Top
Image Alt

المحتسِب: تعريفه، شروطه، آدابه، وظيفته واختصاصاته

  /  المحتسِب: تعريفه، شروطه، آدابه، وظيفته واختصاصاته

المحتسِب: تعريفه، شروطه، آدابه، وظيفته واختصاصاته

الركن الثالث: المحتسِب:

الحديث في هذا الركن يقتضي تفصيل عدة محاور:

المحور الأول: تعريفه، والفرْق بين والي الحسبة والمتطوِّع بها.

المحور الثاني: شروط المحتسِب.

المحور الثالث: آداب المحتسِب.

المحور الرابع: وظيفة المحتسِب.

المحور الخامس: مراتب الحسبة.

المحور الأوّل: المحتسِب:

إنّ المحتسِب -وهو الركن الأساس في نظام الحسبة في الإسلام- هو: القائم بعملية الاحتساب، سواء كان ذلك بطلب من الشارع عن طريق الولاية العامّة لكلِّ المسلمين في كلِّ زمان ومكان، حيث أُمِروا بأن يأمروا بالمعروف وأن ينهَوْا عن المنكر, كلّ بحسب طاقته وأحواله، وقد رأينا الحديث الصحيح: ((مَن رأى منكم منكَرًا فلْيُغيِّرْه بيده, فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان)).

لقد شاع بين الفقهاء إطلاق اسم المتطوِّع بالحسبة على الأوّل، أي: على مَن يقوم بعملية الحسبة بطلب من الشارع، عن طريق الولاية الأصلية التي اقتضاها التكليف العامّ لكلِّ المسلمين. ثم يطلقون اسم “والي الحسبة” على الثاني، أي: المعيّن من قِبَل وليِّ الأمر؛ وعلى ذلك يمكن تعريف كلٍّ منهما على النحو التالي:

“المتطوِّع بالحسبة” هو: مَن يقوم بالأمر المعروف والنهي عن المنكر من تلقاء نفسه؛ امتثالًا لأوامر الشارع في نصوص القرآن والسُّنّة.

أمّا “والي الحسبة” هو كما عرّفه ابن الأخوة: مَن نصبه الإمام أو نائبه للنّظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم وبيعاتهم, ومأكولهم وملبوسهم ومشروبهم, ومساكنهم وطرقاتهم، وأمرهم بالمعروف ونهْيهم عن المنكَر.

والفرْق بين “المتطوِّع بالحسبة”, وبين “والي الحسبة” من عدّة أوجه كما ذكرها الإمام الماوردي، وتبعه كثير من العلماء والباحثين في السياسة الشرعية.

ومن الفروق بين والي الحسبة، والمتطوِّع بها ما يلي:

  1. الاحتساب فرض متعيّن على والي الحسبة بحكم التّعيين من قِبَل وليِّ الأمر بهذا المنصب؛ فهي وظيفة، وعليه أن يقوم بها وبواجباتها. أمّا المتطوِّع بالحسبة فإنّ الاحتساب في حقِّه فرْض على الكفاية بحسب حاله؛ فإذا قام مَن يكفي سقط عنه.

ويصير فرضَ عيْن في حقه, إذا كان قادرًا ولم يعلم به غيره.

  • الاحتساب من واجبات والي الحسبة بحُكم وظيفته وتعيينه في هذا المنصب؛ فلا يجوز له أن يتشاغل عنه بغيره. فهو مطالب بأدائه بالدرجة الأولى؛ لأنه المقصود من تكليفه بهذه الولاية. أي: إنها وظيفته الرئيسة. أما المتطوِّع بالحسبة، فيجوز له الاشتغال عنها؛ لأنها من نوافل عمله، بمعنى: أنه يجوز له أن يتشاغل عن الاحتساب بغيره من المصالح والحاجات الخاصة والعامة, فإذا عرض له أمر يستدعي إنكاره وتغييره قام بذلك.
    • يجوز تخصيص رزق أو راتب لوالي الحسبة، ولا يجوز ذلك للمتطوِّع بالحسبة؛ لأن أصل احتساب الوالي المتطوِّع أنه يبتغي الأجر من الله عز وجل بأداء ما أُمر به على العموم. أمّا تخصيص الرزق لوالي الحسبة من قِبَل وليِّ الأمر دون المتطوِّع, فهو مقابل احتباسه لهذا العمل واشتغاله به عن مصالحه معظم وقته، فلو لم يخصّص له رزق من بيت المال لامتنع الناس من الدخول في مثل هذه المناصب, ولو كان فيها معنى القرب أو القربات؛ لما فيها من تضييع لهم ولعيالهم أو لِمن تجب عليه نفقتهم، لعدم وجود مصدر الرزق الذي يأكله. أمّا المتطوِّع فلا ينشغل بالاحتساب عن حاجاته ومصالحه، ولا ينقطع به عن إيجاد مصدر رزق له ولمَن يَعولهم.
    • والي الحسبة معيّن من قِبَل وليِّ الأمر للاستعداء إليه، أي: اللجوء إليه بالشكاية، وطلب المعونة والنصرة فيما يجب عليه إنكاره من المنكَرات الظاهرة، بخلاف المتطوع فإنه ليس منصوبًا للاستعداء.
    • أنّ على والي الحسبة الاستجابة لمَن استعداه؛ فهذا من مقتضى عملِه؛ لأنه موكل بذلك، وتلك وظيفته أو مهمّته الأساسية. فإن امتنع، كان ذلك تقصيرًا منه وتهاونًا في آداء واجبه، بحيث يُسأل عنه من قِبَل الإمام أو نائبه. وليس على المتطوع إجابتُه إذا لم يتعيّن في حقِّه.

المحور الثاني: شروط المحتسب:

من هذه الشروط ما يلي:

الشرط الأول: الإسلام:

يُشترط في المحتسِب أن يكون مسلمًا, وهذا الشرط من شروط صحّة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسبب اشتراطه – فيما نرى: أنّ المعروف الذي يأمر به المحتسِب هو ما جعله الإسلام معروفًا، وكذلك المنكَر هو الذي ينهى الإسلام عنه، فهو كل محظور نهى الإسلام عن الإتيان به. ثم إنّ هذا العمل نوع من الولاية، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم، كما أنّ في الاحتساب من جهة أخرى انتصارًا لدين الله تعالى، والكافر جاحد لأصل الدِّين وعدو له؛ فانتصاره لِما جحَده وكابَر عليه من الأمور المستحيلة أو غير المأمونة, وفيه استخفاف بأمر المسلمين؛ إذ ربما أراد الكافر بذلك التّوصّل إلى إذلالهم والتسلط والاستطالة عليهم، فلا يصح تمكينه منه، لقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء:141].

وهذا الشرط من الشروط العامة في والي الحسبة والمتطوِّع بها على حدٍّ سواء, وهذا الأمر لا يختلف عليه اثنان.

الشرط الثاني: التكليف:

يُشترط أن يكون المحتسِب مكلَّفًا، أي: يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن غير المكلّف من صبيّ أو مجنون, ونحوهما لا يتعيّن عليه خطاب ولا يلزمه قيام. ثم إنّ هؤلاء يفقدون الولاية على أنفسهم، فكيف يتولّوْن أمور غيرهم، وفاقد الشيء لا يُعطيه؟

ومن جهة أخرى، فإنّ هذا الشرط من شروط وجوب الحسبة على المسلم، أمّا إمكان الحسبة وجوازها فلا يستدعي إلا العقل؛ فإذا عقل الصبي المميِّز المنكر، وعرف وجْه تغييره، وتبرّع بالحسبة، وقع ذلك صحيحًا منه؛ فله إنكار المنكَر كأن يهريق الخمر. ومتى فعَل ذلك، فله الأجر والثواب، وليس لأحد منْعه من ذلك من حيث كونه ليس بمكلّف؛ لأن احتسابه وهو في هذه الحال يُعتبر قُربة في حقِّه، وهو من أهلها، كالصلاة والصوم وسائر القربات الأخرى.

