Top
Image Alt

المحالّ التي تزال عنها النجاسة، وما تزال به النجاسة، صفة إزالة النجاسة

  /  المحالّ التي تزال عنها النجاسة، وما تزال به النجاسة، صفة إزالة النجاسة

المحالّ التي تزال عنها النجاسة، وما تزال به النجاسة، صفة إزالة النجاسة

الباب الثالث: معرفة المحالّ التي يجب إزالة النجاسة عنها:

في هذا المقام، يقول ابن رشد -رحمه الله-: إن المحالّ التي تزال عنها النجاسات ثلاثة، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك. هذه المحالّ الثلاثة هي: الأبدان، ثم الثّياب، ثم المساجد ومواضع الصلاة.

لماذا اتفق العلماء على هذه المحالّ الثلاثة؟

يقول: لأنها منطوق بها في الكتاب والسُّنّة.

فأين ذلك من الكتاب والسّنّة؟

أمّا الثياب: ففي قوله تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } [المدثر: 4]، على مذهب مَن حمَلها على الحقيقة؛ لأن هذه الآية يُمكن أن تُحمل على الحقيقة وهي: الطهارة الحسية للثياب بإزالة النجاسة عنها، كما يُمكن أن تُحمل على الطّهارة القلبية فتكون مجازًا أو كناية.

يضيف أيضًا إلى طهارة الثياب، “أمْر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الثوب من دم الحيض” كما رواه الجماعة، و”صبّ النبي صلى الله عليه وسلم الماء على بول الصّبيّ الذي بال عليه” كما رواه الجماعة أيضًا. هذا عن الثياب.

أمّا عن المساجد: فـلِأمْره صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يصبّوا ذَنوبًا -أي: دلْوًا- من الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد. وهذا الحديث رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي.

كذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمَر بغسْل المذي من البدن. فهذا دليل وجوب إزالة النجاسة عن الأبدان.

كما أمر صلى الله عليه وسلم بغسْل النجاسات من المخرجيْن: مخرج البول ومخرج البراز، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجه، والحاكم وصحّحه وأقرّه الذهبي.

الباب الرابع: الشيء الذي تُزال به النجاسة:

أي: هل النجاسة تُزال بالماء فقط، أم بالتراب، أم بالماء والتراب، أم بالحجارة، أم بسائر المائعات -أي: الأشياء السائلة-، أو بالشمس والهواء، أو بالمطر، وغير ذلك من الأمور؟ هذا كلّه يندرج تحت عبارة: “الشيء الذي تزال به النجاسة”.

يقول ابن رشد: إن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهِّر، يُزيلها –أي: النجاسات- من هذه المحالّ الثلاثة، واتفقوا أيضًا على أن الحجارة تزيل النجاسة من المخرجيْن، يعني: القُبل، والدّبر.

بعد بيان ما اتفق عليه الفقهاء، يقول ابن رشد فيما اختلف فيه الفقهاء:

إنهم اختلفوا فيما سوى ذلك -أي: فيما سوى الماء المطلَق، والحجارة للمخرجيْن- من المائعات كالماء -السوائل-، والجامدات -كالحجارة ونحوها-، هل تزيل النجاسة أم لا تزيلها؟

 ذهب قوم إلى: أنّ ما كان طاهرًا يزيل عين النجاسة، مائعًا كان أو جامدًا، في أي موضع كانت؛ وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.

وقال قوم: لا تُزال النجاسة بما سوى الماء إلّا في الاستجمار -الذي هو: استخدام الحجارة في إزالة النجاسة الخارجة من السبيليْن، وهذا هو المتفق عليه. أي: إزالة نجاسة المخرجيْن بالحجارة-؛ وبهذا الرأي قال: مالك، والشافعي، وأحمد. يعني: جمهور الفقهاء.

ثم قال: بعد هذا الاختلاف، اختلفوا أيضًا في إزالتها -أي: النجاسة- في الاستجمار بالعظْم والروث، بعد اتفاقهم على إزالتها بالحجارة. اختلفوا هل تُزال نجاسة المخرجيْن: القُبل والدّبر، في الاستجمار بالعظْم والروث.

– منع ذلك قوم.

– وأجازه بغير ذلك قوم آخرون، ممّا يُنقي -أي: يطهّر-. واستثنى مالك من ذلك ما هو مطعوم. يعني: تجوز بالعظم والروث، بشرط ألَّا يكون من المطعومات، أو ممّا له حرمة كالخبز. وقد قيل ذلك فيما في استعماله سرَف كالذهب والياقوت. قيل ذلك، يعني: لا يجوز.

– وقوم قصَروا الإنقاء -أي: الطهارة- للمخرجيْن على الحجارة فقط، وهو مذهب أهل الظاهر.

