Top
Image Alt

المراد بالتوسل المشروع والممنوع مع بيان الواجب نحو الأولياء والصالحين

  /  المراد بالتوسل المشروع والممنوع مع بيان الواجب نحو الأولياء والصالحين

المراد بالتوسل المشروع والممنوع مع بيان الواجب نحو الأولياء والصالحين

قَسَّمَ المحققون من العلماء التوسل إلى قسمين:

توسل مشروع: وهو ما كان بوسيلة جاءت بها الشريعة.

وتوسل ممنوع: وهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة صحيحة.

أولًا: التوسل المشروع:

فالمراد به كل توسل جاءت الشريعة به، وهو الذي سبق تعريفه.

وهذا النوع من التوسل أنواع، وإن اختلف العلماء في تعدادها، إلا أنها ترجع عند التأمل إلى ثلاثة أقسام:

  1. التوسل بأسماء الله تعالى الحسنى، وصفاته العليا.
  2. التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابة دعائه.
  3. التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح.

فالنوع الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته:

مثاله: قول المسلم في دعائه: “اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أسألك أن تغفر لي وترحمني”. ومثل قوله أيضًا: “يا غفار اغفر لي، ويا رزاق ارزقني، ويا نصير انصرني، ويا حفيظ احفظني، والدليل على مشروعية هذا النوع من التوسل، قول الله عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [الأعراف:180].

والتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته يأتي على وجهين:

الوجه الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته على سبيل العموم:

مثال ذلك: الحديث الصحيح، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعاء الهم والغم: ((اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي)). رواه الإمام أحمد، والحاكم في ( المستدرك)، وصححه ووافقه الشيخ الألباني.

فالشاهد من الحديث قوله: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك)).

وأما الوجه الثاني: فهو التوسل إلى الله باسم خاص أو صفة خاصة: مثال ذلك: (يا غفار اغفر لي، يا رحمن ارحمني، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، ومثاله: أيضًا ما جاء في حديث أبي بكر رضي الله عنه: أنه قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)). رواه البخاري ومسلم.

ومن التوسل بالأسماء والصفات، قول الشاعر مستغيثًا بها:

بأسمائك الحسنى دعوتك سيدي

*وجئت بها يا خالقي متوسِّلا

ومبتهلًا ربي إليك بفضلها

*وأرجو بها كل الأمور مُسَهِّلا

فقابل إلهي بالرضا منك واكفني

*صروف زماني مكثرًا ومقَلَّلاَ

وأما النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابة دعائه:

قبل أن نشرع في بيان هذا النوع من التوسل المشروع يحسن بنا أن نعرف الدعاء في الشرع، فنقول:

الدعاء شرعًا هو: الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إما بالسؤال أو بالخضوع والتذلل والرجاء والخوف والطمع. والدعاء من أهم أنواع العبادة، بل هو العبادة نفسها، كما ثبت في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)).

وهو حديث صحيح، وفي رواية فيها، فقال: “الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ”. ولأهمية الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية فقد أمر الله تعالى به وندب عباده إليه، فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [غافر:60].

ومما يبين صورة هذا النوع من التوسل الصحيح، وهو التوسل إلى الله تعالى بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن بشرط أن يكون الداعي حيًّا، حاضرًا. فقد صحت هذه الصورة من فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بدعاءٍ عام ودعاء خاص، ففي (الصحيحين) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ((أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ؛ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسُ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ))  والظراب: (جمع ظرب، وهو الجبل الصغير) رواه البخاري ومسلم

وقد بين الحافظ ابن حجر –رحمه الله-: “أن من فوائد هذا الحديث سؤال الدعاء من أهل الخير، ومن يرجى منهم القبول، وإجابتهم لذلك”. انتهى.

وتحت هذا النوع من التوسل بدعاء الحي الحاضر صورتان:

إحداهما: أن يطلب المرء من الحي الحاضر الدعاء فيستجيب له، ويدعو له، دون أن يدعو الطالب المتوسل، ومثال هذه الصورة ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء للأعرابي في حديث الاستسقاء السابق.

وثانيهما: أن يطلب الدعاء من حي حاضر، ثم يدعو هو بنفسه أن يتقبل الله دعاء المتوسل به، أو يُؤَمِّن على دعائه، وفي هذه الصورة يوجد دعاءان:

أحدهما: من الحي الحاضر المطلوب منه الدعاء، والثاني: من المتوسِّل نفسه.

ويصح في هذا النوع من التوسل بالدعاء أن يتوسل الأفضل بدعاء المفضول. فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلممن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يدعو له لما أراد الخروج لأداء العمرة، وطلب عمر رضي الله عنه، ومعه السابقون الأولون من العباس بن عبد المطلب الاستسقاء، ومثل ذلك فعل معاوية رضي الله عنه مع يزيد بن الأسود الجرشي –رحمه الله.

