Top
Image Alt

المذهب الوضعي

  /  المذهب الوضعي

المذهب الوضعي

والمذهب الوضعي هو امتداد للمذهب التجريبي، الذي يرى أن تحميل الإنسان للحقائق الكونية، ومعرفته بها لا يكون إلا بالتجربة الحسية وحدها، ومعنى ذلك أن الحس المشاهد لا غيره هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية.
ففي العالم الحسي تكمن حقائق الأشياء، أما انتزاع المعرفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية، والبحث عن العلة في هذا المجال، فأمر يجب أن يرفض، ولهذا تكون كل نظرية أو كل فكرة عن وجود له طابع الحقيقة واليقين فيما وراء الحس نظرية أو فكرة مستحيلة.
هذا هو تقدير المذهب التجريبي للمصدر الذي تستقي منه الحقيقة، أما موقف هذا المذهب من العبارات على وجه العموم، فيرى أنها لا توجد ولا تنشئ معرفة للأشياء على حقيقتها، ولا عن خواصها التي لها؛ إذ هي بعيدة الصلة عن ذلك، ولهذا لا تقول إلا بما تحسه فقط، وبالشبه الذي يكون بين الأشياء ببعضها بعضًا.
وهذا المذهب عرف به في القرن الثامن عشر الفيلسوف الأسكتلندي “هيوم” أما عمل العقل في نظره فهو وقف على ما تأتي به هذه الحواس والتجارب، ليس له من عمل سوى أن يربط بين ما تأتي به هذه الحواس والتجارب، وهي المدركات الحسية أو صور المفردات في العالم الخارجي.
وقد يغير العقل في وضع هذه الصور في نفسه عن وضع أصولها في الخارج، وقد يوسع أو يقلل في الصور نفسها التي هي التجارب والمدركات المحسوسة، ولكنه على أي حال لا يخرج عن دائرتها، وبهذا العمل العقلي تنشأ الأفكار، ومن بينها في كرة الله، كما سنبينه عند الكلام على موقف المذهب الوضعي من الدين.
ثم من بعد “هيوم” تطور المذهب بعمل الفيلسوف الفرنسي “بايل” Bayle، في النصف الثاني من القرن السابع عشر، إذ قد رفض “بايل” التعليل العقلي للحقائق الدينية.
أي رفض أن يقوم من العقل دليل على وجود تلك الحقائق، وبالأخص على وجود الحقيقة الإلهية، ونال بهذا الرفض من كل معرفة تتجاوز المحسوس ولا تكمن فيه، وهي معارف الميتافيزيقا كلها.
ثم بعد أن نال من هذه المعارفطلب في الحياة الأخلاقية أن يحكم الإنسان العقل وحده، وبذلك ينكر الإيمان الديني، والذي يعتبره مناقضًا للعقل.
ولكن أي إيمان ديني أنكره “بايل”؟! إنه الإيمان بالتثليث، أي إيمان الكنيسة الكاثوليكية، وهو الإيمان الذي يؤسس عليه أن يجمع عيسى في طبيعته بين طبيعتي الإله والإنسان.
وقد أثر اتجاه “بايل” هذا ضد الميتافيزيقا، وضد الحقائق الدينية التي وراء العالم المحسوس على السواء، في التضييق على المعاني النظرية الصرفة، وبالتالي دفع إلى الحياة العملية الواقعية.
وكان أثر هذا الاتجاه في فرنسا أكثر منه في إنجلترا، وأصبح مفهوم العلم في المحيط الفرنسي إذ ذاك مقصورًا على التجربة الطبيعية والإنسانية، التي يجربها الإنسان في محيط الطبيعة دون الحقائق الدينية، والفلسفة الميتافيزيقية.
ولم يأخذ هذا المذهب التجريبي مكانه في تاريخ الفلسفة كمدرسة، إلا على عهد الفيلسوف الفرنسي “كونت” في القرن التاسع عشر، ومنذئذ عرف بالمذهب الوضعي ().
و”أوجست كونت” يعتبر إذن المؤسس الأول للفلسفة الوضعية، وهي الفلسفة التي لا تعتبر شيئًا ما حقيقيًّا وواقعيًّا، إلا ذلك الموضوع الوضعي كما تقدم بيانه، والذي جاء أثرًا لتجارب الحس، ويمكن مع اختباره بالحس.