– وقوم أجازوا الاستنجاء بالعظْم فقط، دون الروث، وإن كان مكروهًا عندهم.

– وشذ الطبري -صاحب التفسير المعروف-، فأجاز الاستجمار بكلّ طاهر ونجس.

إذًا، عندنا أكثر من مسألة في هذه الجزئية، اختلف الفقهاء في إزالة النجاسة بها: سائر المائعات، وسائر الجمادات الطاهرة، وأيضًا العظم والروث، وأيضًا الحجارة فقط، وأيضًا الاستجمار بكل طاهر ونجس. أي: أنّ هناك أكثر من رأي في هذه القضية.

ابن قدامة يفصّل هذا الكلام تفصيلًا طيبًا، حيث يشير أيضًا إلى ما قاله ابن رشد، فيقول:

إنّ المكلَّف مخيّر بين الاستنجاء بالماء، أو الاستجمار بالأحجار في قول أكثر أهل العلْم. وحُكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير: أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء. وقال سعيد بن المسيب: “وهل يفعل ذلك إلّا النساء!”. وقال عطاء: “غسل الدّبر مُحدَث”. وكان الحسن لا يستنجي بالماء. وروي عن حذيفة القولان جميعًا. وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء، ثم فعَلَه، وقال لنافع: “جرّبناه فوجدناه نافعًا”. وهو مذهب رافع بن خديج، وهو الصحيح، لِما روى أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء -أي: موضع الحاجة-، فأحمل أنا وغلام نحوي -يعني: مثلي- إداوة من ماء وعَنَزَة، فيستنجي بالماء»، متفق عليه. وعن عائشة  أنها قالت: «مُرن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم -تستحيي أن تأمرهم بذلك- وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفْعلُه». قال الترمذي: “هذا حديث صحيح، رواه سعيد”.

وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء، وهي قوله تعالى: { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم»، رواه أبو داود وابن ماجه.

ولأنه -أي: الماء- يطهِّر المحلّ، ويزيل النجاسة، فجاز، كما لو كانت النجاسة على محلّ آخر. فإن أراد الاقتصار على أحدهما -يغسل بالماء فقط، أو يستجمر بالحجارة فقط- فالماء أفضل، لِما روينا من الحديث، ولأنه يطهِّر المحلّ، ويُزيل العيْن -أي: عيْن النجاسة- وأثَرَها. وهو أبلغ في التطهير. وإن اقتصر على الحجر أجزأه بغير خلاف بين أهل العلْم، لِما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة.

والأفضل أن يستجمر بالحجر، ثم يُتبعه الماء، قال أحمد: إن جمعهما فهو أحبّ إليّ؛ لأن عائشة قالت: «مُرن أزواجكن أن يُتبعوا الحجارة الماء مِن أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفْعَله». وقد احتج به أحمد، ورواه سعيد؛ لأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تصيبها يده، ثم يأتي بالماء فيطهّر المحلّ، فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن.

يضيف أيضًا ابن قدامة إلى هذا الكلام: قول الخرقي: “فإن لم يَعْدُوَا مخرجَهما -أي: البول والبراز- أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهن. فإن أنقى بدون الثلاثة لم يجزئه حتى يأتي بالعدد. وإن لم يُنق بالثلاثة زاد حتى يُنقي؛ فالعبرة هي الإنقاء”.

يقول ابن قدامة: وإذا زاد على الثلاثة، استحب أن لا يقطع إلّا على وتر، أي: يجعلها خمسة أو سبعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن استجمر فلْيوتِرْ»، متفق عليه، فيستجمر خمْسًا، أو سبْعًا، أو تسْعًا، أو ما زاد على ذلك، حتى يُنقي. فإن اقتصر على شفْع مُنقية -أي: اثنين، أو أربعة- فيما زاد على الثلاثة فلا حرج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فمَن لا، فلا حرج»، أي: من لم يزد على الثلاثة فلا حرج.

يقول أيضًا: والخشب والخِرَق وكلّ ما أنقى به فهو كالأحجار، هذا هو الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلْم.

ثم يضيف إلى هذا الكلام مسألة أخرى فيها استثناء ممّا سبق؛ حيث يقول: إلا الروث، والعظام، والطعام -كما قال مالك-. وجملته أنه لا يجوز الاستجمار بالروث ولا العظام، ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلْم؛ وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق.

وأباح أبو حنيفة الاستنجاء بهما؛ لأنهما يجفّفان النجاسة، ويُنقيان المحلّ، فهما كالحجر. وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما، وقد ذكرنا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنهما، أي: عن الروث والعظْم.

وروى مسلم عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زادُ إخوانكم من الجن».