وأما النوع الثالث: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فأمر مشروع ووسيلة صحيحة:

لأن الطريق الوحيدة الموصلة إلى رضا الله تعالى، ونيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة هي العمل الصالح المبني على وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المراد بالوسيلة في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة:35]، فكل عمل حسن ومشروع قام به المسلم ينفعه التوسل به وهو وسيلة صحيحة بينه وبين ربه تبارك وتعالى، سواء كان العمل الصالح من أعمال القلب أم من أعمال الجوارح.

وإذا كانت الأعمال الصالحة متنوعة، فإنها ترجع في الأساس إلى ثلاثة أضْرُب:

منها ما يختص بالقلب. ومنها ما يختص بالبدن. ومنها ما يتشارك فيه البدن والقلب.

والدليل على التوسل بالعمل الصالح قوله الله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران:16]، فهؤلاء الراسخون في العلم توسلوا إلى ربهم بإيمانهم لمغفرة ذنوبهم، ووقايتهم عذاب النار، وهذه من الوسائل التي يحبها الله تعالى. وقال الله تعالى: {جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]، فالعمل الصالح يُرْفَعُ مع كلام العبد الطيب، فإذا لم يكن للمرء عمل صالح لم يُرْفَعْ له قولٌ إلى الله تعالى؛ لأن الأعمال الصالحة هي التي ترفع إلى الله عز وجل، ويرفع الله تعالى صاحبها ويعزه ويقربه.

ومما يوضح أن التوسل بالعمل الصالح الذي قام به العبد من أنجع أنواع التوسل، وأنفعها للمتوسل: قصة أصحاب الغار التي رواها البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا؛ لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ، قَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ  عِنْدَ قَدَمَيَّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ فَرَأَوْا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَر:ُ اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ عَلَيَّ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً فَفَرَجَ، وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ  أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ، وخرجوا يمشون)).

الفرق: بفتح الراء وإسكانها: إناء يسع ثلاثة آصع.

يتضاغون: أي: يبكون ويصيحون.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “فهؤلاء الثلاثة سألوا الله بأعمال البر. فالأول أخبر عن بره بوالديه برًّا عاليًا تامًّا أكمل البر وأحسنه، والآخر: أخبر عن عفته التامة الكاملة وعن همته العالية، والآخر: أخبر عن أداء الأمانة الأكمل الأتم”. انتهى كلامه.

وقال الحسن البصري –رحمه الله-: “إن العبد إذا قال قولًا حسنًا، وعمل عملًا صالحًا رفع الله تعالى قوله بعمله”. انتهى كلامه.

وقال وهب بن منبه –رحمه الله-: “مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر”. انتهى.

وقال الربيع بن أنس –رحمه الله-: “في الحكمة إن العمل الصالح يرفع ربه إذا عثر”. انتهى.

ثانيًا: التوسل الممنوع:

المراد بالتوسل الممنوع: وهو التوسل إلى الله تعالى بوسيلة لا تثمر، أي: بوسيلة لم يثبت في الشرع أنها وسيلة.

وهو نوعان:

النوع الأول: أن يكون بوسيلة سكت عنها الشرع، وهذا من التوسل المحرم، بل إنه قد يجر إلى الشرك.

ومثاله: أن يتوسل إنسان بجاه شخص ذي جاهٍ عند الله تعالى؛ كالتوسل بجاه الأنبياء -عليهم السلام-؛ لأنه إثبات لسبب لم يعتبره الشرع؛ ولأن جاه ذي الجاه ليس له أثر في قبول الدعاء؛ لأنه لا يتعلق بالداعي، وإنما هو من شأن ذي الجاه وحده. فالتوسل تجاه الشخص توسل بدعي من وجه، وشركي من وجه آخر، فكونه من البدع؛ لأنه لم يكن معروفًا عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وكونه من الشرك؛ لأن كل من اعتقد في أمر من الأمور أنه سبب في جلب الخير، ودفع الشر فقد أتى نوعًا من أنواع الشرك، من أجل ذلك فإنه يحظر التوسل بذوات الأولياء والصالحين إلا إذا كان قول الشخص: “أسألك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم” على تقدير أن هذا الشخص يتوسل بالإيمان بالرسول ومحبته؛ فإن ذلك عمل صالح ووسيلة شرعية.

النوع الثاني: هو توسل المشركين بأصنامهم وأوثانهم، وتوسل أهل الأهواء الجاهلين بالأولياء والصالحين.