الشرط الثالث: العلْم:

يشترط في المحتسِب أن يكون عالِمًا بالمعروف الذي يأمر به، والمنكَر الذي ينهى عنه، وعارفًا كذلك بالأحكام المتعلِّقة بهما، وأن يكون عالِمًا بطُرق ومراتب الاحتساب. فإذا لم يكن كذلك، لم يصحّ منه أمر ولا نهي؛ لأنه لا يؤمَن منه أن ينهى عن معروف أو يأمر بمنكَر, فإن الجاهل ربما يستحسن بعقله ما قبّحه الشرع، ويرتكب المحظور وهو غير عالِم به؛ ولذلك فإن شرْط العالِم شرط من شروط صحة القيام بالاحتساب, وهو شرط عام في والي الحسبة وفي المتطوِّع بها أيضًا.

والعلم بالمعروف والمنكر على قسميْن:

القسم الأول: ظاهر يعْرفه العوام والعلماء، أي: إنه مشترَك بين العامّة والخاصّة، وهو ما كان من الواجبات الظاهرة أو المعلومة من الدِّين بالضرورة، وأيضًا ما كان من المحرّمات المشهورة. ذلك كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك.

هذا القسم، العامِّي فيه كالعالِم في وجوب القيام بالاحتساب؛ فيأمر تارك الصلاة بأدائها، وينهى شارب الخمر عن شرْبها. وسبب عدم سقوط الاحتساب عن العوام في هذا القسم: أنّ هذه الواجبات والمحرّمات من الأمور المعلومة من الدِّين بالضرورة, حتى إنه لا يُعذر المسلم المكلّف في ديار الإسلام بالجهل بها؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [النحل: 43] وأصبحت السّبل كثيرة، ومنافذ المعرفة أكثر من أن تحصى، فلا عُذر له بعد ذلك.

القسم الثاني: خاصّ لا يعرفه إلا العلماء، كأن يكون المعروف المعدوم أو المنكر الموجود من دقائق الأفعال والأقوال؛ وذلك مثل: اعتقاد ما يجوز على الباري سبحانه وتعالى وما لا يجوز عليه، فهذا القسم لا مدخل للعوام فيه، بل يختصّ إنكاره بالعلماء؛ لأنّ العامِّيّ إذا خاض فيه كان ما يفسده أكثر ممّا يُصلحه, وهذا من الأمور البدهية؛ لأن هناك قضايا موضع خلاف وجدال, في القديم وفي الحديث مثل: صفات الله عز وجل، وأسمائه الحسنى، وما في هذا المعنى.

الشرط الرابع: الحُرِّيّة:

وفي هذا الشرط يجدر بنا أن نُفرِّق بين المتطوِّع بالحسبة وبيْن والي الحسبة. أمّا الأوّل فلا تشترط فيه الحرّية، فللعبد أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكَر، شأنه في ذلك شأن الحُرّ؛ لأنه من المسلمين المكلّفين المخاطَبين بالنصوص التي أوجبت الحسبة؛ هذا على فرض أن هناك عبيدًا أو إماء.

إذًا فلا يوجد ما يخرج العبد من عموم هذه النصوص كمخاطبته وتكليفه بالصلاة وبالصيام وبنحوهما, فيتعين الاحتساب في حقّه؛ لقيام المقتضي وانتفاء المانع، كما قال الغزالي في (الإحياء).

أمّا والي الحسبة، أو المحتسِب الرسمي، أو الموظّف في الحسبة، فقد اشترط الفقهاء فيه أن يكون حرًّا؛ لأنّ الرقيق ليس من أهل الولايات.

ولا يجوز للعبد في ولاية الحسبة أن يكون شاهدًا، ولا مُزكِّيًا علانية، ولا عاشرًا -أي: جامع للعشور- ولا قاسمًا، ولا مقوِّمًا، ولا خارصًا، ولا ترجمانًا، ولا قائفًا، ولا كاتب حكم، ولا أمينًا لحاكم، ولا إمامًا أعظم، ولا قاضيًا، ولا وليًّا في نكاح أو عقود، ولا يلي أمرًا عامًّا.

والعلة في منع الرقيق من تقلّد الولايات هذه, وما في حُكمها: أنّ الولاية هي إنفاذ الإنسان قوله على غيره، شاء أو أبى، والعبد لا ولاية له على نفسه، فأوْلى ألا يكون له ولاية على غيره. فهو لا يستطيع مثلًا أن يتصرّف بكسبه، أو يزوِّج نفسه إلا بإذن سيِّده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيّما عبْد تزوّج بغير إذن سيِّده، فهو عاهر))، أخرجه الترمذي، وقال: “حديث حسن”، وأخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهم.

ولأنّ العبد يستهلك وقتَه في خدمة سيِّده، فلا يبقى له من الوقت ما يُمكِّنه من القيام بمهامّ هذه الولايات، وخاصة في ولاية الحسبة؛ فهي تحتاج إلى جهد كبير، وإلى تفرّغ تام لمتابعة شئونها؛ لِما تتميّز به هذه الولاية دون غيرها من سعة نطاقها، ومن تعدّد اختصاصاتها. كما أنّ في ولاية الحسبة شبَهًا بولاية القضاء, وقد صرّح الفقهاء بمنْع العبد من تولِّي منصب القضاء؛ وهكذا لا يجوز أن يتولّى الحسبة.

فإن قيل مثَلًا: قد ورد في (صحيح البخاري) ما يدلّ على صحّة تولِّي العبد للإمامة، قياسًا على ذلك أنه يصحّ له أن يتقلّد الولايات التي دونها.

وهنالك -كما روى ابن حزم- أخرج البخاري في “صحيحه”، من حديث أنس بن مالكرضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشيّ)) أو ((وإن أُمِّر عليكم عبدٌ حبشيّ كأن رأسه زبيبة))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بعدّة إجابات، منها:

الأولى: أنه قد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود، وإطلاق العبد الحبشي مبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصوّر شرْعًا أن يلِيَ ذلك. هذا ما قاله الخطابي، ونقله عنه ابن حجر.

الثانية: أن يكون أطلق صلى الله عليه وسلم عليه اسم “العبد”؛ نظرًا لاتِّصافه بذلك سابقًا، مع أنه وقت التولية حرّ. ونظيره إطلاق “اليُتْم” على البالغ باعتبار اتّصافه به سابقًا، كما في قوله تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2].

الثالثة: أنّ الحديث محمول على حالة تولِّيه بالقوّة والغلَبة. وقد أجمعت الأمّة على أن الإمامة العظمى لا تكون في العبيد إذا كانت بطريق الاختيار، أمّا لو تغلّب عبْد حقيقة بالقوّة، فإنّ طاعته تجب إخمادًا للفتنة ما لم يأمُر بمعصية.

الشرط الخامس: الذُّكورة:

وفي هذا الشرط أيضًا فرّقوا بين المتطوِّع بالحسبة وبيْن والي الحسبة، فلا يُشترط في المتطوِّع بها أن يكون رجلًا حتى يصحّ منه الاحتساب, بل إنّ الاحتساب يقع من المرأة, إذ إنّ لها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ لأنها مسلمة مكلّفة مخاطَبة بالنصوص العامّة التي أوجبت الحسبة على العموم، ومنها قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71].

