Top
Image Alt

المراد بالبيع الباطل والبيع الفاسد، والفرق بينهما، والضابط لكل منهما

  /  المراد بالبيع الباطل والبيع الفاسد، والفرق بينهما، والضابط لكل منهما

المراد بالبيع الباطل والبيع الفاسد، والفرق بينهما، والضابط لكل منهما

ينقسم العقد عند جمهور الفقهاء -من حيث حكمه، أو وصفه، الذي يعطيه الشارع له بِناء على مقدار استيفائه لأركانه وشروطه- إلى: صحيح، وغير صحيح.

فالصحيح عندهم: هو ما استوفى شروطه، وأركانه.

وغير الصحيح: هو ما اختل فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه، ولا يترتب عليه أيّ أثر، ويشمل الباطل والفاسد؛ إذ هما عند الجمهور بمعنى واحد، فإذا قالوا: عقد باطل، كأنهم قالوا: عقد فاسد، فهما لفظان مترادفان، والمعنى عند الجمهور: أنه اختل ركن من أركان العقد، أو فقد شرط من شروطه.

وأما الحنفية: فيقسِّمون العقد إلى: صحيح، وفاسد، وباطل، فغير الصحيح إذًا عندهم إما فاسد وإما باطل، ومنشأ الخلاف إنما هو في تقدير نهي الشرع عن عقد ما، هل النهي يقتضي الفساد؟ أي: عدم الاعتبار والوقوع في الإثم معًا؟ أم يقتصر على إيجاب الإثم وحده مع اعتباره أحيانًا؟ يعني: اعتبار أنه موجود، ثم هل يستوي النهي عن ركن من أركان العقد، مع النهي عن وصف عارض للعقد؟

قال جمهور الفقهاء: إن نهي الشارع عن عقد ما، يعني عدم اعتباره أصلًا، ويعني إثم من يقدم عليه، ولا فرقَ بين النهي عن أركان العقد، أو النهي لوصف عارض للعقد، في قوله صلى الله عليه  وسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، ومَن أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد))، وهو حديث صحيح، رواه مسلم عن عائشةَ، وفي رواية للبخاري، ومسلم، وأبي داود: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد))، معنى هذا: أي: ما دام العقد ليس على الهدي الإسلامي الوارد في الكتاب، أو في السنة؛ فهو مردود، يعني: باطل أو فاسد على حد سواء، فمتى خالف العمل أمر الشارع وطلبه؛ وُصِفَ بالفساد أو بالبطلان، وهذا معنى قوله صلى الله عليه  وسلم: ((فهو رد))، سواء أكانت المخالفة راجعة إلى حقيقة العمل، أو هي راجعة إلى وصفه، وسواء في ذلك العبادة والمعاملة، يعني: العبادات كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والطهارة، أو معاملات البيع والإدارة وغير ذلك من المعاملات.

هذا ما قاله الجمهور.

فماذا قال الحنفية؟

قال الحنفية: قد يكون نهي الشارع عن عقد، معناه إثم مَن يرتكبه فقط لا إبطاله، وهناك فرق بين النهي عن أصل العقد أو أركانه؛ لأنه يوجب بطلان العقد، وبين النهي عن أمر آخر، كوصف من أوصاف العقد، فيوجب فساد العقد فقط؛ لأن المعاملات ينظر فيها إلى جانب مصالح العباد، فإذا كانت مخالفة العمل، راجعةً إلى حقيقة هذه المعاملات، كالبيع المعلوم؛ لم تتحقق به مصلحة أصلًا، فكان باطلًا، وأما إذا تحققت بالعمل مصلحة على وجه ما ترتب أثر العمل عليه ويتدارك النقص بإزالة سببه، وهذا يتحقق فيما لو كانت مخالفة العمل راجعة إلى وصفه، مع سلامة حقيقته؛ لوجود ركنه، وطرفيه، ومحله، فيسمى عندئذ فاسدًا.

أما العبادات فإن البطلان والفساد فيها مترادفان، فمخالفة أمر الشارع فيها تجعلها موصوفة بالفساد والبطلان، سواء أكان الخلل في ناحية جوهرية، أو في ناحية فرعية متمة؛ لأن العبادة يُنظر فيها إلى تحقيق الامتثال والطاعة التامة، ولا يَحصل ذلك إلَّا بزوال كل مخالفة فيها.

وعلى هذا الأساس، نعرف أن أنواع البيوع عند الحنفية -بوصف الشارع لها- ثلاثة:

  1. صحيح.
  2. باطل.
  3. فاسد.

فالبيع الصحيح: هو ما كان مشروعًا بأصله ووصفه، ولم يتعلق به حق الغير، ولا خيارَ فيه. وحكمه: أنه يثبت أثره في الحال، وهو تبادل الملكية في العوضين، فيثبت ملك المبيع للمشتري، ويثبت ملك الثمن للبائع فَوْرَ انتهاء الإيجاب والقبول، إذا لم يكن في البيع خيار.