يقول الشيخ الشقيري في كتابه “القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي”: “فالتوسل الممنوع هو الواقع من بعض العوام بسؤاله تعالى بأشخاص الأنبياء والأولياء والصالحين مما لا يعد قربة ولا وسيلة لهم إلى الله تعالى؛ لأنه لا عمل لهم فيه، فإنه بدع من القول وزور، وضلال من اللعين وغرور وهو قطعًا غير مشروع، بل هو من عمل المشركين الذي سرى إلى بعض المسلمين من أهل الكتاب كما سرى إليهم من الوثنيين، وذلك كقولهم: أسألك بحق النبي عليك، بحق قبره المعظم أو قبته عليك، أو بجاهه أو بركته عليك، يا نبي الله سقتك على ربك”. انتهى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “ولفظ التوسل يراد به ثلاثة أمور: التوسل بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصل الإيمان والإسلام. والثاني: دعاؤه وشفاعته، وهذا النوع أيضًا ينفع المتوسل الذي يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم ويشفع فيه. والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذات النبي والسؤال بذاته، وهذا النوع من التوسل الممنوع هو المشتهر عند كثير من المتأخرين، وقد يُوَسعون دائرته؛ فيدخلون فيها غير النبي صلى الله عليه وسلم من سائر إخوانه من المرسلين والصالحين، وكل من يعتقد فيه الولاية والصلاح، وهذا النوع لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء، ونحوه لا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعد مماته لا عند قبره ولا قبر غيره، ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة المروية عنهم”. انتهى كلامه –رحمه الله.

وعلى منع هذا النوع من التوسل أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض، حيث ورد إليها تساؤل من بعض الأشخاص: هل يجوز التوسل بجاه بعض الصحابة رضي الله عنهم أثناء الدعاء؟ فأجابت اللجنة قائلة:

“الدعاء بجاه رسول الله أو بجاه فلانٍ من الصحابة وغيرهم أو بحياته لا  يجوز؛ لأن العبادات توقيفية، ولم يشرع الله ذلك، وإنما شرع لعباده التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته وبتوحيده والإيمان به، وبالأعمال الصالحات، وليس جاه فلان وفلان وحياته من ذلك، فوجب على المكلفين الاقتصار على ما شرع الله سبحانه، وبذلك يعلم أن التوسل بجاه فلان وحياته وحقه من البدع المحدثة في الدين، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)).. والله أعلم. وبالله التوفيق”.

ومما رسخ هذه العقيدة الفاسدة عند الناس أبيات يحفظها الناس، وهي نماذج لهذه التوسلات البدعية، والعبارات الشريكة؛ كقول بعضهم عنه نفسه:

نحن الغياث لمن ضاقت مذاهبه

*فاهتف بنا إن تضق أو إن تكن تُضَم

نحن الذين لهذا الكون ذو مدد

*يناله من رآنا أو نأى فَعَميَ

وقال آخر:

أنا لمريدي جامع لشتاته

*إذا ما سطا جور الزمان بنكبةِ

وإن كنتَ في ضيق وكربٍ ووحشةٍ

*فناد بيا زورق آت بسرعةِ

وقال آخر وهو يخاطب الشيخ عبد القادر الجيلاني –رحمه الله-:

أيدركني ضيم وأنت ذخيرتي

*وأظلم في الدنيا وأنت نصيري؟

وعار على راعي الحمى وهو في الحمى

*إذا ضاع في البيداء عقال بعير!

الواجب نحو الأولياء والصالحين:

وبعد أن بينا أن التوسل بهؤلاء الأولياء والصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته لا يجوز، وأنه من القسم الثاني من التوسل الممنوع؛ لأن الله تعالى لم يجعل بينه وبين خلقه حجابًا يتوسطون للناس ويشفعون لهم عند الله تعالى حال الدعاء والتضرع والرجاء.

نقول: إن الواجب نحو الأولياء والصالحين هو محبتهم وزيارة قبورهم الزيارة الشرعية التي تذكر بالآخرة، والدعاء لهم، وعدم التمسح بقبورهم أو استلامها، أو العكوف عندها أو التذلل والخضوع عندها، وندائهم والتشفع والتوسل بهم في الدعاء، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله تعالى، والأشد من ذلك حرمة، وهو من أنواع الشرك الذي حرم الله تعالى أن يتوجه إليهم بالدعاء والاستغاثة والاستعانة والرجاء حال دعائه وتضرعه ورجائه؛ طالبًا منهم المدد والفيوضات واستمطار الرحمات؛ فهذه الأشياء المحرمة والممارسات من الداعين للأولياء والصالحين لا يرضى بها الوليُّ الولايةَ الصحيحةَ الشرعيةَ ولا يقبلها؛ لأن الأولياء والصالحين عباد الله تعالى، عرفوه حق المعرفة ولا يقبلون الشرك، ولو نطق الولي المقبور تحت الثرى، ورأى ما يفعله هؤلاء الذين يقفون عند قبره ويدعونه ويستغيثون به لقال لهم بلسان الحال:

ومن عجب أنى لغيرك شافع

*إليك وبي فقر إلى ألف شافع

وبهذا القدر نكتفي في الرد على هذه الشبهة الواهية مثل الشبهات السابقة.

error: النص محمي !!