أمّا ولاية الحسبة فكغيرها من الولايات الإسلامية، قد وقع الخلاف فيها بين الفقهاء في جواز تولِّي المرأة لها. ويُستدل على جواز ولايتها أو عدمه بالخلاف الوارد في جواز توْليتها الإمارة، أو الولاية العامّة، أو الإمامة والقضاء.

وخلاصة هذه المسألة: أن جمهور الفقهاء ذهب إلى اشتراط الذّكورة, فيمن يتقلّد منصب والي الحسبة؛ كالإمارة والقضاء.

وهؤلاء قد استدلّوا على ما ذهبوا إليه بأدلّة كثيرة، نذكر منها:

  • قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}، [النساء: 34], ووجْه الدلالة من الآية الكريمة: أنه إذا كان الرجل قوّامًا على المرأة في شئون البيت, وهو من الولايات الخاصة؛ فمن باب أوْلى قوّام عليها في الولايات العامة.‌ب.     ما رواه البخاري في “صحيحه” عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: “لقد نفعني الله بكلمة سمعتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّام الجمل، بعدما كدتُ أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم. قال: لمّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ أهل فارس قد ملكوا عليهم بنتَ كسرى، قال: ((لن يُفلِح قومٌ ولَّوْا أمْرهُمُ امرأة)). هذا الحديث متّفق عليه.

ووجّه الدلالة منه: أنّ فيه دليلًا على أنّ المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحلّ لقوم توْليتها؛ لأنّ تجنّب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجبٌ.

وقد نقل ابن حجر عن الخطابي, قوله في الحديث: إن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء, والحسبة ولاية شبْه قضائية، فيثبت فيها المنع.

ج. طبيعة عمل والي الحسبة تقتضي البروز إلى المجالس والأسواق والطّرق، والاختلاطَ بالتجار والصّنّاع ونحوهم, ممّن يجب على والي الحسبة مراقبة سيْر عمَلِهم؛ لمَنعهم من الغش مثلًا، ولنهْيِهم عمّا يقومون به من المنكرات لترويج سِلَعهم، والمرأة -بطبيعة الحال- ممنوعة من ذلك؛ لأنّ مبنى حالها على السّتر, وعدم الظهور أمام الرجال الأجانب إلا لحاجة.

وذهب بعض العلماء إلى جواز تولِّي المرأة لمنصب والي الحسبة، ومن هؤلاء: ابن حزم. وقد استدلّوا على ذلك بأدلّة كثيرة أيضًا، منها:

  1. قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران:104] وما في معنى هذه الآية من آيات, ومن أحاديث أخرى كلّها تحثّ الأمّة رجالًا ونساءً على الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر.

وقد أجيبَ عن هذا الاستدلال, بأنّ هذه الآية وما في معناها ليست خاصّة بالحسبة التي هي ولاية من ولايات الدولة، وإنما تتحدّث عن عموم عمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المتطوِّع، والمرأة يجوز لها أن تقوم بواجبها في الدعوة والإرشاد، وفي أسرتها ومحارمها، وعلى قَدْر طاقتها والمتاح لها. أمّا ولاية الحسبة، أو الحسبة الرسمية، فلا تتولاها.

  • ما ورد في (الاستيعاب) من أنّ سمراء بنت نهيك الأسدية كانت تمرّ في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها تضرب به أحيانًا. وكانت سمراء أدركت النبي صلى الله عليه وسلم وعمّرت طويلًا.

ويمكن القول أيضًا بأنّ هذا في التّطوّع في الحسبة، لا في الوظيفة الرسمية؛ حيث لم يختلف الفقهاء في جواز الحسبة في المحتسِب المتطوِّع من الرجال والنساء، وكلّ على قَدْر طاقته، أو بحسب الظروف والأحوال. أمّا من يتولّى الحسبة من قِبَل الدولة، أو يُعيّن من قِبَل وليِّ الأمر، فيُشترط فيه الذّكورة، حتى إن كثيرًا من العلماء لم يتعرض لهذا الشرط، وكأنه من المسلّمات.

  • ما رُوي أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولّى الحسبة في سوق من الأسواق امرأةً تُسمى: الشفاء، وهي: أم سليمان بن أبي حثمة الأنصارية؛ لكنّ ابن العربي كذّب هذا الأثر، وعلّق عليه بقوله: “وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قدّم امرأة على حسبة السوق ولم يصحّ، فلا تلتفتوا إليه؛ فإنما هو من دسائس المبتدِعة في الأحاديث”.

وعليه، فقد قال أحد الباحثين المعاصرين في معرض تعليقه على هذا الأثر: “وما ذكره ابن حزم -رحمه الله- من أنّ عمر ولّى الشفاء، فلا يَصلح حُجّة في هذا المقام؛ فالخبر لم يَثبت، فقد ساقه غير مُسنَد وبصيغة التمريض -أي: الوهن والضعف-: “رُوي” بالبناء للمجهول. وليس هذا من عادة ابن حزم الحافظ الفقيه, وهذه الصيغة لا تؤهِّل النص ليُعتدّ به”.

والذي نُرجِّحه: اشتراط الذّكورة فيمن يتولّى منصب والي الحسبة؛ وذلك لقوّة أدلّة القائلين بذلك، فضلًا عن إمكانية الرد على أدلّة القول الثاني من ابن حزم ومَن وافَقه كما رأينا؛ بل حتى الرواية الأخيرة بأنّ عمر ولّى المرأة الحسبة غير متصوّرة؛ لأنه صاحب فكرة الحجاب، فلم يكن ليخالف الكتاب والسُّنة الصحيحة مثل: ((لن يُفلِح قوم ولَّوْا أمرَهم امرأة))، ويُولِّي امرأةً أمر السوق لتظل طول اليوم تخالط الرجال وتزاحمهم. ونحن لو سلّمنا -على سبيل الافتراض- بصحّة هذه الرواية، فإنها لا تدل على جواز الحسبة للمرأة بإطلاق؛ وإنما تُحمل مثلًا على أنّ عمر اختارها في أمرٍ خاصٍّ بالنساء مثلًا.

ولهذا، فنحن نقرِّر في نهاية الأمر بأنّ ترجيحنا القول باشتراط الذكورة في ولاية الحسبة, لا يمنع من أن يتّخذ والي الحسبة امرأة كأحد معاونيه لتتولّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أماكن تجمّع النساء؛ كالحمّامات العامة، والأسواق، والمدارس، والأماكن الخاصة بهن، أو في الطرقات مثلًا, فتأمرهنّ بالاحتشام، وتمنع وقوفهنّ مع الرجال الأجانب، ونحو ذلك.

وهذا الرأي يوافق التوجيه الذي ذكَره بعض الباحثين، تعليقًا على الأثر الوارد عن عمر رضي الله عنه، وقد قال: “لعلّه في أمر خاصٍّ, يتعلّق بأمر النسوة”.