والبيع الباطل: هو ما اختل ركنه، أو محله، أو هو ما لا يكون مشروعًا بأصله ولا بوصفه، أي: أن يكون العاقد ليس أهلًا للعقد، أو أن يكون محل العقد ليس قابلًا له.

وحكمه: أنه لا يعتبر منعقدًا فعلًا، وإن وُجدت صورته في الخارج؛ فلا يفيد الملك أصلًا، مثل عقد الطفل، أو المجنون، أو بيع الإنسان ميتًا بمال، أو ما ليس بمتقوم كالخمر، والخنزير، فهذا عقد باطل؛ لأنه ليس مشروعًا لا بأصله ولا بوصفه.

وإذا كان البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، فلو هلك المبيع في يد المشتري؛ فيطبق عليه حكم هلاك الأمانات، يعني: أنه إن فَرَّط؛ فعليه الضمان، وإن لم يفرِّط؛ فلا ضمانَ عليه؛ لأن العقد غير معتبر، فبقي القبض بإذن المالك.

وقال أبو حنيفة: “وعند البعض يكون مضمونًا؛ لأنه لا يكون أدنى حالًا من المقبوض على سوم الشراء”.

وقال الصاحبان: “وأما الثمن المقبوض ببيع باطلٍ، فالصحيح أنه مضمون، كالمقبوض ببيع فاسد”.

أما البيع الفاسد: فهو ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، أي: أن يصدر من أهل له في محل قابل للبيع، يعني: توافرت فيه الأركان، وشروط الانعقاد، ولكن عَرض له أمر أو وَصْف غير مشروع، كبيع المجهول جهالةً تؤدي للنزاع، كبيع دار من الدُّور، المملوكة لشخص دون تعيين؛ كأن يقول: بعتك بيتًا من بيوتي، أو دارًا من دوري، أو نحو ذلك؛فإنه غير جائز؛ لأنه محل البيع مجهول، أي: غير معين، وكإبرام صفقتين في صفقة، كبيع دار، على أن يبيعه شيئًا آخر من ملكه، وسنذكر لذلك أمثلة أخرى على التفصيل إن شاء الله.

وحكمه –أي: عقد البيع الفاسد-: أنه يثبت فيه الملك بالقبض، يعني: لو أن المشتري استلم سلعته التي اشتراها، بإذن المالك صراحةً أو دَلالةً، كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع دون أن يعترض عليه، كان البيع صحيحًا، والقبض نفسه صحيح، ويترتب عليه حِلُّ هذا القبض، خلافًا لجمهور الفقهاء، الذين يقررون أنه لا يفيد المِلك أصلًا، كالبيع الباطل.

ومن الملاحظ أن هناك فرق ما بين الباطل والفاسد، فالباطل: ما اختل فيه أصل، أو اختل فيه ركن، أو اختل فيه شرط من الشروط، فهو باطل؛ يعني: إنه غير ثابت لا بأصله ولا بوصفه، لكن الفاسد: ثبت أصله، وأركانه، وشروطه، ولكنه اعتراه وصف خارجي، كإفادته شيئًا من الجهالة، وهذه الجهالة تؤدي إلى نزاع؛ وهو فاسد، لكن إذا حصل القبض؛ فإن المِلك ينتقل إلى المشتري بالقبض.

وعلى هذا، فإنه يترتب بعض الأحكام الشرعية الصحيحة حالَ البيع الفاسد، بينما لا تترتب أية أحكام حال البيع الباطل.

الضابط الذي يميز الفاسد عن الباطل:

إذا كان الفساد يرجع للمبيع؛ فالبيع باطل، كما إذا باع خمرًا، أو خِنزيرًا، أو ميتًا، أو دَمًا، أو صيدَ الحرم، فلا يفيد الملك أصلًا، حتى لو قُبض يجب رده؛ لأن الخلل واقع على المبيع ذاته –الذي هو ركن من أركان العقد- وهو أن الخمر، والخنزير، لا يثبت الملك فيهما للمسلم بالبيع، والبيع لا ينعقد بلا مبيع، والميتة ليست بمال متقوم، وكذلك الدم، وقد أبطل الشارع تملك صيد الحرم والإحرام.

وإن كان الفساد يرجع للثمن، أي: كان الثمن مالًا في الجملة، أي: في بعض الأديان، أو مرغوبًا عند الناس كالخمر، والخنزير، وصيد الحرم والإحرام، فإن البيع يكون فاسدًا، أي: أنه ينعقد بقيمة المبيع، يعني: أنه الممكن إصلاح هذا الفساد، فبدلًا من أن يكون الثمن خمرًا، يكون قيمة هذا الخمر، أو ثمن المثل -مثل المبيع- ويفيد الملك في المبيع بالقبض؛ لأن ذكر الثمن المرغوب، دليل على أن غرضهما البيع، فينعقد بيعًا بقيمة المبيع.