وروى الدارقطني: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بروث أو عظْم، وقال: إنهما لا يُطهِّران»، و قال: “إسناده صحيح”.

هذا هو الباب الرابع من أبواب النجاسة، أو الطهارة من النجاسة، وقد كان عن الأشياء التي تُزال بها النجاسة.       

الباب الخامس: صفة إزالة النجاسة:

يكلّمنا ابن رشد -رحمه الله- عن صفة إزالة النجاسة، فيقول: “اتفق العلماء على أنها غَسْلٌ، ومَسحٌ، ونَضح. وليس المقصود اجتماع هذه الأمور الثلاثة، وإنما المقصود أنّ إزالة النجاسة تتمّ بأحد هذه الأمور الثلاثة.

يقول أيضًا: اتفقوا على أن الغّسل عامّ لجميع أنواع النجاسات، ولجميع محالّ النجاسات. فهو كما يصلح الماء في البدن، فإنه يصلح في الثوب، ويصلح في موضع الصلاة. إذًا الغسل عامّ لجميع أنواع النجاسات، ولجميع محالّ النجاسات. 

وأما المسح بالأحجار فيجوز في المخرجيْن -السبيليْن-، ويجوز في الخفّيْن، وفي النّعليْن من العشب اليابس، أي: لا من الأذى المائع.

يعني: أن النجاسات التي تَعلق من شيء يابس يمكن أن تُزال بمرور الخفيْن، أو بإمرار الحجارة على الخفيْن، أمّا المائع فلا يُزال بالأحجار.

وكذلك ذيْل المرأة الطويل، اتفقوا على أنّ طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس.

ثم يقول بعد هذا الاتفاق: اختلفوا من ذلك -أي: من هذه الصفات والكيفيّات- في ثلاثة مواضع هي أصول هذا الباب.

الأول: في النّضح، لأي نجاسة هو؟

الثاني: للمسح، في أيّ محلّ هو؟ ولأيّ نجاسة هو؟

الثالث: اشتراط العدد في الغَسل والمَسح.

يقول ابن رشد: أمّا النّضح -الذي هو عبارة عن رشّ الماء-، فإن قومًا قالوا: هذا خاص بإزالة بوْل الطفل الرضيع الذي لم يأكل الطعام.

وقوم فرّقوا في ذلك بين بول الذّكَر والأنثى، فقالوا: يُنضح من بول الذّكَر الذي لم يرضع، ويغسل بول الأنثى.

وقوم قالوا: الغسل طهارة ما يُتيقّن من نجاسته، والنّضح طهارة ما شُك فيه؛ وهو مذهب مالك بن أنس.

ما سبب اختلاف الفقهاء على هذا النحو في صفة النضح؟

يقول: سبب اختلافهم: تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك، -أي: الاختلاف في مفهومها-، وذلك أنّ هنالك حديثيْن ثابتيْن في النضح:

أحدهما: حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُؤتى بالصبيان فيُبرِّك عليهم ويُحنِّكهم -أي: يُمرّ يده عليهم، ويُحنِّكهم في أفواههم، كنوع من الاستشفاء وحصول البركة-. فأُتِيَ بصبي فبال عليه. فدعا بماء فأتبعه بولَه، ولم يغسله». وفي بعض رواياته: «فنضَحه ولم يغسله»، خرّجه البخاري، ومسلم، وأصحاب “السّنن”.

هذا حديث لم يتمّ فيه غسل من النبي صلى الله عليه وسلم لبول ذلك الصبي، وإنما نَضَحه.

والحديث الآخر: حديث أنس المشهور، الذي رواه الجماعة، حين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، قال: “فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبث، فنضحْتُه بالماء”.

فمِن الناس من صار إلى العمل بمقتضى حديث عائشة، وقال: هذا خاص ببول الصبي، واستثناه من سائر البول.

ومن الناس من رجّح الآثار الواردة في الغسل على هذا الحديث، وهو مذهب مالك، ولم يرَ النضح إلّا الذي في حديث أنس، وهو الثوب المشكوك فيه على ظاهر مفهومه.

وأمّا الذي فرّق في ذلك بين بول الذّكَر والأنثى، فإنه اعتمد على ما رواه أبو داود والنسائي، وصحّحه الحاكم، عن أبي السمح من قوله صلى الله عليه وسلم: «يُغسل بول الجارية، ويُرشّ بول الصبي».

وأمّا مَن لم يُفرِّق بينهما، فإنما اعتمد قياس الأنثى على الذّكَر، الذي ورد فيه الحديث الثابت. هذا عن النضح.

وأمّا المسْح:

فإن قومًا أجازوه في أيّ محلّ كانت النجاسة -أي: سواء كان المحلّ صقيلًا لا يتشرّب النجاسة، أو ليس كذلك-، إذا ذهب عينُها، على مذهب أبي حنيفة.