المحور الثالث: آداب المحتسِب:

ذكَر العلماء جملة من الآداب التي يجب على المحتسِب التّحلِّي بها؛ حتى يُؤتي احتسابُه الثمرة المرجوّة منه, ومنها ما يلي:

  1. إخلاص النية لله عز وجل، وطلب مرضاته بهذا العمل؛ فلا يبالي في سبيل إقامة المعروف وإزالة المنكَر ببغض الناس وسُخْطهم عليه، أو رضاهم عنه وإعجابهم به.أن يكون عاملًا بما يأمر به الناس، منتهيًا عمّا ينهاهم عنه، مواظبًا على سُنن الشرع ومستحبّاته، عالمًا بمواقع الحسبة وحدودها وموانعها.أن يكون ورِعًا تقيًّا، حسَن الخُلُق، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه؛ فإنّ ذلك أدعى للقبول، واستمالة القلوب، وحصول المقصود. قال تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم وهو قدوة المحتسِبين: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} . وقال عز وجل لموسى وهارون -عليهما السلام: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الله رفيق يحبّ الرِّفق، ويُعطي على الرِّفْق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه. وإنّ الرِّفق أو الحِلم لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه))، وفي رواية: ((عليك بالرِّفْق!)). والحديث المذكور متفّق عليه، وأخرجه البخاري ومسلم.على المحتسِب أن يتخلّق بالصبر والحِلْم؛ حتى يستطيع مواجهة ما قد يصيبه من أذًى, فلا يكون احتسابه سببًا في فتنته، قال تعالى حكاية عن لقمان عليه السلام: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [لقمان:17].

وقد قال ابن تيمية في صدد حديثه عن الحسبة: “وإذا كان جماع الدِّين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر. وهذا نعْت للنبي وللمؤمنين كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}, وهذا واجب على كل مسلم قادر. وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عيْن على القادر الذي لم يَقم به غيره”.

المحور الرابع: وظيفة المحتسِب أو اختصاصاته:

هذا المحور المهم يعتبر موضوعًا فاصلًا في تحديد دوْر وأهمِّيّة نظام الحسبة في الإسلام بوجه عام؛ ذلك أنّ موضوع الوظيفة أو الاختصاصات أو تحديد المهام، تُحدِّد الأدوار وتضع الضوابط، لتسدّ الطريق على المُغرضين والمناوئين للإسلام، أصولًا وفروعًا، فكرًا وتطبيقًا.

وتتضح وظيفة المحتسِب أو اختصاصاته، من خلال عدة أمور:

أولًا: الأمر بالمعروف فيما يتعلّق بحقوق الله تعالى، أو بحقوق الآدميِّين، أو ما يكون مشتركًا بينهما.

ثانيًا: النهي عن المنكر, في هذه الأقسام الثلاثة أيضًا.

ثالثًا: تحديد وظائف المحتسِب بشكل عامّ, مثل: مراقبة العبادات، والآداب العامة، والصحة العامة، والمعاملات التجارية، وغيرها من أنماط المعاملات أو المصالح الجماعية. عندما يتحدّث الفقهاء عن اختصاصات المحتسِب، فإنهم يقولون: إن وظيفته هي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد اتّبع الماوردي المنهج الفقهي في تقسيم اختصاصات المحتسِب, على النحو الآتي:

وظيفة المحتسب عند الماوردي في كتابه (السياسة الشرعية) قسّمها إلى قسميْن: أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر.

ثم عاد فقسّم كلًّا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إلى ثلاثة أقسام:

  1. ما يتعلّق بحقوق الله تعالى.
  2. ما يتعلّق بحقوق الآدميِّين.
  3. ما يكون مشتركًا بينهما.

ثم يتناول بعد ذلك كلّ قسم من هذه الأقسام، ويتكلّم عنه بالتفصيل، مبيِّنًا كيفيّة الحسبة فيه، وهو ما سنعرض له:

التقسيم الأول: الأمر بالمعروف:

وينقسم الأمر بالمعروف إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما يتعلق بحقوق الله تعالى:

وهو على ضربيْن:

الضرب الأوّل: ما يتوجه الأمر فيه إلى الجماعة دون الأفراد، كما لو ترك أهل بلد صلاة الجمعة, وكانوا عددًا قد وقع الاتفاق على انعقادها بهم، أو قد اتّفقوا على ترْك الأذان، أو ترك أداء الصلاة المكتوبة في جماعة، يأمرهم المحتسِب في مثل هذه الأحوال. وإقامة الجمعة والجماعة ورفع الأذان، لوالي الحسبة أن يعزِّرهم على الإخلال بها؛ لأنها من شعائر الإسلام وعلامات متعبّداتهم التي فرّق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دار الإسلام, ودار الحرب.

الضرب الثاني: ما يتوجّه الأمر فيه إلى أحد الناس، كما لو عرف أحدهم بترْكه صلاة الفرض، أو تفريطه في قلّة مواظبته عليها، فيأمره المحتسِب بأدائها وعدم التهاون بها، ويراعي جوابه في ترْكه إياها. فإن كان ترَكها لجهْله بها، وكان ممّن يُعذر بجهله، كما لو كان حديث عهد بالإسلام مثلًا، فينبغي على المحتسِب أن يعلِّمه حتى يُحسن ذلك. وإن كان جهله لِتهاونه في تعلّمها وكسَلِه عن طلب ذلك، فلوالي الحسبة أن يؤدِّبه ويجتهد في عقوبته، ثم يتولّى تعليمه أو يأمر مَن يُعلِّمه إياها. وإن قال: إنه قد ترَكها لتوانٍ أو تهاونٍ فيها، فيؤدّبه زجرًا له، ويأخذه بفعلها جبرًا عنه.

وهكذا، فإن الماوردي يوجب على المحتسِب أن يأمر بالمعروف فيما يتعلق بحقوق الله، كصلاة الجمعة والجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات.

ويذكر الماوردي هنا: أنّ المحتسِب يجب عليه أن يأمر بإقامة صلاة الجمعة, إذا كان العدد متّفقًا على انعقاد الجمعة بهم، ويؤدّب على الإخلال بها. فإذا كان العدد قليلًا, واختلف العلماء في انعقاد الجمعة بهم؛ فعندئذ يفرِّق بين أربع أحوال:

  1. أن يتّفق رأي المحتسِب ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فيجب عليه حينئذ أن يأمر بإقامتها، وعلى الناس أن يسارعوا إلى أمْره, ويكون في تأديبهم على ترْكها ألْين من تأديبه على ترْك ما انعقد الإجماع عليه.
  2. أن يتّفق رأي المحتسِب, ورأي القوم على عدم انعقاد الجمعة بهم، وعندئذ فلا يجوز له أن يأمرَهم بها، بل ينهاهم عنها.
  3. أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسِب، فلا يجوز أن يُعارضهم فيها، ولا يمنعهم ممّا يروْنه فرضًا عليهم، كما لا يأمرهم بها لأنه لا يراه.
  4. أن يرى المحتسِب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم، وهنا أجاز بعض الفقهاء من علماء الشافعية أن يأمرهم بإقامتها اعتبارًا بالمصلحة؛ لئلا ينشأ الصغير على ترْكها. وخالفهم غيرهم في هذا، سواء كانوا من الشافعية أو من غيرهم؛ وقالوا: لا يجوز للمحتسِب أن يتعرّض بأمرهم بها؛ لأنه ليس له حمْل الناس على اعتقاده, أو على المذهب الذي يراه.

أمّا صلاة الجماعة في المساجد، فقد نقل الماوردي رأييْن في وجوب الحسبة على صلاة الجماعة.

وذكر أبو يعلى الحنبلي: أنه إذا اجتمع أهل محلّة أو بلد على تعطيل الجماعة في مساجدهم, وترْك الأذان في أوقات صلاتهم؛ كان المحتسِب مأمورًا بأمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، على طريق الوجوب عليهم والإثم بترْكه، بناء على أنّ الجماعة واجبة ولو على سبيل فرض الكفاية، وإن كان هناك من يرى أنها سُنّة مؤكّدة، ولكنّ أحدًا لم يَقُل بترْكها بالكلّيّة.

هذا، ولا يجوز للمحتسِب أن يتدخّل في عبادة الناس؛ إذا كان تصرّفهم جائزًا على وجْه من الوجوه، وإن كان رأي المحتسِب مخالفًا لرأيهم؛ لأنّ الأمور الاجتهادية ممّا يتفاوت فيها الناس.