والمذهب الوضعي الذي استخلصه “أوجست كونت” من المذهب التجريبي السابق عليه، يرى أن الفلسفة يجب أن تجتاز ثلاث مراحل، وتنتقل من مرحلة إلى أخرى، لكي تستقر في المرحلة الأخيرة.
يجب أن تمر في المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي يشرح فيها الإنسان الشيء الطبيعي، ويعلل وجوده ومظاهره من القوى الخارجة عن الطبيعة، وهي القوى الإلهية، أي من دائرة الدين.
وتنتقل الفلسفة إلى المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي يشرح فيها الإنسان الحياة الإنسانية وقوانينها وأغراضها، من عبارات نظرية تصويرية إنسانية، أي من دائرة الميتافيزقيا، أي من العقل النظري الخالص.
ثم تنتقل الفلسفة إلى المرحلة الثالثة، وهي المرحلة الوضعية أو الواقعية، والتي يقف فيها الإنسان على علاقات الظواهر بعضها ببعض، عن طريق الملاحظة والتجربة وحدها.
وفي هذه المرحلة الأخيرة يجب أن تستهلك الفلسفة، وينتهي وضعها في التوجيه، ويفنى أمرها في العلوم المختلفة التي تنشأ على أثرها، وتكون نتيجة التجارب وحدها.
ويتميز بلوغ الفكر المرحلة الوضعية من تطوره في ميدان من ميادين المعرفة بذلك التعبير الجذري، الذي يحدث في طريقة النظر إلى الظواهر، ولا شك في أن هذه الخاصية هي من أهم ما يميز المرحلة الوضعية.
والميزة الحقيقية للمعرفة الإنسانية في المرحلة الوضعية، تقوم على التقسيم المنظم لهذه المعارف إلى جملة من الاختصاصات، وفي المراحل التي سبقت المرحلة الوضعية، ثم تطور المعرفة الإنسانية لم يكن هناك أي تقسيم منظم للمعارف، فلقد كان مفكر واحد يمكن أن ندعوه فيلسوفًا يشتغل بكل المعارف.
لكن فيما بعد قد أصبح كل علم مستقلا بنفسه عند تحقيق شرطين: التراكم المعرفي الكمي والمحصل بصدد الموضوع، والتغيير الجذري في طريقة نظره إلى ذلك الموضوع، أي تطبيقه للطريقة الوضعية للدراسة.
إذن إن الفلسفة الوضعية، ليست شيئًا غريبًا عن الاختصاص العلمي، بل هي بعض منه، أي: إنها تستجيب لشرط التخصص العلمي في مظهريه المتعارضين، فالفلسفة الوضعية تعمل على الربط بين النتائج العلمية المحصلة في كل ميدان على حدة، وبين مجموع المعرفة العلمية.
ونجد بصدد مهمة الفلاسفة الوضعيين عددًا من التحديدات، أي: أن عليهم أن يحددوا روح كل علم من العلوم، وإليهم يرجع أمر اكتشاف العلاقات المتبادلة بين العلوم المختلفة.
وعليهم أن يلخصوا المبادئ الخاصة للعلوم في أقل عدد ممكن من المبادئ العامة، وإليهم يرجع أخيرًا أمر الربط بين كل اكتشاف علمي جزئي، وبين النسق العام للمعارف الوضعية.
ولقد مرت المعارف الإنسانية بمرحلتين وهما: المرحلة اللاهوتية، والمرحلة الميتافيزيقية، كما تقدمت الإشارة إليه، عبَرَ من خلالها العلماء والفلاسفة عن طبيعة تكوين النسيج الفكري والمعرفي، لكن فيما بعد أتى الفيلسوف وعالم الاجتماع “أوجست كونت” ليطور المرحلتين إلى مرحلة ثالثة وهي المرحلة الوضعية.
