتصروا عليه، ولا قضوا عليه ولا على ما يدعو إليه؛ لأن الآراء لا تنتصر بكثرة العدد بل بقوة الدليل وقوة تصور العقيدة وقوة الاقتناع بها، وسهولة دخولها إلى العقل واستساغته لها.

ولذلك لم يقضِ المجمع على فكرة الوحدانية، بل ربما كانت المحاولة للقضاء عليها سببًا في شدة الاستمساك بهذه الفكرة والمبالغة في المحافظة عليها مما يُراد بها؛ ولذلك أخذ البطارقة الذين لُعِنُوا لاعتناقها يعملون الحيلة للاحتفاظ بها وحياطتها، واتخذوا الخديعة سبيلًا لذلك، فتقربوا من قسطنطين وأظهروا له الإقلاع عَمَّا كانوا عليه ليعودوا إلى ما كان لهم من مناصب، ويستطيع مجمعهم مناصرة فكرتهم، ولينالوا ثقة قسطنطين، ومن طريق هذه الثقة يَنْفِذُون إلى نفسه ويقنعونه هو بالتوحيد ليستطيع أن يخدم مجمع التوحيد بسلطانه وقوته كما خدم مجمع ألوهية المسيح، أو على الأقل ليقف موقف الحياد ويترك الآراء تسير في مجراها الطبيعي.

وَلِنَقُصُّ عليك محاولة من محاولات الموحدين: مجمع “صور” يرفض بالإجماع قرار مجمع نيقية، فيذكر ابن البطريق أن “أوسبيوس” أسقف “نيقوميديا” كان موحدًا من مناصري “آريوس” في المجمع العام قبل أن تبعده عنه كثرته ولعن من أجل هذا، وأراد أن يتقرب من قسطنطين، فأظهر أنه وافق على قرار الثمانية عشر والثلاثمائة، فأزال عنه اللعنة قسطنطين وجعله بطريرك القسطنطينية، فما إن ولي هذه الولاية حتى صار يعمل للوحدانية في الخفاء، فلما اجتمع المجمع الإقليمي في “صور” وحضره هو وبطريرك الإسكندرية، الذي كان يمثل فكرة ألوهية المسيح ويدعو إليها وينفرد من بين البطاركة في المبالغة في الدعوة إليها، والحث عليها، ولعن كل من يقاومها، انتهز “أوسبيوس” فرصة ذلك الاجتماع وأثار مقالة “آريوس”، ورأيه في المسيح وإنكار ألوهيته.

وكان في ذلك المجمع كثير من الموحدين المستمسكين به؛ إذ لم يحتاطوا بإبعادهم كما فعلوا في المجمع العام بنيقية، واشتد النقاش بين رئيس الكنيسة الإسكندرية وبين المجتمعين ولم يكتفوا بالنقاش القولي، بل امتدت الأيدي إلى بطريرك الإسكندرية وعمدت إلى رأسه لإخراج الوثنية منها فضربوه حتى أدموه، وكادوا أن يقتلوه ولم يخلصه من أيديهم إلا ابن أخت الملك الذي كان حاضرًا ذلك الاجتماع، ولكن لما بلغ ذلك قسطنطين كرمه.

وما يُستنبط من هذا وما سُقنا ذلك القصص لرضانا عن تأييد الرأي بالعصا وجمع اليد، ولكن سقناه ليتبين منه القارئ مقدار حماسة الموحدين من أهل المسيحية الأولى لعقيدة التوحيد، وأنه في تلك الحماسة لا يأبهون لشيء ولا يهمهم إغضاب ذوي السلطان أو إرضاءهم، وسقناه لتعلم أن الموحدين كما يظهر من رواية الكتب المسيحية وكما يستنبط كانوا الكثرة الغالبة في المسيحيين، ففي مجمع نيقية كانوا الكثرة وفي مجمع صور الخاص كانوا الجميع ما عدا رئيس كنيسة الإسكندرية، وإذا كانوا الكثرة في المؤتمرات خاصة وعامة فلابد أن يكون الكثرة في جمهور المسيحيين. إذًا تكون فكرة ألوهية المسيح هي العارضة والأصل هو التوحيد كما يستنبط القارئ من المصادر المسيحية نفسها.

وسقناه أيضًا لتعلم أن قسطنطين كان يشجع دائمًا المخالفين للتوحيد وإن كان لا يظهر السخط على غيرهم أحيانًا، وسقناه لتعلم أن مجمع صور كان يخالف كل المخالفة مجمع الثمانية عشر والثلاثمائة، وأخيرًا سقناه لتعلم أن موطن الدعاية لألوهية المسيح كانت كنيسة الإسكندرية وحدها، فهي التي حاربت “آريوس”، وهي التي لعنته مرتين، ورئيسها هو الذي خالف في صور، فنال عقاب المخالفة جزاءً وفاقًا.