القسم الثاني: ما يتعلّق بحقوق الآدميِّين:

وهو أيضًا على ضربيْن:

الضرب الأوّل: الأمر بالمعروف في الحقوق العامّة، كما إذا تعطّل شرب بلد، أو انهدم سورُه أو مسجده، أو فسدتْ طُرقه، أو تعطّلت مدارسه، ولم يكن في بيت المال ما يكفي لإصلاحه، فيأمر المحتسب ذوي المكنة أو الأغنياء من أهل البلد بإصلاح تلك المنافع العامة؛ فإذا امتنعوا عن ذلك يكلّفهم المحتسب بذلك, ويُشرف عليهم.

الضرب الثاني: الأمر بالمعروف في الحقوق الخاصة، كالمماطلة في أداء الحقوق والدّيون، وكانت ثابتة في ذمّة المَدين غير جاحد لها، ولا تحتاج إلى بيِّنة لإظهارها، فلوالي الحسبة أن يأمر بأدائها مع المكنة إذا استعان به أصحاب تلك الحقوق والدّيون. وكذلك لو امتنع شخص عن الإنفاق على زوجته وأولاده، أو على أمه وأبيه، فيحثه المحتسِب على بذل النفقة. وليس له أن يَحكم بين المتنازعين أو المتخاصمين؛ لأنّ ذلك يدخل في اختصاص القضاء لا في اختصاص الحسبة.

القسم الثالث: ما يتعلق بالحقوق المشتركة:

والمقصود بالحقوق المشتركة هي: ما يكون فيها حقٌّ لله تعالى من جهة، وحق للآدميِّين من جهة أخرى؛ كأخذ الأولياء بنكاح الأيامى من أكفائهن إذا طلبْن ذلك، ووعْظهم إذا امتنعوا عن تزويجهنّ، وكإلزام النساء بأحكام العدد إذا فارقْن أزواجهن بطلاق أو وفاة، وكوعد السادة وتذكيرهم بحقوق العبيد والإماء والخدم والأمراء، وحثّهم على الإنفاق عليهم وكسوتهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون من الأعمال. وعليه كذلك بأن يأمروا الأشخاص بألا يُحمّلوا دوابهم ما لا يطيقون، ثم العناية باللقطاء، ومن أخذ لقيطًا فعليه أن يُعنَى به ويقوم بحقوقه.

وهكذا أيضًا نرى الماوردي الشافعي, يقسّم حقوق الآدميين إلى قسميْن:

الأول: الحق العام، ويشمل الأمور التي تختص بمصالح الناس جميعًا وترتبط بها حياتهم؛ كانقطاع مياه الشرب في البلد، أو انهدام سُور البلد أو المدرسة، أو كبناء المستشفيات والمساجد وغيرها من الأمور العامة.

وهذا واضح قطعًا من الأمثلة التي ساقها الماوردي وغيره في هذا الصدد, ففي هذه الحالة يكلّف بيت المال بإصلاح هذه الأمور, فإذا لم يكن في بيت المال مال؛ فعندئذ يكلّف الأغنياء بالإنفاق على إصلاح هذه الأمور, فإذا امتنعوا عن ذلك، يكلّفهم المحتسِب بذلك، ويشرف عليهم.

الثاني: الحق الخاص، ويشمل هذا الحق الحقوق المرتبطة بالأفراد، كالديون والحقوق، على اختلاف مسمياتها. في هذه الحالة، يأمر المحتسِب أصحاب الديون بأدائها لأصحابها, إذا كانوا قادرين على ذلك؛ بشرْط استعداء أصحابها، أي: إقامة دعوى أو طلب التدخل من المحتسِب للوصول إلى حقوقهم. ويتدخل في هذه الأمور، ويأمر بأدائها من باب الأمر بالمعروف، ولا يحكم بين المتنازعين؛ لأن ذلك يدخل في اختصاص القضاء, لا في اختصاص الحسبة.

والحقوق المشتركة بين الله والعباد, تشمل ما يأتي:

  1. يأمر الآباء بتزويج الأيامى من أكفائهنّ؛ لئلا يمنعوهنّ من الزواج.
  2. إلزام النساء بالعدّة, في حالتي الوفاة أو الطلاق.
  3. أخذ السادة بحقوق العبيد والإماء، وألا يكلِّفوهم ما لا يطيقون.
  4. يأمر الأشخاص ألا يحمِّلوا دوابّهم ما لا يطيقون.
  5. العناية باللقطاء، فإنّ مَن أخذ لقيطًا عليه أن يعتني به, ويقوم بحقوقه.

التقسيم الثاني: هو النهي عن المنكر:

وقد قسمه الماوردي أيضًا إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما يتعلق بالعبادات, ويشمل ما يلي:

  1. الشخص الذي يخالف أوامر الشريعة في عبادته، كأن يغيِّر من أشكالها.
  2. الشخص الذي يُهمل شئون طهارته في جسده أو ثوبه أو موضع صلاته.
  3. المفطر في رمضان بغير عذر, من مرض أو سفر.
  4. الممتنِع عن إخراج الزكاة على الأموال الباطنة؛ لأنها لا تدخل ضمن اختصاص عامِل الصدقة.
  5. الذي يتصدّى للفتوى والتدريس والوعظ, وليس من أهل العلْم أو من أهل الاختصاص. ويتدخّل المحتسب في شئون هؤلاء فيردّهم إلى الحق والصواب، ويؤدّبهم إذا وجد حاجة إلى ذلك، مراعيًا مشروعية التعزير لكلٍّ من هؤلاء، واختلافه كمًّا وكيفًا في حقِّ كلّ صنف منهم.

القسم الثاني: ما يتعلق بالمحظورات:

وهو: أن يمنع الناس من مواقف الرّيب ومظانّ التهمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((دعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك)).

يقول الماوردي: “وإذا رأى وقفة رجل مع امرأة في طريق سابل, لم تظهر منهما أمارات الريب، لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار؛ فما يجد الناس بُدًُُّا من هذا. وإن كانت الوقفة في طريق خال، فخلوّ المكان ريبة، فيُنكرها ولا يعجل بالتأديب عليهما؛ حذرًا من أن تكون ذات محرم, ولْيقلْ: “إن كانت ذات محرم فصُنْها عن مواقف الريب. وإن كانت أجنبية، فخَفِ الله تعالى من خلوة تؤدِّيك إلى معصية الله تعالى”. ولْيكنْ زجْرُه بحسب الأمارات والظروف والأحوال والأعراف.

ويستفاد من هذا:

أنّ المحتسِب يقوم بالمحافظة على الآداب العامة، فلا يسمح لأحد من الناس أن يتصرّف تصرفًا يُسيء به إلى نفسه أوّلًا، أو إلى مجتمَعه ثانيًا. وينبغي أيضًا ألا يستعجل في العقوبة أو الزجر، إلا بعد أن يتأكّد من الموضوع؛ خشيةَ أن يزجر مَن لا يستحق الزجر، أو يعاقب من لا يستحقّ العقوبة.

القسم الثالث: ما يتعلّق بالمعاملات:

ويدخل ضمن هذا القسم: المعاملات المنكَرة؛ كالبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به, إذا كان متّفقًا على حظره، كالمعاملات الربوية مثلًا. فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه، بل وأمْره في التأديب مختلف بحسب الأحوال. أمّا ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته، فلا مدخل له في إنكاره، إلا أن يكون ممّا ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متّفق عليه، كالربا في النقديْن وما في هذا المعنى.

