Top
Image Alt

المراد بالشرك الأكبر

  /  المراد بالشرك الأكبر

المراد بالشرك الأكبر

الشركُ الأكبرُ نوعان:

الأولُ: شرك يتعلق بذات الله تعالى.

الثاني: شرك يتعلق بعبادته.

النوعُ الأولُ:

ما يتعلق بذات الله، فهو الشرك في الربوبية، وهو نوعان:

1. شركٌ في التعطيل:

كشرك فرعون، وشرك المَلاحدة. والتعطيل ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، وهذا هو الشرك في الأسماء والصفات. وتعطيل معالمته عما يجب على العبد حقيقة التوحيد. 

2. شرك مَن جعل مع الله إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته:

كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، حيث جعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا، وأمثالهم كثير.

النوعُ الثاني:

ما يتعلق بعبادة الله، وهو الشرك في الألوهية، فهو أربعة أنواع:

  1. شرك الدعوة بأن يتوجه بالدعاء الذي هو العبادة لغير الله تعالى.
  2. شرك النية والإرادة والقصد، فإن إرادة غير الله بالعمل يبطل ثوابه ويحبطه.
  3. شرك الطاعة، بأن يطيع العبد مخلوقًا في معصية الله تعالى.
  4. شرك المحبة، بأن يحب العبد مخلوقًا كمحبة الله تعالى.

ومثال الشرك الأكبر: كاتخاذ ند يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يذبح له، أو يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]، وقال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار} [المائدة:72].

ومن أمثلة الذبح لغير الله تعالى: كمن يذبح للجن أو القبر، وقد عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- بابًا في كتاب (التوحيد)، وعنوانه: “باب ما جاء في الذبح لغير الله تعالى”، وذكر من أدلة ذلك، قول الله -تبارك وتعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِين} [الأنعام:162، 163]، وقال تعالى أيضًا: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر:2].

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: لعن الله مَن ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوَى محدثًا، لعن الله من غيَّرَ منارَ الأرض)). رواه الإمام مسلم، –رحمه الله.

وفي قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر}، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار، وحسن الظن وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عبادته، عكس حال أهل الكبر والنعرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم يسألونهم إياها، والذين لا يتجرون له خوفًا من الفقر؛ ولهذا جمع بينهما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} الآية، والنسك: الذبيحة لله تعالى وحده ابتغاء وجهه. فإنها أجَلُّ ما يتقرب به إلى الله، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله من الكوثر.

وأجَلُّ العبادات البدنية الصلاة، وأجَلُّ العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن أمر عجيب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة كثير النحر”. انتهى كلامه، –رحمه الله.

وقال الإمام النووي –رحمه الله-: “المراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن يذبح للصنم، أو للصليب، أو لموسى، أو لعيسى -صلى الله عليهما وسلم- أو للكعبة، ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك، صار بالذبح مرتدًّا”. انتهى كلامه رفع مقامه.

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ –رحمه الله- وهو يذكر أقسام الشرك: “اعلم، أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقًا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه:

القسمُ الأولُ: الشرك في الربوبية:

وهو نوعان:

النوع الأول: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك. كشرك فرعون.. إذ قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين} [الشعراء:23]، ومن هذا شرك الفلاسفة القائلين: بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمونها العقول والنفوس.

ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود؛ كابن عربي، وابن سبعين، والعفيف التلمساني، وابن الفارض، ونحوهم من الملاحدة الذين كسوا الإلحادَ حِلية الإسلام، ومزجوه بشيء من الحق، حتى راج أمرهم على خفافيش البصائر. ومن هذا شرك مَن عطَّلَ أسماءَ الرب وأوصافه من غُلاة الجهمية والقرامطة.

النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته، وربوبيته: كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين: إسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.

قلت -والكلام للشيخ سليمان –رحمه الله-: ويلحق به من وجه غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت؛ فيقضون الحاجات، ويفرِّجون الكربات، وينصرون مَن دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم، ولاذَ بحِماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية كما ذكره بعضهم في هذا النوع.

القسمُ الثاني: الشرك في توحيد الأسماء والصفات:

وهو أسهل مما قبله. وهو نوعان:

النوعُ الأولُ: تشبيه الخالق بالمخلوق كمن يقول: يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، واستواء كاستوائي، وهو شرك المشبهة.

النوعُ الثاني: اشتقاق أسماء  للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق، قال الله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [الأعراف:180]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يلحدون في أسمائه: يشركون، وعنه: سموا اللات من الإله، والعزَّى من العزيز”.

القسمُ الثالثُ: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة:

قال القرطبي: “أصل الشرك المحرم: اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية. وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهًا”. هذا كلام القرطبي.

وهو-أي: شرك الألوهية- نوعان:

النوعُ الأولُ: أن يجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله، ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، ويخشاه كما يخشى الله، وبالجملة فهو أن يجعل ندًّا يعبده كما يعبد الله، وهذا هو الشرك الأكبر، وهو الذي قال الله فيه: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء:36]، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل:36]. النوعُ الثاني: الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنيع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة”. انتهى كلامه، –رحمه الله-. 

error: النص محمي !!