Top
Image Alt

المراد بالاستثناء في الإيمان، وبيان مذهب السلف في ذلك

  /  المراد بالاستثناء في الإيمان، وبيان مذهب السلف في ذلك

المراد بالاستثناء في الإيمان، وبيان مذهب السلف في ذلك

المراد بالاستثناء في الإيمان أن يقول العبد: أنا مؤمن إن شاء الله، أو أرجو أن أكون مؤمنًا إن شاء الله، يقول ذلك حين يسأل هل أنت مؤمن؟

ولهذه المسألة -وهي الاستثناء في الإيمان- عَلاقة وطيدة بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن من كان مذهبه أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله يتفاضلون فيه ويتفاوتون يرى الاستثناء في الإيمان على اعتبار أنه لا يقطع بتكميل الإيمان، والإتيان به كما ينبغي علي الدرجة العالية المطلوبة، بخلاف من يرى أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وأن أهله فيه سواء لا تفاوت بينهم، فصاحب هذا القول يرى عدم جواز الاستثناء في الإيمان ويقطع بإيمانه، بل إنَّهُ يعد من ذهب إلى القول بجواز الاستثناء في الإيمان شاكًّا في إيمانه ومَذبذبًا؛ ولذلك ذهب أهل البدع إلى إطلاق لقب الشكاكة على أهل السنة؛ لأنهم يقولون بجواز الاستثناء في الإيمان بلا شك، لكن أهل البدع سموهم بذلك؛ لأن أهل السنة يقولون بجواز الاستثناء.

إذًا فصيغة الاستثناء في الإيمان أن يقول المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، يرد بذلك على مَنْ سأله هل أنت مؤمن؟ كما يجوز للمرء أن يستثني في الإيمان بصيغةٍ أخرى تؤدي الغرض، وهي من الصيغ التي وردت عن السلف في جواز الاستثناء في الإيمان، وهي قول المرء: أرجو أن أكون مؤمنًا، أو مؤمنًا أرجو، حينما يسأله أحد بقوله: هل أنت مؤمن؟

قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان قول والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكونَ قد فَرَّطْنَا في العمل؛ فيعجبني أن يستثنيالمرء في الإيمان، نقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى.

وعن عبد الملك الميموني: أنه سأل أبا عبد الله عن الاستثناء؛ فأجاب أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومؤمن أرجو؛ لأنه لا يدري كيف أداؤه للأعمال على ما افترض عليه أم لا، وفي رواية يوسف بن موسى، قال: سئِلَ الإمام أحمد عن الرجل يقال له: أمؤمن أنت؟ قال: سؤاله إياك بدعة، يقول: إن شاء الله.

وعن أحمد بن الحسين: أنه سأل أبا عبد الله يقول لي: أنت مؤمن؟ فقال: سؤاله إياك بدعة، وقال: أنا مؤمن أرجو، قلت: أقول: إن شاء الله، قال: إن قلت: إن شاء الله أرجو.

بيان مذهب السلف في الاستثناء في الإيمان:

اختلف الناس في مسألة الاستثناء في الإيمان؛ فذهب أهل السنة والجماعة إلى جواز الاستثناء في الإيمان بأدلة يريدونها، وهناك أقوال مخالفة سوف نعرض لها.

إذًا المذهب الحق والرأي الراجح: هو مذهب السلف -رحمهم الله تعالى- في جواز الاستثناء في الإيمان، وأنه مشروع، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة؛ لأن الإيمان عندهم شامل للاعتقادات والأقوال والأعمال؛ فإذا سئل أحدهم هل أنت مؤمن؟ أجاب قائلًا: أنا مؤمن إن شاء الله، أو قال: أرجو أن أكون مؤمنًا، والسبب في هذا الاستثناء عندهم مخافة عدم تكميل الأعمال المطلوبة التي بكمالها يكمل الإيمان وليس هذا من قبيل الشك في إيمانهم بالله تعالى، كما زعم ذلك أهل البدع؛ فهم أعلى وأرفع من ذلك، وإنما جوزوا هذا الاستثناء؛ مخافةَ تزكية النفس والشهادة لها بتكميل الأعمال.

يقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: ومن ثمرات هذا الاختلاف -يقصد الفرق بين الإسلام والإيمان- مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول -أي: الرجل-: أنا مؤمن إن شاء الله، والناس فيه على ثلاثة أقوال؛ طرفان ووسط، منهم من يوجِبُه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال… إلى أن قال: وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها؛ فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه مُنِعَ من الاستثناء، وهذا مما لا خلافَ فيه، وإن أراد انه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله{إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ}(2) {الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(3) {أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2- 4].

وفي قوله تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} [الحجرات: 15] فالاستثناء حينئذٍ جائز، وكذلك من استثنى، وأراد عدم علمِهِ بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقًا للأمر بمشيئةِ الله لَا شاكًّا في إيمانه، وهذا القول في القوة كما ترى. انتهى كلامه -رحمه الله.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وأما مذهب سلفِ أصحابِ الحديث كابن مسعود، وأصحابه، والثوري، وابن عيينة،وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهلِ البصرة، وأحمد بن حنبل، وغيرهِ من أئمَّةِ السنة؛ فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواترٌ عنْهُم، لكن ليسَ في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجلِ الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء، إنما هو؛ لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات؛ فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه، وهو تزكية لأنفسهم بلا علم.

وأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري، وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول أصحاب الحديث.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: الاستثناء في الإيمان سنة عند أصحابنا، وأكثر أهل السنة. انتهى كلامه.

وقال -رحمه الله- أيضًا: والمأخذ الثاني في الاستثناء: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها؛ فإذا قال الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وتركِ كلِّ ما نهوا عنه فيكونوا من أولياءِ الله، وهذا من تزكيةِ الإنسان لنفسِهِ، وشهادتِهِ لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحةً؛ لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنةِ إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة، إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر.  انتهى كلامه.

والأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على جواز الاستثناء في الإيمان كثيرة في الكتاب والسنة، وآثار السلف الصالح، وأقوال الأئمة والعلماء، ومنها قوله تعالى: {وَلاَ تَقْولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً}(23) {إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ} [الكهف: 23].

وقوله تعالى: {لّقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] وقوله تعالى: {فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ} [النجم: 32]. وقوله تعالى: {وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنّهُمْ إِلَىَ رَبّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60].

وكان النبي يدعو لأموات المسلمين إذا دخل المقبرة بقوله: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((وعليها نبعث إن شاء الله)) يعني: من القبر، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إني لأرجو أن أكونَ أخشاكُم لله)).

فأنتم ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا كله؛ تقويةً للاستثناء في الإيمان، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “مَن شهد على نفسه أنه مؤمن؛ فليشهد أنه في الجنة”، وقال رجل عند ابن مسعود رضي الله عنه: “أنا مؤمن، فقال ابن مسعود: أفأنت في الجنة؟ فقال: أرجو؛ فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى”.

وفي كتاب (السنة) للخلال أن الإمام أحمد استدل على جواز الاستثناء في الإيمان بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((إني اختبأت دعوتي، وهي نائلةٌ إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئًا)).

وقال الإمام أحمد -رحمه الله- عندما سأله رجل عن الاستثناء في الإيمان فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى الشرك مخافة،واحتياطًا للعمل.

وقال أبو داود: سمعتُ أحمَدَ قال: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ فقال الرجل: بلى، قال: فجئنا بالقول، قال: نعم، قال: فجئنا بالعمل، قال: لا، قال: فكيف تعيب أن نقول: إن شاء الله، ونستثني”.

وقال الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو يعني: الأوزاعي- ومالك بن أنسوسعيد بن عبد العزيز لا ينكرون أن يقول: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن أقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان -رحمه الله-: ما أدركت أحدًا من أصحابنا، ولا بلغنا إلا على الاستثناء

وذكر الإمام الآجري -رحمه الله- نحو ما تقدم،ثم قال: هذا طريق الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان عندهم أن الاستثناء في الأعمال لا يكون في القول والتصديق في القلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام لكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء قبلنا.

وأنقل ما نظمه السفاريني -رحمه الله- في لوامعهمختصرًا مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، حيث يقول:

ونحن في إيماننا نستثني

*من غير شك فاستمع واستبني

ثم قال -رحمه الله-: واعلم أن الناس في ذلك على ثلاثة أقوال؛ منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم مَن يجوز الأمرين باعتباريين، وهذا الأخير أصح الأقوال. انتهى كلامه.

error: النص محمي !!