وممّا يتعلّق بالمعاملات: غشّ المبيعات، وتدليس الأثمان؛ فيُنكره ويمنع منه، ويؤدِّب عليه بحسب الحال فيه. فإن كان هذا الغش تدليسًا على المشتري ويخفى عليه، فهو أغلظ الغش تحريمًا وأعظمه مأثمًا، فالإنكار عليه أغلظ والتأديب عليه أشدّ. وإن كان لا يخفى على المشتري، كان أخفّ مأثمًا وألْينَ إنكارًا.

وممّا هو عمدة نظره: المنع من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصنجات؛ لوعيد الله تعالى عليه عند نهْيه عنه. وليكن الأدب عليه أظهر، والمعاقبة فيه أكثر. ويجوز له إذا استراب بموزاين السوقة ومكاييلهم، أن يختبرها ويعايرها، ولو كان له على ما عايره عليها منها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به، كان أحوط وأسلم.

لعله يقصد من كل ذلك فيما تعلّق بالتطفيف والبخس في المكاييل والموازين: قول الحق تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِين * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُون * أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُون * لِيَوْمٍ عَظِيم} [المطفِّفين:1- 5 ]، إلى غير ذلك من الآيات الأولى في سورة (المطففين).

هنا نضيف قسمًا رابعًا تكلّم به بعض الباحثين, مضافًا إلى ما قاله الماوردي, هذا القسم هو: ما يتعلّق بالعقائد، كالإنكار على من أظهر عقيدة باطلة، أو حرّف في الدِّين، أو ابتدع بدعة تخالف مذهب الحق، وكمنْع كتب الكفْر والزندقة وإحراقها.

أمّا ما اختلف الفقهاء في جوازه، فلا مدخل للاحتساب على فاعله، إلا أن يكون الخلاف فيه ضعيفًا لا يؤدّي إلى محظور متفق عليه كربا النقد؛ لأنّ الخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النسيئة المتفق على تحريمه. وفي معنى المعاملات عقود النكاح المحرّمة، فيُنكر المحتسِب ما اتّفق العلماء على عدم جوازه.

ولم يَبق معنا إلّا الإشارة إلى ما قرّره الماوردي بخصوص حقوق الآدميِّين, والحقوق المشتركة بين الله والعباد.

يقول الماوردي في معرض حديثه عن حقوق الآدميِّين, أو يدخل ضمن هذه الحقوق: “أن يتعدّى رجل في حدٍّ لجاره، أو في حريم لداره، أو في وضع أجذاع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما دام لم يستدْعه الجار؛ لأنه حق يخصّه، ومن المحتمَل أن يعفو عنه، أو ألا يطالب بإزالة هذا الضرر”.

لكنه يقول بعد ذلك: “وممّا لا يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصّنّاع في الأسواق: ثلاثة أصناف:

  1. مَن يُراعَى عمله في الوفور والتقصير، كالطبيب والمعلمين؛ لأن للطبيب إقدامًا على النفوس, يفضي التقصير فيه إلى سقم أو تلف -يعني: أن المريض إمّا أن يتعرّض للتلف أو لزيادة المرض بسبب التقصير, أو المبالغة في الإفراط في علاج هذا المريض. هذا فيما يتعلق بالطبيب-. أما المعلِّمون، فلهم من الطّرق ما تؤثِّر في نفسية الصغار، وتسيء إلى تربيتهم.
    1. مَن يُراعَى حاله في الأمانة والخيانة، كالصاغة والحاكة والقصّارين والصباغين؛ لأنهم ربما هربوا بأموال الناس. لِيراعِ المحتسِب أهل الثقة والأمانة منهم فيُقرّهم، ويُبعد من ظهرت خيانته، ويشهِّر أمره لئلا يغتر به من لا يعرفه.
    1. مَن يُراعَى عمله في الجودة والرداءة، فهو ممن ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة، ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فسادَ العمل ورداءته، وإن لم يكن فيه مستعْدٍ, أي: طالب النصرة أو المعاونة والمساعدة”.

والقسم الثالث من هذه الحقوق في مجال النهي, هو الحقوق المشتركة في نظر الماوردي؛ فيبيّن الماوردي أنّ المحتسب يمنع من الإشراف على منازل الناس، ويمنع أيضا أئمة المساجد الكبيرة من إطالة الصلاة؛ حتى لا يعجز عنها الضعفاء، وينكر على القضاة حجب الخصوم عنهم إذا تحاكموا إليهم؛ لئلا تتعطّل الأحكام. ويمنع أيضًا أصحاب البهائم من تحميلها ما لا تطيق، ويمنع أصحاب السفن من تحميلها أكثر من طاقتها ممّا يخشى عليها الغرق. وينظر والي الحسبة في مقاعد الأسواق، فيقرّ منها ما لا ضرر فيه على المارة، ويمنع ما يؤذيهم, ويمنع المارة من وضع أمتعتهم في مسالك الطُرُق؛ لئلا يلحق الضرر بالناس.

تحديد وظائف المحتسِب بوجه عام:

سنلتقي هنا مع ركنين:

الركن الأوّل: هو التعقيب على تحديد وظيفة المحتسِب بشكل عام، كما يراها الماوردي وأبو يعلى, وغيرهما ممّن كتبوا في الحسبة في الإسلام.

الركن الثاني: عن مراتب الحسبة كما قرّرها جمهور العلماء, وقد حصروها في سبع كما سنرى. فهؤلاء الذين كتبوا في موضوع الحسبة أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, في دراسات خاصة بالتفسير ونحوه, قرّروا أنّ الحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتدرّج من التعريف -هذه مرتبة- إلى الوعظ والنصح والتخويف من عقاب الله تعالى -وتلك مرتبة ثانية- إلى الزجر والتقريع، أو التعنيف والتوبيخ والشّدّة في الإنكار على المحتسَب عليه, إذا فعل المنكَر وترك المعروف -فتلك مرتبة ثالثة- فالتغيير باليد أحيانًا كإراقة الخمر -هذه مرتبة رابعة- ثم التهديد والتخويف -تلك مرتبة خامسة- فمباشرة الضرب أو الحبس -وتلك مرتبة سادسة- وتأتي المرتبة السابعة والأخيرة في الاستعانة بالغير أو بالسلاح لإزالة المنكر ودفْعه، إن اقتضى الأمر شيئًا من ذلك.

فلنبدأ في تحديد وظائف المحتسِب بشكل عامّ, من خلال عرْضنا للأقسام التي ذكَرها الماوردي وأبو يعلى الحنبلي في كتابيْهما (الأحكام السلطانية)، من حيث تقسيمهما لوظائف الحسبة، سواء تعلّقت بحقوق الله تعالى، أو بحقوق العباد، أو بالحقوق المشتركة بين الله والعباد، وسواء كان ذلك في إطار الأمر بالمعروف أو في إطار النهي عن المنكر؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حقيقة نظام الحسبة في الفكر السياسي الإسلامي.

ومن وظائف المحتسِب ما يلي:

الوظيفة الأولى: مراقبة العبادات:

وكأنها هي الوظيفة الأساسية أو الرئيسة في نظام الحسبة في الإسلام؛ لأن الإسلام يحرص على الاهتمام بالدِّين, فهو أساس كل الآداب والأخلاقيات والسلوكيات بعد ذلك.

يقوم المحتسِب نيابة عن وليِّ الأمر بتنفيذ أحكام الله تعالى المتعلّقة بالعبادات، فيأمر المسلمين بأدائها على الوجه الأكمل المجمَع عليه، دون أن يسمح لأحد من الناس بالتقصير في أيّ حق من الحقوق المتعلّقة بحقوق الله؛ سواء كان هذا التقصير متمثِّلًا في عدم أداء هذه الواجبات, أو أدائها على وجْه مخالف للطريق الشرعي.

