Top
Image Alt

المذهب الإباضي

  /  المذهب الإباضي

المذهب الإباضي

الإباضية -كما قلنا- فرقة من فرق الخوارج، لكنهم أكثر فرق الخوارج اعتدالًا، وذلك لاعتدال مذهبهم وتسامحهم مع مخالفيهم، وسبب إلصاق تهمة الإباضية بالخوارج، كما قيل: هو سياسة الدولة الأموية في التشنيع على الإباضية، حتى ينفروا الناس من أصحاب المذهب الإباضي، الذين وجدوا منهم الصلابة في مواقفهم ضد الدولة الأموية، وقد تقبل كثير منهم هذا الإلصاق فأثبتوه في كتبهم بدون تمحص أو بحث عن الحقيقة.

وقد ظهر اسم الإباضية لأول مرة في المؤلفات الإباضية المغربية في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، ولكن يبدو أنهم مع مرور الزمن اصطلح مع مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوا به خاصة أنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسيء إلى سمعتهم.

والإباضية لهم في الماضي أمجاد، ولا يزالون كذلك في عصرنا الحاضر، فهم الذين خاضوا الحرب الباسلة ضد الإنجليز في عمان، دون أن يكل لهم عزم أو يفت في عضدهم إرهاب، وهم أول من دون الحديث في القرن الأول الهجري، ويعتبرون أنفسهم أنهم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقة.

ويرون أن القدوة الحسنة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا يحبون سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ويسمونه صاحب بدع، ويلعنون الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنكروا منه قبول التحكيم، ويعتبرون بيعته باطلة لمجرد قبوله التحكيم. أقول: أليس هذا وذاك كافيًا في أن يكون الإباضية خوارج! وقد كانت هذه قضية الخوارج الأساسية.

وأما نظرتهم إلى الإمامة، فهي على الجملة، كما رأى الخوارج أيضًا لا يشترطون في الإمام أن يكون قرشيًّا، إنما يكفي أن يكون ورعًا وتقيًّا وفاضلًا يحكم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يرون أن الإمام الذي ينحرف ينبغي خلعه وتولية غيره، وهم في ذلك كالخوارج أو المحكمة الأول.

ولقد بدأ الإباضية حركتهم السياسية في وقت متأخر؛ لأن عبد الله بن إباض خرج على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فوجه إليه عبد الله بن محمد بن عطية مقابلة في معركة تبالة، وهي بلدة بأرض تهامة في الطريق إلى صنعاء باليمن وهزمه وقتله. ومن هنا يمكن أن نفهم أن المذهب الإباضي نشأ في فترة متقدمة بالنسبة إلى غيره من المذاهب الإسلامية، هذا من حيث التاريخ، أما الطريقة التي نشأ بها، فهي لا تختلف عن غيرها من طرق نشأة بقية المذاهب، فهي عبارة عن إمام من أئمة المسلمين، وبالنسبة للإباضية هو أحد كبار التابعين، اجتمع عليه عدد من الناس وطلاب العلم والتزموا مجلسه، وأخذوا عنه ثم تفرقوا بعد التحصيل في البلاد، ووقف المتفوقون منهم موقف أساتذتهم، واتخذوا لنفسه أسلوبًا في السلوك والتدريس. ونقل عنه طلابه رواياته ورأيه، وقد كان كل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظه من آثار وآراء تكتسب مع مضي الزمن شيئًا من الاحترام، يبلغ درجة التقديس أحيانًا وتزداد هذه الصورة وتكبر مع الأيام.

وبعد؛ فهذه الصورة التقريبية التي نشأت عنها جميع المذاهب، وإن اختلفت أزمنة الأئمة، فمنهم من كان من الرعيل الأول من التابعين، ومنهم من كان تابعي التابعين، ومنهم من كان في الدرجة الثالثة، ومنهم من كان أبعد من ذلك بكثير.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه بالنسبة للإباضية، فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب الأذكياء، فمنهم من كان يأخذ عنه وعن غيره مثل قتادة وأيوب وابن دينار وحيان الأعرج وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من كان يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه كأبي عبيدة مسلم وضمام وأبي نوح الدهام والربيع بن حبيب وعبد الله بن إباض، ومن هؤلاء الطلاب أيضًا من كان يشتغل أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشئون العامة، ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحتها مع حكام الدولة الأموية في ميدان الكلمة دون استعمال السيف، كعبد الله بن إباض، ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمام كأبي عبيدة وأبي نوح صالح الدهام وقام بنفس الدور وتخصص فيه.