فهل لنا أن نقول: إن التثليث الذي اشتملت عليه فلسفة الإسكندرية كان يعلن على ألسنة بطارقتها، وأنهم كانوا يمثلون تلك الفلسفة بآرائهم أكثر من تمثيلهم لمسيحية المسيح عليه السلام؟ إن ذلك هو مفتاح التاريخ الصحيح، فمن أراد أن يعرف كيف تحوَّلت المسيحية من توحيد إلى تأليهٍ للمسيحِ فليستعن بذلك وليفهم ما ذكرناه له، وإن كنت قد استطردت هنا في الكلام عن مجمع نيقية حتى أبين الدور الذي قام به الإمبراطور قسطنطين، فإني أعود فألخص كلامي حول بقية المجامع.

ثانيًا: المجمع القسطنطيني الأول 381م:

كانت كنيسة الإسكندرية هي التي تزعمت القول بألوهية المسيح، وذلك لتأثرها بالأفلاطونية الحديثة، والتي كانت نظريتها تتلخص فيما يلي: أن العالم يسيطر عليه قوى ثلاثة تؤثر فيه وتسيطر عليه، وهي: قوة المكون الأول، والعقل الابن، والنفس العامة ألا وهي الروح القدس.

يقول الشيخ أبو زهرة عن كنيسة الإسكندرية: “إنها تريد أن تفرض ذلك فرضًا على المسيحيين كما كانت العامل القوي في إعلان ألوهية المسيح”، وإزاء هذا الجموح من كنيسة الإسكندرية فإن دعاة التوحيد لم يدعوا الأمر يمر هكذا بل كان لهم نشاط ملموس في محاولة توعية جمهور المسيحيين بحقيقة الأمر بالنسبة لعيسى وأمه -عليهما السلام.

وفي الثلث الأخير من القرن الرابع الميلادي حمل راية الدعوة إلى التوحيد “مقدنيوس”، والذي نهض بدعوة التوحيد بعد “آريوس”، فأخذ يجاهر بأن الروح القدس ليس بإله ولكنه مخلوق حادث، وانتشرت فكرته بين جمهور النصارى الذين لم يجدوا في مقالة “مقدنيوس” شيئًا يخالف تعاليم المسيحية، أو يعارض المسلمات العقلية، وليس فيها ما ينكر، وأزعج انتشار فكر “مقدنيوس” بين الناس دعاة التعدد من الأساقفة وبعض رجال الدولة، فأخذوا يُخَوِّفُون الملكَ من أن هذه الدعوة ستكون سببًا في إفساد العامة، واستحثوه على أن يدعو إلى اجتماع من الأساقفة يؤكدون فيه التذكير بقرارات مجمع نيقية.

وبالفعل تمت الدعوة إلى مجمع في القسطنطينية عام 381 وحضره مائة وخمسون أسقفًا، وعلى الرغم من أن رئاسة المؤتمر كانت لأسقف القسطنطينية، إلا أن الفكر الموجه له كان من أسقف الإسكندرية، وانتهى المجمع إلى تأكيد ما قرره مجمع نيقية وأضافوا إليه إلهية روح القدس، وبذلك صارت العقيدة التي أقرها هذا المؤتمر ودعا إليها هي الإيمان بالأب والابن والروح القدس، وهو ما يعرف بالأقانيم الثلاثة، وأن هذا الثالوث هو كيان واحد في ثلاثة أقانيم إله واحد وجوهر واحد وطبيعة واحدة.

وبما أني ذكرت كلمة الأقنوم فينبغي أن أبين معناها في اللاهوت المسيحي؛ حيث يقولون: إن الله واحد في ثلاثة أقانيم فما معنى أقنوم؟ إن كلمة أقنوم تعني شخصًا، فنقول: إن الأب أقنوم، والابن أقنوم، والروح القدس أقنوم، كما هو في (موسوعة المعرفة المسيحية)، ولا يعني المسيحيون بتعدد الأقانيم أن الله ثلاثة جواهر؛ لأن لفظ أقنوم لا يعني جوهرًا، فالمراد هنا بالجوهر الذات الواحدة، أي أنه الوِحْدَةُ اللاهوتيةُ، والمراد بالأقنوم: واحدٌ من الأب والابن والروح القدس، ومع ذلك فكلمة أقنوم كسائر الألفاظ البشرية قاصرةٌ عن إيضاح حقيقة إلهية هي أن الله ثالوث في الأقنومية وواحد في الجوهر، كما في كتاب (وحدانية الثالوث في المسيحية والإسلام) لإسكندر جديد.

