Top
Image Alt

المذهب الثاني للحنابلة

  /  المذهب الثاني للحنابلة

المذهب الثاني للحنابلة

ذهب الحنابلة في الحالات الـثلاث الأخيرة إلى القول بتوريث كل منهما أو منهم من الآخر أن يرث الموتى بعضهم بعضا لكن ذلك مشروط بعدم اختلاف ورثة هؤلاء الأموات وذلك بأن يدعي ورثة كل ميت تأخر موت مورثهم فإن قدم أحدهم بينة قاطعة عومل بها، أما إذا تعارضت البينات أو لم تكن هناك بينات على الإطلاق استحلف ورثة كل ميت على ما يدعونه، فإن حلف قوم وامتنع آخرين كان القول لمن حلف، فإن حلفوا جميعًا فلا توارث بينهم، وهذا قول جماعة من الصحابة منهم: عمر وعلي في رواية وشريح وإبراهيم النخعي والشعبي وحكي ذلك عن ابن مسعود -رضي الله عن الجميع.

هذا، وإرث كل ميت من الآخر يكون من تلاد ماله بكسر التاء أي القديم الذي مات وهو يملكه دون ما ورثه من الميت معه لئلا يدخله الدور؛ أي لئلا يرث الإنسان نفسه.

وجهة الحنابلة في هذا: أن حياة كل واحد من الموتى ثابتة بيقين والأصل بقاؤها إلى ما بعد موت الآخر قال الشعبي: وقع الطاعون بالشام عام عمواس، وجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم وكُتب في ذلك إلى عمر فأمر عمر أن ورثوا بعضهم من بعض، قال أحمد: أذهب إلى قول عمر. كما روي عن إياس المجني أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن قوم وقع عليهم بيت فقال: ((يرث بعضهم بعضا)).

الرأي الراجح: والذي أرى ترجيحه في توارث الغرقى والهدمى والحرقى ونحوهم بعضهم من بعض في الحالات الثلاث الأخيرة هو مذهب جمهور الفقهاء القائل بعدم التوارث فيما بينهم وذلك لقوة مستنده وسلامة توجيهه لما أحاط بواقع الموتى من الجهالة، فالعلم بمن مات منهم أولًا مجهول، والمجهول كالمعدوم في الأصول ومن ثم فلا وجه لأن يرث أحدهم صاحبه.

وأما الآثار التي استند إليها من يرى التوريث فهي: معارضة بمثلها فتتساقط ويجب الرجوع إلى الأصول الشرعية؛ ولأن توريث بعضهم من بعض يلزم عليه التناقض إذ مقتضى كون أحدهم وارثًا أنه متأخر ومقتضى كون موروث أنه متقدم، فيكون كل واحد متقدمًا متأخرًا وهذا هو التناقض بعينه، ولقد جاء في (المغني) لابن قدامة: لما توفيت أم كلثوم بنت علي هي وابنها زيد بن عمر والتقت الصيحتان في الطريق فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه، فلم يرثه ولم يرثها وأما أهل صفين وأهل الحرة لم يتوارثا ولأن شرط التوريث حياة الوارث بعد موت المورث وهو غير معلوم، ولا يثبت التوريث مع الشك في شرطه، ولأنه لم تعلم حياته حين موت مورثه فلم يرثه كالحمل إذا وضعته ميتًا، ولأن الأصل عدم التوريث فلا نثبته بالشك ولأن توريث كل واحد منهما خطأ يقينًا لأنه لا يخلو من أن يكون موتهما معا أو سبق أحدهم به وتوريث السابق بالموت والميت معه خطأ يقينًا، وهومخالف للإجماع. فكيف يعمل به؟

فإن قيل: ففي قطع التوريث قطع توريث المسبوق بالموت وهو خطأ أيضًا! قلنا: هذا غير متيقن لأنه يحتمل موتهما جميعًا فلا يكون فيهما مسبوق، وأما ما احتج به من يرى التوريث وهو ما روي عن إياس المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم وقع عليهم بيت فقال: ((يرث بعضهم بعضا)) فالصحيح أن هذا إنما عن إياس نفسه وإنه هو المسئول وليس برواية عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا رواه سعيد في سننه وحكاه الإمام أحمد عنه.