وكذلك أجازوا الفَرْك على قياس من يرى: أنّ كلّ ما أزال العين فقد طهّر.

وقوم لم يجيزوه إلّا في المتفق عليه، وهو: المخرجان، وفي ذيْل المرأة، وفي الخفّ، وذلك من العشب اليابس، لا من الأذى غير اليابس؛ وهو مذهب مالك. وهؤلاء لم يعدّوا المسح إلى غير المواضع التي جاءت في الشرع. وأما الفريق الآخر فإنهم عَدّوْه -أي: أنهم نقلوه بالقياس إلى أمور أخرى-.

ثم يشير ابن رشد إلى سبب اختلاف العلماء في قضية المسح:

والسبب في اختلافهم في ذلك: هل ما ورد في الشرع من ذلك رخصة أو حُكم؟ فمن قال رخصة، لم يُعدّها إلى غيرها، أعني: لم يقِسْ عليها. ومن قال هو حُكم من أحكام إزالة النجاسة كحُكم الغسل، عدّاه -أي: قاس عليه غيره-.

وأمّا اختلافهم في العدد -أي: هل تزال النجاسة بغسلة واحدة، أو بعدة غسلات؟ أو تختلف النجاسات، فبعضها يُكتفى فيه بغسلة، وبعضها لا بد فيه من استيفاء العدد المنصوص عليه في الأحاديث النبوية؟

يقول ابن رشد:

– إن قومًا اشترطوا الإنقاء فقط، في الغَسل والمَسح.

– وقوم اشترطوا العدد في الاستجمار والغَسل.

والذين اشترطوه في الغَسل: مَن اقتصر على المحلّ الذي ورد فيه العدد في الغَسل بطريق السمع. ومنهم من عدّاه إلى سائر النجاسات.

أمّا من لم يشترط العدد لا في غسلٍ ولا في مسحٍ، ولو لولوغ كلب أو خنزير، فمنهم مالك وأبو حنيفة.

وأمّا من اشترط في الاستجمار العدد، أعني: ثلاثة أحجار، لا أقلّ من ذلك، بالنسبة للاستجمار، فمنهم: الشافعي، وأهل الظاهر، وأحمد.

وأمّا من اشترط العدد في الغسل، واقتصر به على محلّه الذي ورد فيه، وهو غسل الإناء سبعًا من ولوغ الكلب والخنزير، فالشافعي ومَن قال بقوله.

وأمّا من عدّاه واشترط السّبْع في غسل النجاسات، ففي أغلب ظني: أنّ أحمد بن حنبل منهم، وهي رواية عنه. والرواية الثانية: يُجزئ في سائر النجاسات غير الكلب والخنزير، ثلاثٌ مُنقية.

وأبو حنيفة يشترط الثلاثة في إزالة النجاسة غير محسوسة العيْن، أعني: الحُكمية. يعني: النجاسة المعنوية، وليست الحسية.

السبب في هذا الاختلاف: يقول ابن رشد -رحمه الله-:

” تعارض المفهوم من هذه العبادة لظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذُكر فيها العدد. -أي أن أحاديث تنص على العدد كما في حديث الكلب، وأحاديث لا تنص على العدد-، وذلك أنّ من كان المفهوم عنده من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها، لم يشترط العدد أصلًا -أي: لماذا العدد ما دام أن عين النجاسة قد زالت؟- وجعَل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت عند مسلم، وأبي داود، والترمذي، والذي فيه الأمر بألَّا يُستنجى بأقلّ من ثلاثة أحجار، جعل هذا الأمر على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، حتى يجمع بين المفهوم من الشرع والمسموع من هذه الأحاديث، وجعَل العدد المشترط في غسل الإناء من ولوغ الكلب -الذي حدّده بسبْع مرات إحداهن بالتراب- جعَل ذلك عبادة، أي: أمرًا تعبديًّا وليس لذات النجاسة، عبادةً لا لنجاسةٍ -كما تقدّم من مذهب الإمام مالك-؛ لأنّ مالكًا لا يقول بنجاسة الكلب.

وأمّا من صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم، فاقتصر بالعدد على هذه المحالّ التي ورد العدد فيها، وتوقّف عند الكلب والخنزير وما يتولّد منهما.

وأمّا من رجّح الظاهر على المفهوم، فإنه عدّى ذلك -أي: العدد- إلى سائر النجاسات.

وأمّا حجة أبي حنيفة في الثلاثة، فقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه، فلْيغسلْ يده ثلاثًا قبل أن يُدخلها في إنائه»، رواه الشيخان. وقد سبق ذكْره في مسائل الوضوء.

error: النص محمي !!