وقال “بوسريه”: “ولقد خلت الكتب المقدسة من تلك المعضلة حتى وقف آباء الكنيسة حائرين زمنًا طويلًا؛ لأن كلمة أقنوم لا توجد في قانون الإيمان الذي وضعه الرسل ولا في قانون مجمع نيقية، وأخيرًا اتفق الآباء على أنه كلمة تعطي فكرة ما عن كائن لا يمكن تعريفه بأي وجه من الوجوه”. ونحن نقول: إن لفظ الأقنوم لا نجده في الكتاب المقدس بل هو نتاج فكر فلاسفة النصرانية بعد المسيح، ولم يذكر هذا اللفظ في كلام المسيح عليه السلام في أي وقت لفظ أقنوم ولا ناسوت ولا لاهوت ولا متحدٍ في الجوهر ومتمايز في الصفات الأقنومية، ولا طبيعتين ولا مشيئتين، مما بنيت عليه عقيدة النصارى.

والنص لا يشير إلى ثلاثة في واحد أو واحد في ثلاثة، وليس هناك نص يشير إلى وجود ثلاثة كيانات أو ذوات مختلفة ومنفصلة عن بعضها، ولو كان كل منهم إلهًا لكان هذا تصريحًا واضحًا بعبادة ثلاثة آلهة، فالأقنوم كلمة أقرب ما يكون إلى معناها هي أنها شخص، فأقنوم وأقنوم وأقنوم، أي شخص وشخص وشخص.

هذا والمناقشة التي قادها بطريرك الإسكندرية لإثبات إلهية روح القدس على أثر ما جاء في كتاب بطريرك رومية الذي لم يحضر الاجتماع، وإنما بعث بكتاب إلى الملك يلخص فيه رأيه في روح القدس يقول فيه: “إن روح القدس إله ولكن مخلوق مصنوع تمضي على النحو التالي، ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله وليس روح الله شيئًا غير حياته، فإذا قلنا: إن روح القدس مخلوق فقد قلنا: إن حياته مخلوقة وإذا قلنا: إن حياته مخلوقة فقد زعمنا أنه غير حي، وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به ومن كفر به وجب عليه اللعن”.

وبناء على ما توصل إليه المجتمعون في مجمع القسطنطينية، فقد انتهوا إلى لعن “مقدنيوس”، القائل بأن روح القدس مخلوق وليس بإله، ولعن من يقول بمقالاته وتكفيره، وبعد أن وصل المجتمعون في هذا المجمع إلى تقرير التثليث من الإيمان بإلهية الأب والابن وروح القدس، بدأ الحديث عن طبيعة المسيح الإنسانية وطبيعته الإلهية وكيف يجتمعان، وهل هذه البنوة المدعاة للمسيح بنوة حقيقية؟ أم أنها تعود إلى الإلهام والبركة التي أحلها الله فيه، فعصمه عن الزلل والخطأ؟ وهل الأقنوم والطبيعة أمر واحد مصدرهما واحد أم أنهما أمران مختلفان؟

وهذا يدل على أن المجتمعين في مجمع القسطنطينية لم يكن الأمر الذي يتعلق بعيسى عليه السلام واضحًا في أذهانهم، والدليل على ذلك أن الذي ذهب إلى عدم البنوة الحقيقية للمسيح وإلى الاختلاف بين الأقنوم والطبيعة هو أسقف القسطنطينية “نسطورة”، والذي تنسب إليه فرقة النساطرة الذين كانوا بهذا التفسير ينكرون ألوهية المسيح، وأدى هذا الاختلاف في طبيعة المسيح إلى الدعوة إلى مجمع آخر، وبذلك مهد الطريق إلى الدعوة إلى مجمع “أوفسيس”.

ثالثًا: مجمع أوفسيس الأول 431م:

أصبح واضحًا من العرض السابق أن الاختلاف في طبيعة المسيح كان السبب الداعي إلى عقد مجمع أوفسيس الأول سنة 431 من الميلاد؛ لأن القول بعدم البنوة الحقيقية للمسيح تزعمه “نسطورة”، وجرت مكاتبات بينه وبين أسقف روما الذي عارض رأي “نسطورة”، وعلم أسقف الإسكندرية برأي “نسطورة” فكتب إلى أساقفة روما وأنطاكية وبيت المقدس، واتفقوا على عقد مجمع أوفسيس لإعلان بطلان ما ذهب إليه “نسطورة”، ودعوته إلى الرجوع عما أعلنه وإلا أعلنوا لعنه والبراءة منه.