ومن هذه الحقوق: أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وصلاة الجمعة، والجماعة، والأذان، وملاحظة المساجد ونظافتها، وطهارة الأشخاص ونظافتهم خلال الصلاة.

ولا يقتصر عمَل المحتسِب على الأمور المفروضة فقط، وإنما يجوز له أن يأمر بأداء الأمور المندوبة عندما يجد تهاونًا في أدائها؛ ممّا يؤدِّي إلى أن تصبح عادة مألوفة، كتأخير الصلاة عن أوقاتها، وعندئذ يأمرهم بأدائها في أوقاتها؛ خوفًا من أن تصبح عادة مألوفة متوارثة, ممّا تضيع بها السُّنّة.

وإذا وُجد من امتهن سؤال الناس -أي: الشحاذة أو التّسوّل- أنكر عليه ذلك، وأدّبه وزجَره، إلا أن يكون محتاجًا وعاجزًا عن العمل، فعندئذ تكون نفقته في بيت المال؛ لأنه مسئول عن إعالة الفقراء والعجَزة.

كذلك يقوم المحتسِب بمنع الجهلة والدجالين من التصدي لموعظة الناس, وتعليمهم في المساجد وغيرها؛ خوفًا من أن يتصدّوْا للمسائل الشرعية فيحكموا بها أو فيها بغير علْم، فيضلّوا ويضلّوا.

ولا يجوز للمحتسِب أن يأمر الناس في الأحكام الاجتهادية بمقتضى رأيِه واجتهاده, إذا كان عملهم موافقًا لاجتهاد آخَر؛ لأن الناس أحرار بعمل ما يشاءون بشرط ألا يخالف عملُهم الأحكام المجمَع عليها أو المنصوص عليها, والتي تكون قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة.

الوظيفة الثانية: مراقبة الآداب العامّة:

وهذه أيضًا تدخل ضِمن حقوق الله، إلا أنها ممّا ترتبط بها مصالح المجتمع, وهذه الأمور أيضًا ممّا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعلى ذلك، إذا وجَد رجلًا يكلِّم امرأة في طريق خالٍ, بعيدًا عن أعين الناس، فلا يتصدّى له بالتأديب والزّجر، وإنما يعِظه ويوجِّهه؛ لأنّ وقوفه في مثل هذا المكان يدعو للريبة وسوء الظن.

ويدخل ضمن مخالفة الآداب العامة: التّسكّع في الطرقات المكتظّة بالناس، والأسواق المختصة بالنساء، وما في هذا المعنى.

كما يقوم المحتسِب بمراقبة الحمّامات العامّة؛ لئلا يكشف أحدٌ عورَته أو يتساهل فيها.

الوظيفة الثالثة: مراقبة الأسواق:

تدخل مراقبة الأسواق والموازين ضمن وظائف المحتسِب، فلا يسمح لأحد من الناس أن يعتدي على آخَر، كما لا يسمح له بالاعتداء على مصالح المجتمع.

يقول ابن القيم: “ويأمر والي الحسبة بالجمعة والجماعة، وأداء الأمانة، والصِّدق والنصح في الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة وتطفيف المكيال والميزان، والغش في الصناعات والبيعات. ويتفقّد أحوال المكاييل والموازين، وأحوال الصناع الذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرّم على الإطلاق؛ كآلات الملاهي وثياب الحرير للرجال. ويمنع من اتخاذ المُسكرات، ويمنع صاحب كلّ صنعة من الغش في صناعته, ويمنع من إفساد نقود الناس وتغييرها, ويمنع مِن جعْل النقود مُتَّجرًا؛ لأنه بذلك يُدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رءوس أموال يُتّجَر بها ولا يُتَّجر فيها. وإذا حرّم السلطان سِكّة أو نقدًا, منع من الاختلاط بما أذن في المعاملة به. ومعظم ولايته وقاعدتها الإنكار على هؤلاء الزّغلة -أي: الغشاشين- وأرباب الغش في المطاعم والمشارب والملابس وغيرها؛ فإن هؤلاء يفسدون مصالح الأمّة، والضرر بهم عام لا يمكن الاحتراز منه؛ فعليه ألا يُهمل أمرَهم، وأن يُنكّل بهم أمثالهم، ولا يرفع عنهم عقوبته؛ فإن البلية بهم عظيمة.

ويدخل في المنكَرات: ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرّمة، مثل: عقود الربا صريحًا واحتيالًا، وعقود الميْسر كعقود الضرر، وكحبل الحُبلى، والملامسة، والمنابذة، والنجش -وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها- وتصرية الدابة اللّبون -أي: حبس اللبن في الضرع حتى تبدو كثيرة الدَّرّ، وهذا نوع من التدليس أو الغش- وسائر أنواع التدليس. وصوره في أبواب البيوع كثيرة، في بيوع الغرر، أو البيع الفاسد، أو أكل أموال الناس بالباطل. فعلى والي الحسبة إنكار ذلك جميعه والنهي عنه، بل وعقوبة فاعله. ولا يتوقف ذلك عن دعوى ومدّعَى عليه؛ فإن ذلك من المنكرات التي يجب على وليّ الأمر إنكارها, والنهي عنها”.

ومراقبة المحتسِب للأسواق, تظهر فيما يأتي:

1. الأسواق:

قال السجزي في ذلك: “ينبغي أن تكون الأسواق في الارتفاع على ما وضعتْه الروم قديما، ويكون من جانبَي السوق إفريزان -يعني: طريقان أو ممرّان- يمشي عليهما الناس في زمن الشتاء, إذا لم يكن السوق مبلّطًا. ولا يجوز لأحد من السوقة إخراج مصطبة دكانه عن سمت أركان السقائف إلى الممرِّ الأصلي؛ لأنه عدوان على المارة, ويجب على المحتسِب إزالته والمنع من فعْله؛ لِما في ذلك من لحوق الضرر بالناس.

ويجعل لأهل كلِّ صنعة منهم سوقًا يختصّ بهم، وتعرف صناعتهم فيه؛ فإن ذلك لقصّادهم أرفق، ولصنّاعهم أنفق, ومن كانت صناعته تحتاج إلى وقود ونار كالخباز والطباخ والحداد، فالمستحب أن يبعد حوانيتهم عن العطّارين والبزازين؛ لعدم المجانسة بينهم وحصول الإضرار.

ولمّا لم تدخل الإحاطة بأفعال السوقة تحت وسْع المحتسِب، جاز له أن يجعل لأهل كلِّ صنعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم وتدليساتهم، مشهورًا بالثقة والأمانة، يكون مشرِفًا على أحوالهم ويُطالعه بأخبارهم”.

2. الطرقات العامة والأبنية:

قال السجزي: “وأمّا الطرقات ودروب المحلات، فلا يجوز لأحد إخراج جدار داره ولا دكّانه فيها إلى الممرّ المعهود، وكذلك كل ما فيه أذيّة وإضرار على السالكين، كالميازيب الظاهرة من الحيطان في زمن الشتاء، ومجاري الأوساخ الخارجة من الدّور في زمن الصيف إلى وسط الطريق.

بل يأمر المحتسِب أصحاب الميازيب أن يجعلوا عِوضها مسيلًا محفورًا في الحائط, مكلّسًا, أي: مدهونا بالكلس وهو: ما يُطلى به البناء، ولعلّه أن يكون أملسَ بالمحارة أو الأسمنت أو ما في حكمه؛ حتى يجري فيه الماء بدلًا من الميزاب أو المزراب، وهو: الماسورة التي يُصرف بها الماء من سطح بناء أو من موضع عال”.