أمثلة تطبيقية على مذهب الحنابلة الذين يقولون بالتوريث:

زوج وزوجة وابنهم غرقوا جميعًا معًا وجُهل أيهم مات أولا أو علم ثم نسي أو علم لا بعينه ولم يختلف الورثة في السابق منهما موتًا وخلف الزوج زوجة أخرى وأمًّا وعمًّا شقيقًا أو لأب وخلفت الزوجة ابنا آخر من غيره وأب:

حل هذه المسألة: يكون بعمل ثلاث مسائل كل مسألة مستقلة عن الأخرى:

الأولى: بتقدير موت الزوج أولًا ومعرفة ورثته، والثانية: بتقدير موت الزوجة أولًا ومعرفة ورثتها والثالثة: بتقدير موت الابن أولا ومعرفة ورثته، ثم تمام العمل في كل مسألة حتى يتضح الأمر تفصيلًا.

المسألة الأولى: بتقدير موت الزوج

 أولًا: إذا اعتبرنا أن الزوج هو الذي مات أولًا فتكون ورثته هما زوجتان وأم وابن وعم مسألتهم من 24 للزوجتين الثمن 3 أسهم وللأم السدس 4 أسهم وللابن الباقي تعصيبًا 17 سهما ولا شيء للعم لحجبه بالابن، ولما كان نصيب الزوجتين 3 أسهم لا تنقسم عليهما فتصح المسألة بضرب عدد رءوسهما 2 في أصل المسألة 24 = 48 ومنها تصح ثم نضرب سهام كل وارث في عدد الرءوس ليخرج نصيبه صحيحًا دون كسر فيكون للزوجتين 3 × 2 = 6 ÷2 = 3 أسهم لكل زوجة وللأم 4 × 2 = 8 أسهم وللابن 17 × 2 = 34 سهما، فهذا مجموع ما صحت منه المسألة وهو 48.

ثم نقسّم نصيب الزوجة التي غرقت مع زوجها على ورثتها الأحياء فقط وهم أبوها وابنها الحي الذي هو من غير زوجها الذي غرق معها، ومسألتهم من 6 للأب السدس سهم واحد وللابن الباقي تعصيبًا وهو 5 أسهم وبين سهامها من مسألة الزوج وهي 3 ومسألتها وهي 6 موافقة بالثلث فنثبت وفق مسألتها 2 ثم نقسّم نصيب الابن الذي غرق مع أبيه على ورثته الأحياء فقط وهم جدته أم أبيه وأخوه لأمه وعم أبيه مسألتهم من 6 للجدة الثلث سهمًا وللأخ لأم السدس سهمًا، والباقي وهو 4 أسهم للعم تعصيبًا، وبين سهامه من مسألة أبيه وهي 24 ومسألته هو 6 توافق بالنصف فنثبت وفق مسألته وهو 3 وننظر بين هذا الوفق 3 وبين وفق مسألة الزوجة وهو 2 نجد بينهما تباينًا فنضرب أحدهم في الآخر هكذا 2 × 3= 6 نجعلها كجزء السهم نضربه في المسألة الأولى مسألة الزوج 48 = 288 وهي الجامعة للمسائل كلها.

ثم من له شيء من مسألة الزوج أخذه مضروبًا في جزء السهم 6 فللأم 8 × 6 = 48 ولزوجته الحية 3 × 6 = 18 ولزوجته التي غرقت معه مثلها 3 × 6 = 18 ثم نقسم سهام الزوجة الغارقة على ورثتها الأحياء وهم أبوها وابنها الحي، ولما كانت سهامها 18 ومسألتها 6 وبقسمة السهام على أصل المسألة يكون الناتج 3 كجزء السهم لها فلأبيها من مسألتها 1 × 3 = 3 ولابنها الحي من مسألتها 5 × 3 = 15 ثم نقسم سهام الابن الغارق مع أبويه على ورثته الأحياء وهم جدته أم أبيه وأخوه لأمه وعم أبيه وسهام هذا الابن من مسألة الزوج 34 في جزء سهمها 6 = 204 نقسم هذه السهام على مسألته 6 يحصل 34 تكون كجزء السهم لها تضرب به سهام ورثتها فللجدة 1 × 34 = 34 ولها لكونها أمًّا في المسألة الأولى 48 فيكون مجموع نصيب الأم 82 ولأخيه من أمه من مسألته 1 × 34 =34 وله من مسألة الزوجة لكونه ابنًا 15 فيكون مجموع نصيب الأخ لأم 49 ولعم الأب 4 × 34 = 136 وبتوزيع الجامعة على الورثة جميعًا تكون كالآتي:

الزوجة الحية 18 والأب 3 والأم 48 من ابنها بصفتها أم + 34 من ابن ابنها بصفتها جدة = 82 والابن الحي 15 من أمه بصفته ابنا + 34 من أخيه الغارق بصفته أخًا لأم = 49 والعم 136 فيكون المجموع 288 وهو الجامعة.

error: النص محمي !!