Top
Image Alt

المذهب الثالث في حكم العمل بالحديث المرسل

  /  المذهب الثالث في حكم العمل بالحديث المرسل

المذهب الثالث في حكم العمل بالحديث المرسل

ذهب جماعة من الأئمة إلى قبول الحديث المرسل والعمل به في الأحكام فيما يتعلق بالحلال والحرام، والمعاملات، والأخلاق، والآداب، وغير ذلك، وأنه كالحديث المسند في وجوب العمل به. من هؤلاء الإمام أبو حنيفة والإمام مالك بن أنس في المشهور عنه، وجمهور أتباعهما، وجماعة من المحدثين، وجمهور الفقهاء، والإمام أحمد بن حنبل في رواية حكاها عنه الإمام النووي وابن القيم وابن كثير وغيرهم.

وذكر أبو داود أن الإمام أحمد كان يرى في المرسل رأي شيخه الشافعي، قال السخاوي: “قال أبو داود في رسالته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل: سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم في ذلك، وتابعه عليه أحمد وغيره، وقال ابن عبد البر -وهو مالكي المذهب-: وأصل مذهب مالك -رحمه الله- والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء”.

وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم يقبلون المرسل ولا يردُّونه إلا بما يردُّون به المسند من التأويل والاعتلال على أصولهم في ذلك، قال ابن عبد البر: “وزعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأتِ عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، قال ابن عبد البر: كأن الطبري يعني أن الشافعي أول من أبى من قبول المرسل”.

قال الإمام النووي: “ذهب ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء إلى وجوب الاحتجاج بالمرسل”، واستدلَّ أصحاب هذا المذهب بما يأتي قال الخطيب: “قال بعض من احتج بصحة المراسيل: لو كان حكم المتصل والمنقطع -يريد به المرسل- مختلفًا لبيَّنه علماء السلف، ولألزموا أنفسهم التحفظ من روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيَّنوا ذلك لأتباعهم”.

قال ابن عبد البر: “وقالت طائفة -أي: من المالكية- لسنا نقول: إن المرسل أولى من المسند، ولكنهما سواء في وجوب الحجة والاستعمال، واعتلُّوا بأن السلف رضي الله عنهم أرسلوا ووصلوا وأسندوا، فلم يعبْ واحد منهم على صاحبه شيئًا من ذلك، بل كل من أسند أرسل، ولو لم يكن ذلك كله عندهم دينًا وحقًّا ما اعتمدوا عليه؛ لأنا وجدنا التابعين إذا سُئلوا عن شيء من العلم وكان عندهم في ذلك شيء عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. وقال عمر كذا، ولو كان ذلك لا يوجب عملًا ولا يُعدّ علمًا عندهم لما قنع به العالم من نفسه، ولا رضي به منه السائل”.

وممن كان يذهب إلى هذا القول من أصحابنا -أي: المالكية-: أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري، وهو قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ثم ذكر قول ابن جرير الطبري سابق الذكر، غير أنه قال: وزعم الطبري.

الرّدّ على أصحاب هذا المذهب الثالث:

لقد ردَّ العلماء على أولئك الذين يحتجون بالحديث المرسل كاحتجاجهم بالحديث المتصل، وبيَّنوا أن الأئمة قبل الشافعي قد تكلموا في المراسيل وعابوا على من يرسل الحديث، ولم يلتفتوا إلى ما أرسلوه، ولقد بدأ ذلك في زمن الصحابة والتابعين، ولم ينتظر حتى مجيء الإمام الشافعي، بل بدأ البحث عن الإسناد وتمحيص الروايات في زمن مبكر. فهذا عبد الله بن عباس الصحابي الجليل يُعرض عن حديث بشير بن كعب العدوي التابعي الثقة، ويُنكر عليه لأنه أرسل الحديث، ولم يذكر من حدَّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق.

وهذا هو الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- يردّ على من يسوّي بين المرسل والمتصل، ويبين أن السلف قد ردوا المراسيل، وعابوا على من يرسل، فقال بعد أن ذكر ما استدلوا به لمذهبهم: “وهذا الكلام غير صحيح. ثم قال: فأما قوله: لو كان حكم المتصل والمنقطع مختلفًا؛ لبينه علماء السلف، ولألزموا أنفسهم التحفظ من رواية كل مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيَّنوا ذلك لأتباعهم، فإنا نقول: إنهم قد بيَّنوا اختلاف المتصل والمنقطع، ثم روى بإسناده عن عتبة بن أبي حكيم قال: جلس إسحاق بن أبي فروة إلى الزهري، فجعل يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الزهري: مالك -قاتلك الله- تحدث بأحاديث ليس لها أزمة”، وروى عن غير ابن شهاب شبيه بهذا المعنى.

ثم روى بإسناده عن مالك بن إسماعيل النهدي أنه قال: سمعت ابن المبارك يقول: طلب الإسناد المتصل من الدين. ثم قال: وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يختار الأحاديث الموقوفات عن الصحابة عن المرسلات عن النبي صلى الله عليه وسلم.

كما أن في هذه الآثار السابقة إبطال لقول أبي داود وابن جرير الطبري وغيرهما من الذين قالوا: إن أول من تكلم في المراسيل هو الإمام الشافعي المتوفى في سنة أربع ومائتين، بل هو مسبوق إلى ذلك؛ فلقد سبقه إلى ذمّ الإرسال كما رأيت عبد الله بن عباس الصحابي الجليل المتوفى في سنة ثمان وستين من الهجرة، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى في سنة خمس وعشرين ومائة، وعبد الله بن المبارك المتوفى في سنة إحدى وثمانين ومائة، كما سبق.

قال السخاوي: “وما أشعر به كلام أبي داود في أن الشافعي أول من ترك الاحتجاج بالمرسل، ليس على ظاهره، بل هو قول عبد الرحمن المهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وغير واحد قبل الشافعي، وبالجملة فالمشهور عن أهل الحديث خاصة القول بعدم صحة الاحتجاج بالحديث المرسل”.

ومحل الاحتجاج بالحديث المرسل واعتباره صحيحًا عند هؤلاء العلماء إذا كان مُرسِله ثقة، ولا يرسل إلا عن الثقات، فإن كان المرسل ضعيفا، أو عُرف أنه يرسل عن الضعفاء؛ فلا خلاف في ردِّ مرسله، وقد سبق قول الخطيب البغدادي وابن عبد البر في أن الذين احتجوا بالمراسيل شرطوا أن يكون المرسل ثقة، ولا يرسل إلا عن ثقة.

error: النص محمي !!