وأما إن كان الثمن ميتةً، أو دَمًا، فاختلف الحنفية فيه، فقال عامتهم: يبطل، وقال بعضهم: يفسد.

والصحيح: أنه يبطل؛ لأن المسمى ثمنًا ليس بمال أصلًا؛ وبهذا يكون قد اختل فيه شرط من الشروط.

ونذكر نموذجًا من أنواع البيع الباطل -ولو في رأي بعض الفقهاء- ونذكر نموذجًا آخر من أنواع البيع الفاسد، ثم نعقبها بتفصيل حكم البيع الفاسد، وما يترتب عليه.

أولًا: أنواع البيع الباطل:

أنواع البيع الباطل كثيرةٌ منها بيع المعدوم، فقد اتفق أئمة المذاهب على أن بيع المعدوم، وما له خطر العدم؛ لا ينعقد.

والمعدوم: ما لا وجود له فعلًا، أو احتمال وجوده، أو عدم وجوده، وفيه خطورة في عدم وجوده، مثل بيع نِتاج النتاج، بأن قال: بعت ولد ولد هذه الناقة، وبيع الحمل الموجود؛ لأنه على خطر الوجود، وبيع الثمر، والزرع قبل ظهوره؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم ((نَهَى عن بيع حبل الحَبَلة))، أي: نتاج النتاج، وهو حديث رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، ومالك في: (الموطأ)، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن ابن عمر.

ونهى أيضًا عن: بيع المضامين والملاقيح، والمضامين: ما في أصلاب الذكور، والملاقيح: ما في بطون الإناث، ونهى النبي صلى الله عليه  وسلم كذلك عن بيع الثمر قبول بدو صلاحه.

ومن الملحق بالمعدوم، بيع لؤلؤة في صدف، وبيع لبن في ضرع، وبيع صوف على ظهر غنم، ومثل بيع الكتاب قبل طبعه، فإن بيع ذلك لا يجوز عند جمهور الفقهاء؛ لأن محل العقد غير موجود بالتأكيد؛ ولما روي عن ابن عباس رضي الله  عنهما أنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن تُباع ثمرة حتى تطعم -يعني: حتى يكون لها طعم عند الأكل، وذلك عند نضجها- ولا يُباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع))، وهو حديث مرفوع مسند رواه الطبراني في: (معجمه)، عن ابن عباس، وأخرجه الدارقطني، والبيهقي، في: (سننهما).

فالنبي صلى الله عليه  وسلم ذكر هذه الأشياء كنماذجَ إمَّا للمعدوم، وإمَّا لما هو في خطر العدم؛ ولأن بيع اللبن في الضرع مجهول الصفة، والمقدار، وجهالة مقداره؛ لأنه قد يُرى امتلاء الضرع من السمن، يعني: به سِمنة، فيظن مَن يراه أن هذا من اللبن، وكذلك فيه جهالة الصفة؛ لأنه قد يكون اللبن صافيًا، وقد يكون كدرًا، فأشبه الحمل، يعني: أنه على خطر عدم الوجود أو الوجود، ولكن على صفةٍ غير المتفق عليها أو المعلومة؛ لأنه بيع عين لم تخلق؛ فلم يجز كبيع ما تحمله الناقة.

والعادة في ذلك تختلف، ففيه علة أخرى: وهي أنه غير مقدور على تسليمه؛ لأن اللبن لا يجتمع في الضرع دفعة واحدة بل شيئًا فشيئًا، فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييز بينهما.

وأما لبن الظِّئر -يعني: المرضِع، التي ترضع المولود- فيجوز بيع لبن الظئر للحاجة، يعني: أن القياس يقتضي عدم الجواز لكن أجيز ذلك للحاجة، وأما بطلان بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لوقوع الاختلاف في موضع القطع من الحيوان فيقع الإضرار به، فكان مشتملًا على الغرر. وفيه علة أخرى: وهي أنه غير مقدور على تسليمه ؛ لأن الصوف ينمو ساعةً فساعةً، فيختلط الموجود عند العقد، بالحادث بعده على وجه لا يمكن التمييز بينهما.

هذا كلام السادة الحنفية.