ووجهت الدعوة إلى “نسطورة” الذي شعر باتجاههم فلم يحضر؛ لأنه لم يجد أن هناك فائدة من هذا اللقاء؛ حيث أدرك إصرارهم على مخالفته، وكذلك لم يحضر بطريرك أنطاكية كما ذكر هذا الشيخ أبو زهرة، وحضر المجمع حوالي مائتين من الأساقفة، وكان قرارهم كما توقعه “نسطورة” أن مريم العذراء والدة الله وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين متوحد في الأقنوم، وقد شَفَّعُوا ذلك القرار بلعن “نسطورة”، ولما غضب بطريرك أنطاكية واحتج على المجمع ثار الخلافُ بين المجتمعين، وكان رأي المشارقة التمسك بما أعلنه المجلس من قبل.

رابعًا: مجمع أوفسيس الثاني:

لم يضع القرارُ الذي صدر عن مجمع أوفسيس الأول حول طبيعة المسيح وأنه ذو طبيعتين – حدًّا للصراع والخلافات بين الكنائس المختلفة، بل أدَّى ذلك إلى جانب قرارهم بنفي “نسطورة” الذي نادى بأن المسيح ذو طبيعة واحدة إلى شقاق واسع وأوسع، ذلك أن آراء “نسطورة” وجدت لها أنصارًا في المشرق وكثر أتباعُهَا في العراق والموصل والفرات والجزيرة، ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ بل إن كنيسة الإسكندرية قد أعلنت عن رأي جديد في طبيعة المسيح خلاصته: أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت.

ويبدو من متابعة الخلافات التي ثارت حول طبيعة المسيح أن الكنائس قد أخذت يكفر بعضها بعضًا، ويتسلط بعضها على بعض وكلما بدا لمجموعة رأيٌ دعتْ إلى مجمع تُعلن فيه قراراتها وتعلن حرمان من يعارضه، وفي مثل هذا الجو المشحون بالصراع المحموم وعدم وضوح الرؤية، دعتْ كنيسة الإسكندرية إلى مجمع أوفسيس الثاني، وكان ذلك بطبيعة الحال تحت زعامة بطريرك كنيسة الإسكندرية، التي تزعمت القول بأن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت، وأصدرت قرارها هذا حول طبيعة المسيح، وكان حاضرًا بطريرك القسطنطينية، فأعلن معارضته لهذا القرار وانسحابه من الاجتماع وعدم احترامه لما يصدر عنه من قرارات، وألهب هذا الإعلانُ الموقفَ المشتعل فأعلن رئيس المجلس حرمان بطريرك القسطنطينية؛ مما كان سببًا في إثارة ضجة شديدة خارج المجلس كادت تودي بحياة بطريرك القسطنطينية.

وقد ثار خلافٌ أعمق على مستوى الكنائس كلها نتيجة لقرارات هذا المجمع، وهل هي محترمة مُلزِمَةٌ للكنائس الأخرى، أم أنها باطلة لصدورها عن غير ذي سلطة معترف بها من الكنائس؟ حتى إن الكنيسة الكاثوليكية سمته مجمع اللصوص، ومن الواضح من تتبع نتائج قرارات هذا المجمع وما قبله أن الخلاف حول طبيعة المسيح، هل هي طبيعة واحدة أم طبيعتان، كانت مثارًا للشقاق والخلاف، وثار الخلاف يعمل عمله حتى اجتمع مجمع “خلكدونية” عام 452 من الميلاد.

خامسًا: مجمع خلكدونية 452م:

لم يهدأ الخلاف حول طبيعة المسيح وظل الصراع مشتعلًا، حتى جاءت إمبراطورة رومانية تميل إلى الرأي القائل بأن المسيح ذو طبيعتين، فدعت إلى مجمع “خلكدونية” تحت إشراف زوجها، ويتضح من هذا تأثير رأي الحكام في اتجاهات القرارات التي تخرج بها المجامع، وهذا أمر واضح منذ مجمع نيقية الذي فرض رأي الأقلية على الأغلبية؛ لأن الإمبراطور قسطنطين كان يميل إليه كما رأينا من قبل.

