Top
Image Alt

المحافظة على القرآن الكريم رسمًا وخطًّا

  /  المحافظة على القرآن الكريم رسمًا وخطًّا

المحافظة على القرآن الكريم رسمًا وخطًّا

لقد نشأت دراسات متعددة من أجل الحفاظ على لغة القرآن الكريم، والرسم الإملائي -لا شك- قديم وسابق للوقت الذي أنزل فيه القرآن, غير أن العناية بالقرآن الكريم وصيانته عن اللحن، هي التي دعت العلماء في الصدر الأول إلى البحث عن طريقة تمنع من يتلو النص القرآني من الوقوع في اللحن؛ بسبب خلوه من رموز الحركات.

وتنسب الروايات الإسلامية إلى أبي الأسود الدؤلي، أنه كان أول من فكر في وضع رموز للحركات, يضبط بها الرسم القرآني الذي كان يخلو من هذه الرموز، وكانت الكتابة السامية قد أهملت الرمز إلى الحركات؛ مما كان يعد نقصًا أو عيبًا في الأبجدية.

ولما كانت السلائق العربية قوية سليمة، ظل النطق سليمًا من الخطأ إلى أن فشا اللحن، حتى دخل في قراءة القرآن الكريم؛ فكان مما ساعد على ظهور اللحن عدم وجود تلك الرموز الخاصة بأصوات الحركات، وهنا قاوم أبو الأسود الدؤلي ظاهرة اللحن؛ حفاظًا على أصوات القرآن الكريم والعربية بصفة عامة, حين وضع الرموز الكتابية لأصوات الحركات التي تلعب دورًا خطيرًا في تنويع المعنى، واختلاف الدلالة.

فلفظة “كتب” هكذا بدون وضع رموز الحركات عليها, تحتمل أكثر من معنى؛ فهي تدل على وقوع الحدث في الزمن الماضي مع الإسناد إلى الفاعل, فتكون “كَتَبَ”, وتدل على الحدث في الزمن الماضي مع الإسناد إلى المفعول, فتكون “كُتِبَ”, وتدل على المبالغة في حدث الكتابة الواقع في الزمن الماضي مع البناء للمعلوم؛ فتكون “كَتَّبَ”, ومع البناء للمجهول؛ فتكون كُتِّبَ, وتدل كذلك على الجمع الذي مفرده كتاب.

والحروف الأصلية في كل هذه الألفاظ هي هي؛ لكن الذي يدل على المعاني هو الحركات، ومن هنا أدرك أبو الأسود الدؤلي أهمية وضع رموز للحركات؛ فيُروى عن المبرد أنه قال: لما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو قال: ابغوا لي رجلًا؛ وليكن لَقِنة –أي: حسن التلقي لما يسمعه- فطُلِبَ الرجل؛ فلم يوجد إلا في عبد القيس؛ فقال أبو الأسود: إذا رأيتني لفظت الحرف فضممت شفتي؛ فاجعل أمام الحرف نقطة، فإذا ضممت شفتي بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد كسرت شفتي؛ فاجعل أسفل الحرف نقطة؛ فإذا كسرت شفتي بغنة فاجعل نقطتين؛ فإذا رأيتني قد فتحت شفتي فاجعل على الحرف نقطة؛ فإذا فتحت شفتي بغنة فاجعل نقطتين.

وكانت نقط الشكل هذه تكتب بصبغ يخالف لون المداد الذي كتبت به الحروف ونقطها، فكان ذلك يشق على الكاتب؛ إذ كان يتحتم أن يكتب بقلمين ومدادين مختلفين، حتى جاء الخليل بن أحمد؛ فوضع الشكل الذي يكتب به حتى الآن.

يقول المبرد: الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل، وهو مأخوذ من صور الحروف؛ فالضمة واو صغيرة الصورة في أعلى الحرف؛ لئلا تلتبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء تحت الحرف، والفتحة ألفٌ مفتوحة فوق الحرف.