أي: المرحلة التي تربط العلم بالواقع الإنطلوجي، الذي يقوم على مبدأ البساطة والعمومية، أي ترتب تلك العلوم على حسب بساطتها بالنسبة لقراءة الظواهر، بالإضافة إلى ترتيبها وفق التطور الفكري للإنسان في التاريخ، ثم تصنيفها تبعًا لدقة كل علم على حدة، وتبعًا لإمكانية كل علم للتحليل الرياضي في دراسة ظواهره.
وعلى أساس هذا السياق التاريخي والمعرفي السابق، تم تقسيم العلوم على مجردة، موضوعها اكتشاف القوانين التي تحكم في مختلف فئات الظواهر، وعلوم وصفية جزئية يمكن أن تدعى أحيانًا بالعلوم الطبيعية.
وتتميز الطريقة الوضعية، بإضفاء الصفة النسبية على الظواهر المدروسة، فالانتقال من النظرة المطلقة للظواهر إلى النظرة النسبية لها، قد مثل دائمًا أحد الظواهر الأساسية للتطور، الذي ينقل أية معرفة من المرحلتين اللاهوتية والميتافيزيقية إلى المرحلة العلمية.
إذن يمكن أن نفهم مما سبق أن وضعيو الجيل الأول، يرون أن المسألة الأساسية في الفلسفة، كغيرها من المشكلات الجذرية ستبقى إلى الأبد دونما حل، وذلك بسبب ضعف العقل البشري وقصوره.
وهذا ما أدى إلى ظهور الوضعيين الجدد، أو ما يطلق عليه الوضعية المنطقية، أو الذرية المنطقية، أو التجريبية المنطقية، أو مدرسة التحليل المنطقي، وحلت هذه الوضعية كتيار عالمي جديد.
والغرب في هذه البحوث العقلية التوجيهية قد سلك فيها مسلكين:
الأول: مسلك المثاليين، أو المعنويين.
الثاني: مسلك الماديين، أو الوضعيين، أو الواقعيين، أو الاجتماعيين، أو المجددين.
ولكنه لم يسر -منذ عصر النهضة- في هذين المسلكين سيرًا متوازيًا، بل في الوقت الذي تطورت فيه حضارته الصناعية منذ النهضة الأوربية، وتطورت بحوثه الطبيعية البحتة والكيمائية على إثر ابتعاد العقلية الأوربية في بحثها عن مجال ما بعد الطبيعة، وتركيز نظرتها إلى الطبيعة تنفيذًا للخطة التي اشتركت فيها الكنيسة الغربية، في هذا الوقت ابتدأ الاتجاه المادي يسود في بحث العلوم العقلية والروحية، وابتدأت تغفل في بحث وسيلتها الخاصة، وهي الوسيلة النظرية أو العقلية الصرفة، وأصبح يطلب فيها ضمانًا لمعنى اليقين استخدام المنطق الوضعي، وهو منطق الملاحظة والتجربة.
وبرزت سيادة الاتجاه المادي في بحثها على عهد”أوجست كونت” الفيلسوف الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر كما تقدم، واشتد أمره على عهد “كارل ماركس” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صاحب المذهب الاجتماعي أو الشيوعي، أو صاحب المذهب المادي التاريخي. وبالتالي تخلف مسلك المثاليين، وضعفت قيمته في دائرة البحث العلمي، ونتيجة لذلك قل اعتبار البحث النظري الميتافيزيقي، ورمي بالخرافة، واستبعد الدين ووصف بأنه مخدر. وأخرجت القيم الأخلاقية المثالية من مجال تقدير الإنسان صاحب الحضارة الصناعية، وصاحب المذهب الواقعي، أو الاجتماعي في التوجيه الإنساني.
لازم إذن التقدم الصناعي الغربي، انتشار المذهب المادي في التوجيه، وفي بناء الثقافة الغربية الحديثة،، واتخذ هذا المذهب من الحضارة الصناعية الغربية حجة له وسندًا في قيامه وسعة نفوذه، ويعتبر القرن التاسع عشر المسرح الزمني لسيادته كما ذكرنا. Augut Comte -وهو من عمد هذا المذهب- يرى أن العقل الإنساني يمر في تاريخ الإنسانية بثلاث مراحل: مرحلة الدين، ومرحلة الميتافيزيقيا، وأخيرًا المرحلة الوضعية أو الواقعية، كما تقدم.