3. الموازين:

حيث يجب على المحتسب أن ينظر في الموازين والمكاييل التي تختلف بين بلد وآخَر، وأن يُعايرها وفْق الوزن الصحيح والكيل الصحيح؛ لئلا يكون هناك بخس في الكيل أو الوزن.

قال ابن الأخوة: “أصح الموازين وضعًا: ما استوى جانباه، واعتدلت كفّتاه، وكان ثقب علاقته في وسط العمود, ويحدد الثقب، وتجعل المسمار فولاذًا حتى تكون سريعة الجريان, فمتى لم يفعل ذلك، كانت تسكن فتضرّ بالمشتري.

ويأمر أصحاب الموازين بمسْحها، وتنظيفها من الأدهان والأوساخ في كل ساعة؛ فإنه ربما تحمل شيئًا في خرمها، فيضرّ كما ذكرنا.

وينبغي إذا شرع في الوزن أن يسكن الميزان، ويضع فيها البضاعة من يده في الكفة قليلًا قليلًا، ولا يهمز بإبهامه؛ فإن ذلك كلّه بخس، فتكون موازين الباعة معلّقة, ولا يمكّن أحدًا من الباعة أن يزن بميزان الأرطال في يده.

وينبغي أن تتخذ الأرطال من حديد، ويعيّرها المحتسِب ويختم عليها بختم من عنده، ولا يتخذوها من الحجارة؛ لأنها إذا قرع بعضها ببعض فتنقض إذا دعت الحاجة إلى اتّخاذها؛ لقصور يده عن اتّخاذ الحديد، أمره المحتسِب بتجليدها ثم يختمها بعد العيار، ويجدّد النظر فيها بعد كلّ حين.

وينبغي للمحتسب أن يتفقّد عيار المثاقيل، والصنج، والأرطال، والحبات، على حين غفلة من أصحابها”.

4. المكاييل:

قال السجزي: “المكيال الصحيح: ما استوى أعلاه وأسفله في الفتح والسعة, من غير أن يكون محصرًا ولا أزور -أي: ضيّقا ولا مائلًا- ولا بعضه داخلًا وبعضه خارجًا, وإن كان في أسفله طوق من حديد، كان أحفظ له, وينبغي أن يشدّ بالمسامير؛ لئلا يصعد فيزيد أو ينزل فينقص, وأجود ما عيّرت به المكاييل الحبوب الصغار, التي لا تختلف في العادة.

وينبغي للمحتسب أن يجدّد النظر في المكاييل، ويراعي ما يطفّفون به المكيال؛ فإن منهم من يصبّ في أسفله الجبسين المدبّر -أي: الجبس وهو حجر رخو براق، إذا مزج بالماء ثم ترك فإنه يجف, وهو معروف عندنا بالجبس- فيلصق به لصقًا لا يكاد يعرف, ومنهم من يلصق في أسفله وجوانبه الكسب, ومنهم من يأخذ لبن التّين ويعجنه بالزيت حتى يصير في قوام المرهم، ثم يلصقه في داخل المكيال فلا يعرف. ولهم في مسك المكيال صناعة يحصل بها التطفيف، فلا يدع التجسس عليهم”.

الوظيفة الرابعة: مراقبة المحتسِب المصالحَ الجماعية, وحمايتها:

والمراد بالمصالح العامة أو المصالح الجماعية: هي المصالح التي ترتبط بها مصلحة المجتمع، ويقوم المحتسِب نيابة عن الأفراد بالدفاع عن مصالحهم، وحماية أموالهم وأعراضهم وأرواحهم، عن طريق منْع كلِّ من يُلحق الضرر بالناس من التصرف الضارّ؛ ولذلك قال سلفنا الصالح: “الضرر يُزال”.

ويتمثل هذا فيما يلي:

  1. مراقبة الأبنية العالية المُشرفة على بيوت الناس، فيمنع أصحابها من استعمالها فيما يُؤذي الآخَرين.تعمير الأبنية العامة؛ حيث يقوم المحتسِب بتكليف أصحاب المال -إذا كان بيت المال مُفلسًا- ببناء الأسوار العامة، أو إصلاح الأنهار التي تشرب منها البلد، أو إصلاح الطرقات التي ترتبط بها مصالح الناس، وغير ذلك.حماية العبيد من سادتهم -إن وُجدوا بطبيعة الحال- وذلك بعدم تكليفهم ما لا يُطيقون من الأعمال، والإنفاق عليهم بما يستحقّون.العناية بالحيوانات. وعلى ذلك، إذا وَجد المحتسِب مَن يحمِّل دابّته ما لا تطيق من الوزن، نهاه عن ذلك وزجره. وإذا وجد مَن قصّر في علف دابّته أو العناية بها، ألزمه بالعناية بها.منع المتسوِّلين. فإذا وَجد المحتسِب متسوِّلًا أو شحاذًا دون حاجة مُلِحّة للسؤال, منَعَه من ذلك؛ لأنّ هناك مَن يَستمرِئ هذه المسألة، حيث لا يجد فيها شيئًا من المشقّة أو التعب, وأهل الخير كُثر. فإذا كان هذا المتسوِّل قادرًا على العمل؛ شدّد المحتسِب عليه النكير، وألزمه بعمل يليق به، ويكفيه شرّ السؤال وتوابعه في الدنيا والآخرة. بل وللمحتسِب أيضًا أن يؤدِّبه على ذلك حتى يُقلع عن السؤال.حماية العمّال والمستأجرين. وعلى ذلك، إذا استأجر رجل أجيرًا؛ ليعمل له بأجر معيّن في فترة معيّنة، ثم مطله في حقه، أو ماطله في دفْع أجْره، أو كلّفه مزيدًا من العمل، أو كلّفه من العمل ما لا يطيق؛ فعندئذٍ يتدخّل المحتسِب لحماية العامل، ولأخذ حقّه له، ولحمايته من ظلم ربِّ العمل.المنع من إطالة الإمام للصلاة. وعلى ذلك، إذا تعوّد أحد الأئمة في المساجد على إطالة الصلاة، بحيث يعجز عنها الضعفاء، أنكر المحتسِب عليه ذلك. وإن أصرّ الإمام على إطالة الصلاة، قام المحتسِب باستبداله بغيره. وهنا نتذكّر قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لمّا كان يطيل في الصلاة، قال له: ((أفتّان أنت يا معاذ؟)).

السلطة التأديبية للمحتسب:

جميع صلاحيات ووظائف المحتسِب لا يمكن أن يكون لها أيّ تأثير, إذا لم يُمنح المحتسِب سلطة تأديبيّة, تُمكِّنه من معاقبة المذنِب بما يَمنعه من تَكرار الفعل المنهيّ عنه, ولذلك يقوم المحتسِب بتوظيف بعض الأعوان والخبراء لمساعدته في عمله؛ لأن كثيرًا من المخالفات لا يمكن معرفتها إلا عن طريق خبير بشئون كلّ صناعة من الصناعات.

ونستطيع أن نقول: إن وظيفة المحتسِب كاملة تشتمل على والي الحسبة، وهو الرئيس الأعلى لها، بالإضافة إلى موظّفين وخبراء يقومون نيابة عنه بالتفتيش عن جميع المخالفات التي تقع في البلَد الموكَل بالنظر فيها. وهذه السلطة قريبة جدًّا من بعض الصلاحيات الممنوحة في العصر الحديث لبعض الإدارات المختصّة بالتفتيش, في كلّ وزارة من الوزارات المختلفة.

error: النص محمي !!