وهذا العمل من قِبَل أبي الأسود قد يبدو بسيطًا في مظهره, لكنه جاء كبيرًا وقيمًا في جوهره؛ وذلك لأن اللحن قد فشا، وكان هذا من أهم الوسائل العلمية في القضاء على ظاهرة اللحن.

ومع أن الخليل بن أحمد قد وضع هذا الشكل المريح, إلا أن العلماء ظلوا زمانًا طويلًا لا يجرءون على استخدامه في ضبط النص القرآني، ويفضلون عليه النقط اتباعًا للسلف، ويسمون ضبط الخليل شكل الشعر.

وكل هذه الجهود من أبي الأسود، والخليل وغيرهما تأتي حماية للغة القرآن الكريم من التصحيف والتحريف، وأيضًا من الخطأ واللحن.

ولم تقف المحاولات الصوتية المتصلة بالرسم عند ما صنعه أبو الأسود الدؤلي؛ وإنما تتبعها محاولة أخرى قام بها نصر بن عاصم وهي وضع نظام الإعجام والنقط؛ فقد كانت الأبجدية العربية خالية من النقط -فصورة الباء والتاء والثاء في الكتابة واحدة، وكذا الراء والزاي، وكذا الدال والذال… إلخ- وقد كانت قوة الحس اللغوي، وجودة التعليم والتعلم، والمعرفة الجيدة بنظام الكتابة؛ كان كل هذا مانعًا من الخطأ, ومعوضًا عما في الأبجدية العربية من نقص، ومن ثم فقد كان العلماء يقرءون دون تحريف أو تصحيف.

ولكن لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية, ودخل غير الناطقين بالعربية مع العرب تظلهم راية الإسلام الحنيف, واختلط بذلك العرب بغيرهم، وفشا اللحن والذي لم يعد وقفًا على الأعاجم، ولا على سكن الحضر، ولا على اللغة، وإنما انتشر انتشارًا واسعًا شمل العرب, والعجم، والبدو، والحضر، واللغة وتلاوة القرآن؛ خاف المسلمون على دينهم ولغتهم، وانطلق العلماء يحاربون اللحن، ويقاومون الخطأ بأكثر من وسيلة, منها: وضع نظام الحركات كما رأينا عند أبي الأسود، ومنها عملية النقط والإعجام هذه، وعملية الترتيب الأبجدي المستخدم الآن؛ حيث تحولت الأبجدية العربية من أبجد هوز إلى: أ ب ت ث ج… إلخ.

ولقد قام نصر بن عاصم بمعاونة تلامذة أبي الأسود, مثل يحيى بن يعمر العدواني؛ بعملية النقط وعملية الترتيب الأبجدي، فكان لهذا العمل قيمته اللغوية، وأثره الفعال في تيسير القراءة، وتحقيق النطق السليم، وتضييق الدائرة على التصحيف والتحريف، ومقاومة ظاهرة اللحن الذي أصاب القاصي والداني.

ويستمر هذا الوعي متتابعًا ومتزايدًا, فنرى العبقري الفذّ الخليل بن أحمد يقوم بعملية الشكل المعروف اليوم, فيضع للفتح علامة فوق الحرف، وللكسرة علامة تحت الحرف، وللضمة علامة فوق الحرف، وللسكون كذلك. كما وضع رمزًا خاصًّا لصوت الهمزة، وهو عبارة عن رأس العين، ولعل السر في اختيار هذا الرمز هو العلاقة الصوتية الموجودة بين صوت الهمزة, وصوت العين اللذين يخرجان من نقطتين متقاربتين, هما: الحنجرة التي تخرج منها الهمزة، والحلق الذي يخرج منه العين والحاء.

كما أن الخليل قد وضع كذلك رمزًا للصوت المشدد أو المدغم، وهو الذي نسميه بالشد.

وكل هذا له أهميته في تحديد مسار الدراسات الصوتية العربية, وكان الأساس العلمي لعلم الصوتيات العربي الذي التزمه العلماء بعد الخليل, على هدى من المنهج العلمي الذي اختطه هذا الفذ.

error: النص محمي !!