ويرى أن المتحكم في المرحلة الأولى رجل الدين ورجل الحرب، وفي الثانية الفيلسوف والقانوني، وفي الثالثة العالم الطبيعي ورجل الصناعة. ولأن الفرد في نظره هو الحقيقة الأولى، التي يجب أن تبتدئ منها الحياة العملية، والشعور الجماعي هو الغاية الأخيرة للحياة، يرى “كونت” أن العلوم التي يجب أن تكون الثقافة هي: علوم الرياضة، الفلك، الطبيعة، الكيمياء، علم الأحياء، علم الاجتماع. وهو العلم الذي يجب أن تتركز فيه الأهمية، إذ إنه علم الحقائق والقوانين المتعلقة بالجماعة الإنسانية، وهدفه تنظيم الحياة الإنسانية كلها، تنظيم الجماعة الإنسانية تنظيمًا يتطور فيها حال الحرب إلى حال الصناعة. وحال الحيوانية إلى حال الإنسانية، وحال الغريزة العمياء إلى حال سيادة العقل، وحال الأنانية إلى الشعور الجماعي.
وهذه العلوم التي يراها أساس الثقافة في حاجة؛ لكي تتطور هذه الأحوال بسرعة إلى دين الإنسانية، وهو الدّين الطبيعي الذي يجب أن يكون موضوعه الإنسانية نفسها، وهي الطبيعة الكبرى. وقوام هذا الدين: المحبة كمبدأ، والنظام كأساس، والتقدم كهدف وغاية، والإنسان بدلًا من أن يعبد الله يجب أن يتجه في عبادته إلى الطبيعة الكبرى وهي الإنسانية. أما البحث الإلهي الديني، وأما البحث الفلسفي الميتافيزيقي، فكلاهما في رأي “كونت” عديم الجدوى. الدين والفلسفة ما بعد الطبيعة خرافة يجب أن يبعدا عن دائرة الثقافة.
والفرد إذن تبعًا لهذا المذهب هو الأمر الواقع، هو الحقيقة الوضعية، ولذا يجب أن تتجه النظرة الباحثة إليه أولًا، ثم من هذا الفرد يحدث الترقي والتطور، ويحدث تحديد المصير لحياة الجماعة كلها. الفرد أولًا، والجماعة ثانيًا، هما الحقيقتان الموجودتان، وإحداهما مبدأ والأخرى غاية، تلك نظرة المذهب الواقعي أو الاتجاه المادي. هذا على عكس الدين تمامًا: إذ في الدين يبدأ تحديد المصير للكون كله من الله -تبارك وتعالى- ثم إليه تعالى ينتهي هذا الكون، فالله في الدين هو الأول والآخر، والفرد والجماعة الإنسانية تتلقى التوجيه من الوحي السماوي. وتوجيه البشر قاطبةً في نظر الدين إذن توجيه تلقائي، وليس منبثقًا مما يسمى الحقيقة الأولى المشاهدة في هذا العالم، وهي الإنسان الفرد كما يقول الإنسان المادي.
والمذهب المادي والدين طرفان متقابلان تمامًا في النظرة إلى الوجود، وفي توجيه الإنسان فردًا وجماعة: ذلك يقصر الحقيقة على الفرد والجماعة، وينكر ما عداهما كمصدر للتوجيه وغاية للحياة. وهذا يؤمن بموجود أسمى وراء الفرد والجماعة وهو الله، منه التوجيه، وفيه تتحقق الغاية الأخيرة للحياة الإنسانية والوجود الإنساني. والمذهب المادي في تطوره -وهو المذهب الواقعي أو الوضعي-، أو مذهب التفسير المادي للتاريخ، صار إلى المذهب الاجتماعي أو المذهب الشيوعي: وقوام هذا المذهب نقل قيمة الفرد كلية من ذاته إلى وحدة الجماعة الكبيرة. أو ما يسمى بالإنسان العام، أو الإنسان التعاوني، والدولة المطلقة هي المبدأ الأخير للحياة كلها، وتطبيقًا لهذين الأساسين يجب تأميم مصادر الإنتاج والاستهلاك في دائرة الاقتصاد.