لكن مالكًا، خالف في الحالتين،فيرى جواز بيع اللبن في الضرع في الغنم السائمة التي لا يختلف لبنها، لا في الشاة الواحدة أيامًا معلومة إذا عرف قدر حلابها ؛ لأن ذلك يرجع إلى العرف والعادة كلبن الظئر؛ لتسامح غالب الناس به أيامًا معلومةً غالبًا، بل رأينا مَن يسامح بلبن بقرته الشهر وأكثر بطريق الإباحة، أو الهبة، أو المنيحة، كما ورد عن النبي صلى الله عليه  وسلم.

وقال أيضًا: يصح بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لأنه مشاهد، ويمكن تسليمه في الحال، وهناك رواية عند الحنابلة تقرر مثل هذا الحكم، وهو أنه يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم بشرط جزِّه في الحال؛ لأنه معلوم، ويمكن تسليمه، وكذلك الظاهرية أجازوا بيعَ الصوف على ظهر الغنم.

وبعض الحنابلة -كابن القيم، وأستاذه ابن تيميه -رحمه الله-: أجازوا بيع المعدوم عند العقد إذا كان محققَ الوجود، يعني: يغلب على الظن وجوده في المستقبل بحسب العادة؛ لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم، لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام الصحابة، إنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجودًا أو معدومًا، كبيع الفرس النافر، أو الجمل الشارد، فليس العلة في المنع، العدم أو الوجود، إنما العلة في عدم القدرة على التسليم.

بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه، وأجاز بيع الحَب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إذا ورد على الموجود، والمعدوم الذي لم يخلق بعد، وعلى هذا فبيع المعدوم إذا كان مجهولَ الوجود في المستقبل باطل؛ للغرر لا للعدم، فالأصل إذًا هو الغرر.

وهذا مثال على البيع الباطل.             

مثال آخر، وهو بيع معجوز التسليم: يرى جمهور الحنفية -كما في ظاهر الرواية-: أنه لا ينعقد بيع معجوز التسليم عند العقد، حتى ولو كان مملوكًا للبائع، كالطير الذي طار من يد صاحبه، والعبد الآبق -الفار- واللقطة، ويكون البيع باطلًا حتى لو ظهر الآبق ونحوه، فيحتاج إلى تجديد الإيجاب والقبول، إلَّا إذا تراضيًا حينئذٍ فيكون بيعًا مبتدَأً بالتعاطي، فإن كان الطائر يذهب ويعود كالحمام الأهلي، ففي ظاهر الرواية: لا يجوز أيضًا بيعه؛ لعدم القدرة على التسليم في الحال، قال بعض الحنفية: إن كان الطائر داجنًا، يعود إلى بيته ويُقدر على أخذه بلا تكلف، جاز وإلَّا فلا.

وكذا يبطل العقد إذا جعل معجوز التسليم ثمنًا؛ لأن الثمن إذا كان عينًا فهو مبيع في حق صاحبه.

وقال المالكية: لا ينعقد بيع البعير الشارد، والبقرة المتوحشة، والمغصوب، إلَّا أن يبيعه من غاصبه.

ويرى الحنفية: أنه لا يجوز بيعه، أما المالكية فيقولون: يجوز بيعه للغاصب؛ لأنه في يده، أما الشافعية، والحنابلة، فيقولون: لا يجوز -أي: لا ينعقد- بيع ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء، أو السمك في الماء، أو الجمل الشارد، أو الفرس العاثر -أي: الهائم على وجهه- أو المال المغصوب في يد الغاصب، والعبد الآبق سواء عُلم مكانه أو جهل، ومثله بيع الدار، أو الأرض تحت يد العدو؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم: ((نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر))، وهذا غرر، وهذا حديث رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله  عنه.

وعن ابن مسعود أن الرسول صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا تشتروا السمكَ في الماء، فإنه غرر))، رواه أحمد موقوفًا ومرفوعًا، إذًا النبي صلى الله عليه  وسلم ذكر العلة فأنه غرر؛ يعني: علل النهي عن بيع السمك في الماء؛ لأنه غرر، فدل على أن الغرر ما لا يقدر على تسليمه، والمراد بالماء الذي لا يجوز بيع السمك فيه، هو الماء غير المحصور: كماء البحر، وماء النهر، فإن كان الماء محصورًان كماء بركة صغيرة، فقال الحنفية، والشافعية، والحنابلة -في الجملة-: يجوز بيع السمك فيه إذا كان يمكن أخذه بدون اصطياد وحيلة، ولكن للمشتري خيار الرؤية عند الحنفية، ومنع المالكية بيع السمك في الغدير أو البركة.

والخلاصة: أن المذاهب الأربعة السنية، متفقة على بطلان بيع ما لا يقدر على تسليمه، مع الخلاف في بعض القيود أحيانًا، أو مع أقوال ضعيفة في المذهب، بينما ذهب الظاهرية، إلى أنه لا يُشترط في صحة البيع أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه، وحجتهم بما سبق من أحاديث.

error: النص محمي !!