Top
Image Alt

المحرمات تحريمًا مؤبدًا بالرضاع

  /  المحرمات تحريمًا مؤبدًا بالرضاع

المحرمات تحريمًا مؤبدًا بالرضاع

الرضاع لغة: الرضاع في اللغة: امتصاص الثدي، يُقال: أرضعته أمه؛ فارتضع فهي مرضع ومرضعة؛ فإن أريد مجرد الوصف بالإرضاع قيل: مرضع بغير الهاء، أي: لها ولدٌ ترضعه، وإن أريد أنها محل إرضاع بالفعل -أي: وصفها حال إرضاعها ولدها- قيل: مرضعة بالهاء، ومنه قول الحق سبحانه وتعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج: 2].

الرضاع في الاصطلاح: الرضاع في الاصطلاح: وصول لبن امرأة للجوف، وإن ميتة، أو صغيرة بوجور، أو سعوط، أو حقنة تكون غذاءً.

حكم الرضاع: نقصد بذلك إرضاع المرأة طفلًا أجنبيًّا عنها، أي: لم تلده هي، وقد اتفق فقهاء الصحابة والتابعين وكذلك فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب كلها حتى الشيعة والخوارج على أن المرأة إذا أرضعت ابن غيرها؛ فقد ثبتت صلة القرابة الرضاعية بينها وبين من أرضعته، وثبت تحريم الزواج بينهما، ويمتدُّ التحريم كذلك إلى أصول المرضعة وفروعها، وأصول زوجها وفروعه، على خلاف في ذلك ليس هنا مجال بسطه.

دليل التحريم: استدل الجميع على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع:

أولًا: الكتاب، قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23]،  فقد ذكر الله سبحانه وتعالى  المحرمات بقوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ}، إلى أن قال جل شأنه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}؛ حيث سوى في التحريم بين الأم من الرضاع والأخت من الرضاع، وبين الأم والأخت النسبيتين؛ كذلك سوى بين الأم والأخت من الرضاع وبين بنات الشخص وعمّاته وخالاته وبنت أخيه وبنات أخته؛ حيث ذكر الجميع عاطفًا إحداهن على الأخرى بواو العطف على قوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}، والمعروف أن العطف يقتضي التشريك في الحكم.

ثانيًا: السُّنة؛ منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة))، وقولهصلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم))، أي: من النسب؛ فقد ثبت التحريم في هذه الأحاديث كلها بالنص الصريح.

ثالثًا: الإجماع، فقد أجمع علماء الأمة وجمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم على ثبوت تحريم الزواج بسبب القرابة الرضاعية.

مقدار الرضاع المحرم:

اختلف الفقهاء في مقدار الرضاع الذي يثبت به التحريم؛ فذهب الحنفية والمالكية إلى أن التحريم بالرضاع يثبت بأي قدر منه قليلًا كان أو كثيرًا، حتى لو أخذ الرضيع من الثدي مصة واحدة؛ ثبت التحريم بذلك، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والمعقول؛ أما الكتاب فقوله سبحانه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23]، ووجه الدلالة: أن اللهسبحانه وتعالى  أثبت التحريم بالرضاعة هكذا على الإطلاق من غير تحديد، ولا تقييد بعدد معين، ولو أراد سبحانه التحديد بعدد معين لبينه؛ فتحمل الآية على إطلاقها، ويثبت التحريم بالمصة الواحدة.

وأما السنة، فقد روي عن عروة أن عائشة أخبرته: ((أن عمها من الرضاعة يُسمى أفلح استأذن عليها؛ فحجبته، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا تحتجبي منه؛ فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب))، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة))، وزاد مسلم في (صحيحه): ((ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم))، أي: من النسب؛ فقد أثبت صلى الله عليه وسلم التحريم بالرضاع هكذا على الإطلاق من غير تحديده، ولا تقييده.

وأما المعقول، فإن سبب التحريم بالرضاع هو أن الطّفل لما رضع من امرأة أجنبية غير أمّه، كان للبنها دخل في إنبات لحمه، ونشوز عظمه، مثلما كان لأمه، وهذه هي العلة في التحريم؛ لأن في الإرضاع شبهة من غير أن يكون الولد بعضًا ممن أرضعته؛ لأنه تغذى بلبنها الذي هو جزء من دمها ولحمها، وهذا يكون على إطلاقه بقليل اللبن وكثيره.

ومذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية: أن الرضاع المحرم يُشترط فيه أن يكون خمس رضعات فأكثر، فلا يثبت التحريم بأقل من ذلك، واستدلوا على ذلك بالسنة، فعن أم المؤمنين عائشة < قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرمن؛ ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يُقرأ من القرآن)).