وكان المذهب الشيوعي تطورًا للمذهب المادي أو الواقعي، لأنه من حيث المبدأ يعترف بالفرد والجماعة فقط كحقيقته في هذا الوجود، وينكر ما عداهما: لا يؤمن بالله كما يقول الدين، ولا يعترف بالعلة الأولى فيما بعد الطبيعة كما تقول الفلسفة الميتافيزيقية. ولكنه مع مشاركته للمذهب الواقعي في الاعتراف بهاتين الحقيقتين يبالغ في قيمة الجماعة فيجعلها كل شيء، والفرد لذلك لا ترى حقيقته، ولا تقدر قيمته إلا داخل الجماعة، ومن هنا قد يعنون له بالمذهب الاجتماعي.
و”كارل ماركس” صاحب المذهب الاجتماعي أو الشيوعي، يصدر في فلسفته عن الفهم المادي للتاريخ، ويعتبر الاقتصاد الأساس المحدد لكل شيء، والمغير للعالم وما فيه، حتى الثقافة العقلية والروحية: فتطور العقل الإنساني وآثاره الإيجابية في الدولة والقانون تتصل في نظر “ماركس” اتصالًا وثيقًا بالظروف المادية للحياة وأحوالها. ثم طريقة الإنتاج في الحياة المادية تؤثر في مجرى الحياة السياسية والاجتماعية والعقلية، والوجود الاجتماعي للإنسان هو الذي يحدد في الجملة لذلك عقل الإنسان وتكوينه.
وهناك أيضًا صور أخرى للتيار المادي في التوجيه، ظهرت أيضًا في القرن التاسع عشر، ولكن عنفها ضد الدين وضد الفلسفة الميتافيزيقية لم يبلغ مبلغ المذهب الاجتماعي أو الشيوعي لـ “كارل ماركس” ومع ذلك فهي مناوئة لهما. منها مذهب النسبية Relativismus، الذي يرى أن الحقيقة ليست مطلقة، بل مرتبطة أيضًا ارتباطا بصفة الآلة المفكرة وظروفها التي تفكر فيها. وصورة أخرى تتمثل في مذهب البراجماتزم Pragmatisnus، مأخوذ من كلمة براجما الإغريقية، وهي الشيء الواقع، أو المصلحة المتبادلة لمؤسسه الفيلسوف الأمريكي “وليم جيمس” في آخر القرن التاسع عشر.
وفي رأي هذا المذهب أن الحقيقة التي تخدم المصلحة الخاصة والحق كذلك، ليس قيمة من القيم في ذاته، والخير ليس من القيم الرفيعة المطلقة، بل الذي يحقق المصلحة الخاصة هو الحق، وهو الخير أيضًا. وممن عني بالاتجاه المادي من فلاسفة الإنجليز: “هيوم” و”ميل” و”إسبنسر” و”راسل”. وهذا الاتجاه يرجع في أصله إلى الفيلسوف الإغريقي “بروتاجوارس” في الفلسفة القديمة. ولسنا الآن بحاجة إلى الرد على هذا المذهب من وجهة نظر علماء آخرين، ومدارس توجيهية أخرى لها حظها في الثقافة الغربية الحديثة، إذ لم يكد ينتهي القرن التاسع عشر، الذي تسلم من عصر النهضة الأوربية الدعائم الجديدة لهذا المذهب المادي في التوجيه.
وتسلم كذلك أنصاف الحلول في المشاكل العقلية، لم يكد ينتهي هذا القرن حتى قامت فيه بعض المدارس المقابلة الأخرى؛ لترد إلى الدين اعتباره، وإلى الفلسفة الميتافيزيقية اعتبارها، فنجد “اسبرانجر” يكافح مذهب النسبية بما وضعه من علم سماه علم القيم أو الطبائع، وانتصر بذلك لمذهب المطلق المقابل لهذا المذهب. واشترك مع “قيلهلم ديلتاي” في محاولة إزالة الفجوة بين العقل والوحي، أو بين العلم والدين، وأبعدا في محاولتهما استخدام طريقة البحث الطبيعي في الموضوعات العقلية والدينية، وأعادا إليها طريقة البحث العقلي، وهي النظر الخالص.