ولما كانت هذه الحركة في عنفوان بناء الدولة الأموية، وكانت سيوفها مسلطة على جميع الأمة والعلماء خوفًا منهم أن يجهروا بالإنكار عليها أو يدعوا الناس للخروج عنها، وكان جابر في مجالسه كزملائه حسن وسعيد وغيره من كبار التابعين، غير راضين عن الوضع، وكثيرًا ما يتناولونه بالنقد.

ومن هنا كانت السلطات السياسية بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدة، تضيق الزمام عليهم، وتحاول بكل وسيلة ألا تسمح بنقدهم أن يتسرب إلى الناس، وقد احتاطت الدولة الأموية لذلك من بداية الأمر، فنسبتهم إلى التطرف واعتبرتهم ضمن الخوارج، وكانت تهمة الخارجية تشبه ما يسمى اليوم بالعمالة أو الخيانة عملية ليس لها ضوابط، توجه بسهولة إلى كل من يراد التخلص منه أو الانتقام منه أو إيقاف نشاطه، وتستغل عند اللزوم.

ولذلك ولم يسلم منها الإمام جابر بن زيد، كما لم يسلم منها الإمام مالك بن أنس، وكان الغرض من إشاعة هذه التهمة هو إشعارهم بأنهم تحت المراقبة، وأن تبرير أي موقف يتخذ معه من السلطات هو موجود في أذهان الناس، ولا يحتاج إلا إلى تأكيد عملي من أجهزة الحكم.

ومن خلال ما تقدم يمكن أن نفهم أن نشأة المذهب من الناحية الفكرية والسلوكية كان كغيره أيضًا من المذاهب الإسلامية، فقد نشأ هذا المذهب نشأة إسلامية بأئمته وعلمائه، طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم، وقد بدأ جهوده العملية في خدمة الثقافة في الاتجاه الذي اختاره قبل، قبل أن تبدأ أكثر المذاهب الأخرى، ودونت له مؤلفات في الحديث والفقه، وقد كان أتباعه إلى يومنا هذا يرون أن المصدر الأساسي في الدين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه، إنما هو القرآن الكريم، وأن من أنكر شيئًا منه صورة أو آية أو حرفًا أو مشرك أو مرتد.

والمصدر الثاني هو السنة الصحيحة، وهي على درجات المتواتر منها قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل، وهي على درجات، المتواتر منها قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل، ومنكره كالمنكر للقرآن، والمشهور من السنة والمستفيض هو أضعف من المتواتر وأقوى من الآحاد، وهو يوجب العمل، اختلفوا هل حجته قطعية أم ظنية؟ على قولين.

والآحاد من السنة الظنية الدلالة يوجب العمل، والمرسل وإن كان أضعف من الآحاد إلا أنه يوجب العمل إذا كان لصحابي أو تابعي. ويرون أيضًا أن المصدر الثالث للدين الإسلامي هو الإجماع إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين، والخروج عنه فسق، وحجته قطعية ويرون أنه وقع إجماع بقسميه القولي والسكوتي وأنه من الممكن أن يقع في كل عصر، وينقل إلى الناس بالشروط المعتبرة.

كما يرون أن المصدر الرابع هو القياس على الأسس المعروفة في كتب الأصول، والمصدر الخامس للدين الإسلامي هو الاستدلال بأنواعه المختلفة، ويهتمون بالمصالح المرسلة اهتمامًا خاصًّا، وربما يكون الإباضية بالنسبة إلى اعتبار المصالح المرسلة في الدرجة الثانية بعد المالكية.

ومكان الإباضية في باب الفقه ربما كان في الشريحة التي تقع بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة، والحنفية من جهة أخرى، ورغم أن المذهب نشأ بالعراق إلا أنه لم يذهب مع الرأي المذهب الذي بلغه الحنفية والمعتزلة، ويكفي لإيضاح هذه النقطة أن تعرف أيها الباحث أن الفقه الإباضي يعتمد من حيث الأدلة بعد القرآن الكريم في مجال السنة على المتواتر أو المشهور أو المستفيض، وعلى الآحاد وعلى مرسل الصحابة والتابعين، وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث، ولو كان آحادًا أو مرسلًا للطبقة السابقة، ولا يرد الحديث الآحاد إلا إذا صادمه دليل قطعي، ويقولون بالقياس والاستصحاب والمصلحة المرسلة على التفاصيل والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب أصول الفقه.

error: النص محمي !!