الرأي الراجح: والذي يترجح من هذه المذاهب كلها هو المذهب الأول للحنفية والمالكية، وهو: أن التحريم يثبت بقليل الرضاع وكثيره؛ لإطلاقات الكتاب والسنة، كما علله الحنفية والمالكية.

مُدة الطفولة التي يثبت فيها التحريم:

اختلف جمهور الفقهاء في المدة الزمنية التي يثبت فيها التحريم بالإرضاع؛ فذهب المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية والزيدية أن المُدّة التي يثبت فيها التحريم بالرضاع هي العامان؛ فما كان بعد العامين؛ فإنه لا تأثير له، ويَصِحُّ الزواج بين الرضيع وبين من أرضعته وأصولها وفروعها.

وهذا هو مذهب الصاحبين أبي يوسف ومحمد الحنفيين، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة:

أولًا: الكتاب: قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، فالآية نص في أن مدة الرضاع هي العامان وقوله سبحانه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]،  فالآية دليل آخر على أن مدة الرضاع هي العامان حيث ذكرت مدة الحمل والفصال معًا؛ وهي ثلاثون شهرًا، ومدة الحَملِ أدناها ستة أشهر باتفاق الجميع؛ فيبقى للفصال الذي هو الفطام أربعة وعشرون شهرًا؛ فتكون هي مدة الرضاع المحرم.

ثانيًا: دليلُ الجمهور من السنة، أولًا: عن أم سلمة < قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام))، فقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما فتق الأمعاء في الثدي))، أي: في زمن الثدي، أي: زمن الرضاعة؛ يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث: ((وكان قبل الفطام))، ويدل على هذا بصريح لفظه ما يرويه ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)).

ومذهب الإمام أبي حنيفة: أن مدة الرضاع المحرم هي عامان ونصف العام، أي: ثلاثون شهرًا.

واستدل الإمام أبو حنيفة على ذلك بقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، يقول أبو حنيفة: قد ذكر الله سبحانه وتعالى  في الآية شيئين مختلفين الحمل والفصال معطوف أحدهما على الآخر بحرف العطف، وضرب لهما أجلًا واحدًا ومدة محدودة ثلاثون شهرًا؛ فكأن الله عز وجل يقول -والله أعلم: “وحمله ثلاثون شهرًا وفصاله ثلاثون شهرًا”، فتكون مدة الرضاع ثلاثون شهرًا.

الرأي الراجح: والذي يترجح هو رأي جمهور الفقهاء، وهو أن مدة الرضاع التي يثبت فيها التحريم هي العامان فقط لقوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، وقوله سبحانه: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14]، فكل من هاتين الآيتين نص صريح في محل النزاع لا يحتمل التأويل.

اختلاط لبن المرضعة بغيره:

قد تحلب المرأة لبنًا من ثديها، وتخلط بشيء آخر مثل الماء، أو الدواء، أو الطعام، أو تخلطه بلبن شاة، أو بهيمة وتعطيه لطفل أجنبي، وهذه قد اختلف جمهور الفقهاء في كل منها بين ثبوت التحريم بهذا اللبن المخلوط وعدم ثبوته، والذي أرجحه هو ثبوت التحريم في كل منها إذا كان اللبن غالبًا على الشيء المخلوط، أو مساويًا له أخذًا بالأحوط؛ لأن به يتحقق إنبات اللحم وإنشاز العظم، أما إذا خلط لبن المرأة بلبن امرأة أخرى، ثم أعطي للطفل؛ فإن الأمومة تثبت للمرأتين وتكون كل منهما أمًّا له في الرضاعة من باب الأخذ بالأحوط أيضًا من غير نظر إلى أي اللبنين أكثر؛ فلو كان لبن إحداهما كثيرًا، ولبن الأخرى قليلًا ثبتت أمومتهما له؛ حيث إننا قد رجحنا من قبل ثبوت التحريم بقليل الرضاع، كما هو مذهب الحنفية والمالكية.

الوجور والسعوط والحُقنة:

الوجور: هو إعطاء اللبن للطفل بصبه في حلقه، والسعوط: إعطاؤه له بصبه في أنفه، ويثبت التحريم بهما كما لو رضعه الطفل من الثدي مباشرة، وكذلك يثبت التحريم لو أعطي اللبن للطفل بالحقنة التي تكون للغذاء؛ لأن إنبات اللحم وإنشاز العظم يتحقق بهذه الثلاثة؛ فلهذا ثبت التحريم.

لبن الميتة:

اتفق الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية على أن لبن الميتة مُحَرّم كلبن الحية سواء بسواء، بمعنى أنه إذا ماتت امرأة بها لبن، ودب طفل رضيع إليها والتقم ثديها ورضعه؛ فهي أمه وبنتها أخته، وثبت التحريم بينهما.

error: النص محمي !!