كما نجد الفيلسوف الألماني في القرن العشرين و”ماكس شيلير” قد حاولا أن يجعلا الفلسفة تبتدئ من التجارب النفسية؛ لتصل إلى المعرفة الميتافيزيقية. وهذه المحاولة وتلك نقض لاتجاه المذهب المادي الذي ساد في القرن التاسع عشر، وتكون على أثر تقدم البحث الطبيعي في عصر النهضة الأوربية نتيجة استخدام وسيلة هذا البحث، وهي الملاحظة والتجربة الآلية في البحوث الروحية والعقلية.
وإذا كان لنا أن نذكر أحداثًا مادية تعقيبًا على الآثار السلبية للمذهب المادي في الحياة الغربية خاصة، والإنسانية على وجه العموم. فنشير فقط إلى أن الديمقراطية الغربية -وهي صاحبة الكفة الراجحة في الحضارة الصناعية الحديثة- ترى في هذا الاتجاه المادي خطرًا على الإنسانية، وتراثها من المدنية والثقافة، وأصبح شعورها بهذا الخطر يزداد يومًا بعد يوم. كما نشير إلى أن سيطرة رجل الصناعة والعالم الطبيعي أو الاجتماعي، التي نشدها “أوجست كونت” في فلسفته الواقعية هي التي سببت الحرب العالمية الأولى وكذا الثانية.
وإن دلت هاتان الحربان على شيء وراءهما، فليس على المحبة كمبدأ، ولا النظام كأساس، كما طلب “كونت” في دينه الذي سماه بالدين الطبيعي، وجعله الوسيلة لتحقيق الجماعة المنشودة، بجانب قصر الثقافة على مواد معينة، ليس من بينها الدين، والفلسفة الميتافيزيقية. هاتان الحربان نعم كان وراءهما تكتل عالمي تجاوز حدود القوميات، ولكنه تكتل لم تتحول فيه الحيوانية إلى الإنسانية، والغريزة العمياء إلى العقل السائد، والأنانية إلى الشعور الإنساني الجماعي. على نحو ما انتظر “أوجست كونت” يوم يكون لرجل الصناعة وللعالم الكلمة الأولى في التوجيه، دون رجل الدين ورجل الجيش، ودون القانوني والفيلسوف، وقد كانت سيادتهما السبب المباشر المختفي وراء قيامهما.
كما أن إفناء الفرد في الجماعة، وجعل الجماعة بمعناها الواسع الغاية الأخيرة في الحياة، كما يرى ذلك المذهب الوضعي أو الشيوعي هو الذي يهدد الغرب الآن في حضارته الصناعية، وفي تراثه التاريخي من الثقافة الروحية والإنسانية. وهو الذي يحمل الغرب كذلك على أن يباشر في سياسته الدعوة إلى الروحية، كوقاية من الآثار السلبية لهذا المذهب المادي.
ولكن بالرغم من مناوأة بعض العلماء المثاليين أو الروحيين، وبالرغم من وضوح الآثار السلبية لهذا المذهب في الحياة الإنسانية، بالرغم من ذلك لم يزل هذا المذهب مقترنًا في التصور بالحضارة الصناعية الغربية، والبحوث الطبيعية البحتة. وهذا الاقتران نفسه هو سبب الاختلاف في تقدير الحضارة الصناعية الغربية، وسبب التردد في الأخذ بها عند كثير من علماء الشرق الإسلامي، وقادتهم في التوجيه.
وفي الوقت نفسه من وجهة نظر أخرى: هذا الاقتران في التصور بين التيار المادي في التوجيه والحضارة الغربية الصناعية، أوحى لبعض كتاب الشرق وعلمائه بأن يضغطوا على الثقافة الإسلامية الأصيلة، وعلى التوجيه الروحي عامة في الشرق. لأنهم ظنوا -نتيجة لهذا الاقتران في التصور- أن الشرق سوف لا يقبل الحضارة الصناعية الغربية، إلا إذا ألغى اعتبار التوجيه الروحي، وأخذ بوجهة نظر المذاهب المادية، وعلى الأقل في صورة المذهب الوضعي أو الواقعي لـ “أوجست كونت”، أو في صورة مذهب البراجماتزم لـ “وليم جيمس” كما سيأتي تفصيله.