ووجهت الدعوة إلى الأساقفة فحضر المجمع خمسمائة وعشرون أسقفًا في مدينة “خلكدونية”، وبدأ الاجتماع في جو مشحون ملتهب مما يشعر باحتدام الصراع بين الكنائس، والدليل على ذلك أن المجمع لم يكد يبدأ حتى طالب مندوب رومية بخروج بطريرك الإسكندرية من المجلس، فلما سأل رئيس المجلس عن السبب الداعي إلى تقديم هذا الاقتراح، أجيب بأنه دعا إلى مجمع بدون أن يستأذن الكرسي الرسولي بابا روما، إلا أن رئاسة المؤتمر التي كانت تمثل الحكومة لم توافق على هذا الاقتراح، وانتهى الرأي إلى بقاء بطريرك الإسكندرية “دسقورس”، لكن ليست له رياسة المجلس التي صارت في يد رجال الحكومة.

وقد شهد هذا المجمع شغبًا وصراخًا وضجيجًا وسبًّا ولكمًا وضربًا وقذفًا بين الأساقفة، مما لا يتفق مع مكانتهم الدينية حتى عاب عليهم مندوب الحكومة هذا المسلك الذي لا يليق بأئمة الدين، وكان مما قاله: “نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة والدليل عوضًا عن القول الهراء، وأنصتوا إلى ما يتلى عليكم”.

وفي ظل هذا الجو المتعصب المتسم بالعنف والمهاترة سارت المناقشة، وليس منتظرًا في ظل جو مثل هذا أن يسفر الاجتماع عن مناقشة موضوعية، وإنما كان الهدف كما يبدو إملاء رأي متفق عليه مسبقًا وإعلان بطلان ما سبق أن قرره مجمع أوفسيس الثاني حول طبيعة عيسى، وكان القرار الذي أسفر عنه المجمع هو أن مريم العذراء ولدت إلهًا ربنا يسوع المسيح، الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإلهية ومع الناس في الطبيعة الإنسانية، وشهدوا أن للمسيح طبيعتين وأقنومًا واحدًا ووجهًا واحدًا، ولعنوا “نسطورة”، ولعنوا “دسيقورس”، ومن يقول بمقالتهم، ونفوه ولعنوا مجمع أوفسيس الثاني، ونفي “دسيقورس” إلى فلسطين. وكانت المجامع ليس لها هم إلا أن يلعن اللاحق السابق كلما دخلت أمة لعنت أختها.

وقد عرض ابن القيم الجوزية -رحمه الله- في كتابه (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى) أعمال عشرة مجامع، فليرجع إليها من يريد المزيد من التفاصيل، ولم تقف عند الحد الذي ذكره ابن القيم، ولم يكن ذلك آخر الشوط في مسيرة المجامع، بل إنها تتابعت من حين لآخر تبحث في طبيعة المسيح وفي علاقته بالله، وكانوا يرون على اختلاف اتجاهاتهم أن هناك علاقة اتحاد بين الله والمسيح، أو حسب تعبيرهم اتحاد الابن بالأب، ويقولون: اتحد الإله مع الإنسان بمعنى أنهما صارا شيئًا واحدًا، غير أن طبيعة هذا الاتحاد تختلف باختلاف النظرة من فرقة إلى أخرى، وفيما يلي تفسير لطبيعة هذا الاتحاد من وجهة نظر كل من اليعقوبية والنسطورية والملكانية.

تقول اليعقوبية: إن اتحاد الابن بالأب كاتحاد الماء يلقى فيه بالخمر فيصيران شيئًا واحدًا، والنسطورية تقول: إن اتحاد الأب بالابن كاتحاد الماء يلقى فيه الزيت فكل واحد منهما باقٍ بحسبه، أما الملكانية فتقول: إن اتحاد الابن بالأب كاتحاد النار في الصفيحة المحماة، وترتب على هذه التفسيرات المختلفة أن حاولت الكنيسة على مَرِّ العصور أن تصل إلى صيغة موحدة تلزم بها الجميع.

وقد لخص ابن حزم هذه العقيدة فيقول: “إنهم يضيفون إلى ذكرهم الأب والابن وروح القدس شيئًا رابعًا وهو الكلمة، وهي المتحدة عندهم بالإنسان الملتحمة به في مشيمة مريم -عليها السلام-، فإن أمانتهم التي اتفقوا عليها كلهم هي كما تورده نصًّا: نؤمن بالله الأب مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى وبالرب الواحد يسوع المسيح بكر الخلائق كلها، وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بروح القدس، وصار إنسانًا وولد من مريم البتول وتألم وصلب أيام قيدوس بلاطس، ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي هو مشتق من أبيه روح محبة بمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة وبقيامة أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين”.

error: النص محمي !!