وأصبحنا نجد في المكتبة العربية المعاصرة: المنطق الوضعي وخرافة الميتافيزيقيا لبعض أساتذة الجامعة في مصر، كما أصبحنا نسمع في المؤتمرات، التي استهدفت تحديد معالم الثقافة الضرورية للمواطن الشرقي صيحات تطالب بإبعاد الدين، وما يتصل به من ثقافة من محيط الثقافة الضرورية للمواطن في الشرق الأدنى. على نحو ما حدث في المؤتمر الثقافي العربي الثاني، الذي عقد بمدينة الإسكندرية في 21 أغسطس سنة ألف وتسعمائة وخمسين، عند عرض مقررات اللجنة الثقافية على المؤتمرين من مصر والبلاد العربية.
وما زال بعض الكتاب في الصحف والدوريات يوالي نشاطه في تضخيم الهوة بين الثقافة الإسلامية من جانب، والحضارة الصناعية الغربية من جانب آخر، وينعت هذه الثقافة بأنها العقبة في تحضير الشعوب الشرقية على نحو ما في الغرب. وللغرب -بجانب الحضارة الصناعية، والبحوث الطبيعية البحتة، والتوجيه المادي في مجال الثقافة- لون آخر من الثقافة ليس ماديًا في الأساس والنشأة، ولكنه مادي في الغاية والهدف. وهو الدراسات الاستعمارية، التي تتناول مخصصات الشعوب الضعيفة ومقوماتها من التراث العقلي والروحي والفني، وأقصد بالشعوب الضعيفة الشعوب، التي ليست لها حضارة صناعية حديثة تساير حضارة الغرب الحالية.
إن كثيرًا من علماء الغرب يتناول ثقافة الشرق العقلية والروحية والفنية بالشرح، والتخريج بناءً على فكرة سابقة لديهم: وهي أن الشرق يجب أن يبقى في وضعه من الغرب. الغرب سيد والشرق مسود، وذلك تحقيقًا لغاية اقتصادية أو صليبية، وتطبيقًا لهذه الفكرة تصبح ثقافة الشرق إذا استوردت من الغرب مصدر ضعف للشرقيين أنفسهم، لا مصدر قوة لهم، وتبعًا لذلك توحي لهم بالحاجة إلى الغرب في التوجيه، وبوصايته عليهم فيما يأخذون ويتركون.
ولم تزل ترن في أذهاننا للآن كلمة أحد المستشرقين في المؤتمر الثقافي الإسلامي، الذي عقد بجامعة “برينستون” بـ “نيوجرسي” في سبتمبر عام 1953 عند ما ذكر: أن المسلمين قاموا بدور إيجابي في تصحيح الحديث يسجله لهم تاريخ الثقافة الإنسانية بالفخار، ويرجى من معاصريهم الآن أن يقوموا بتصفية القرآن، وإزالة التناقض فيه كما ادعى. ومن اطلع على توجيهات المستشرقين في بحوثهم في دائرة الثقافة الإسلامية، يجد كثيرًا من توجيهاتهم تقوم على الغرض، وفي بعض الأحيان على نقص في استيعاب الفكرة، أو على الفهم اللغوي الحر في بعض النصوص العربية.
وبعض المعاصرين منهم يطالب باستخدام الطريقة العلمية -وهي وسيلة البحث الطبيعي- في التراث الإسلامي الروحي، بدعوى أن التاريخ الإسلامي نفسه، وكذا بعض الحقائق الإسلامية في حاجة إلى تنظيم علمي ومراجعة علمية، كي تساهم في خدمة الإنسانية عامة. ونلخص الآن إلى أن في الغرب:
‌أ. حضارة صناعية، ومقدماتها من البحوث الطبيعية المحايدة.
‌ب. وتوجيها ماديًّا عنيفًا في الثقافة العربية، بجانب توجيه آخر هزيل بالقياس إلى مجاوره في قوة السلطان، وبسط السيطرة هو التوجيه المثالي أو الروحي.
‌ج. توجيهًا استعماريًّا فيما يسمى بالدراسات الإسلامية، أو دراسات الاستشراق على العموم هناك.

error: النص محمي !!