Top
Image Alt

المراد بالشفاعة يوم القيامة وصورتها

  /  المراد بالشفاعة يوم القيامة وصورتها

المراد بالشفاعة يوم القيامة وصورتها

ما زلنا أمام اعتذارات الغلاة عن الشرك بالشبهات التي يتشبثون بها مدَّعين أن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وقد تقدم قبل شبهات في الشرك، وبعد استعراضنا لتلك الشبهات نقوم بالكر عليها بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة؛ حتى تتلاشى وتضمحل -ولله الحمد- وهكذا كل منهج لا يستنير بنور الوحي، ولا يتقيد بمصدري التشريع: الكتاب، والسنة، فتناقضه حتم وتهدمه واجب، وتهافته لازم.

وكما قلنا -سابقًا- في ردنا على بعض تلك الشبهات:

أن الغلاة يستدلون لإثبات شبهاتهم بشيئين:

أحدهما: نصوص شرعية صحيحة لا مستند لهم فيها؛ بل إنها عند الاستعراض تكون عليهم وليست لهم.

الثاني: أمور عقلية وخيالات وهمية لا زمام لها ولا خطام ، كما قيل: “من تعلق بالكرامات بالكرى مات”.

أولًا: المراد بالشفاعة يوم القيامة: 

تقدم تعريف الشفاعة وذكر أنواعها، وبيان الشفاعة الجائزة والممنوعة، إلا أن الذي يهمنا الآن هو بيان المراد بالشفاعة يوم القيامة، فنقول:

من المعلوم بالنقل أن الله سبحانه وتعالى يحاسب العباد يوم القيامة بنفسه كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين} [الأنبياء: 47] إلا أنه ورد في السنة المطهرة أنواع من الواسطة في حالات معينة تقع في ذلك اليوم تكريمًا للواسطة، ولتقوم الحجة، ويتم الإعذار بتقدير العزيز الغفار، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون واسطة بين الأمم يوم القيامة وبين الرب -جل وعلا-، وكما كان جبريل عليه السلام واسطة من الملائكة بين الله تعالى وبين الواسطة من الأنبياء والرسل في تبليغ الرسالات في الدنيا، فقد ورد كذلك في بعض الأحاديث أن جبريل عليه السلام يكون واسطة بين الله تعالى وبين خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وذلك في الموقف عندما يشتد الكرب، ويفرق القلب، وتذهب الأمم إلى الأنبياء والرسل تطلب منهم الشفاعة، ثم يعتذر الأنبياء واحدًا بعد واحدٍ؛ حتى ينتهوا إلى خاتمة الوسائط من النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى سائر إخوانه المرسلين؛ فيقول: ((أنا لها)) حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ثم ينطلق صلى الله عليه وسلم فيأتي تحت العرش ويقع ساجدًا لربه ويحمده بمحامد يفتح الله عليه بها في ذلك اليوم، عند ذلك يرسل الله عز وجل جبريل، ويقول له: ((اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقل له: ارفع رأسك؛ سل تعطه، واشفع تشفَّع))، فروى الإمام أحمد في “مسنده” من حديث أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لقائم أنتظر حتى يعبر الصراط إذ جاءني عيسى فقال: هذه الأنبياء جاءتك -يا محمد- يسألونك، ويدعون الله أن يفرق جميع الأمم إلى حيث يشاء الله إلى غير ما هم فيه؛ فالخلق ملجمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال: انتظر. فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلقَ ملك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد وقل له: ارفع رأسك؛ سل تعطه، واشفع تشفَّع))، فالمراد أن للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات في الآخرة بعضها خاص به صلى الله عليه وسلم، ويشاركه الملائكة والنبيون في بعضها الآخر فيكون واسطة بين الله تعالى وخلقه في تلك الشفاعات، إلا أن أهم ذلك هو الشفاعة العظمى، وهذه الشفاعة خاصة بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وذلك حين يجمع الله الخلائق في عرصات القيامة، ويشتد الموقف، فتفزع الأمم إلى الأنبياء تطلب منهم التوسل من أجل الشفاعة عند الله تعالى ليقضي بينهم، ويريحهم من مقامهم ذلك، وما هم فيه من شدة وكرب فتفزع إلى آدم ونوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى -عليهم الصلاة والسلام-، فيتدافع الشفاعة -بعد آدم- أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: ((أنا لها))، ويشفع لأهل الموقف عند ربه عز وجل وهذه الشفاعة هي أعظم الشفاعات؛ ولهذا تسمى الشفاعة العظمى؛ لأنها شفاعة لجميع الأمم على اختلاف أديانهم، وهذه الشفاعة هي المقام المحمود على رأي جمهور العلماء الذي وعد الله عز وجل به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79].            

ثانيًا: صورة الشفاعة يوم القيامة:

والدليل على هذه الشفاعة يوم القيامة -وبيَّن صورتها-: ما أخرجه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، فقال: ((أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بَلَغْكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغْنا؟! فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيته؛ نفسي، نفسي؛ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح: أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بَلَغْنا؟! فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي؛ نفسي، نفسي؛ اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض؛ اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بَلَغْنا؟! فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -وذكر كذباته- نفسي، نفسي؛ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله فضلك الله برسالاته، وبتكليمه على الناس؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بَلَغْنا؟! فيقول لهم موسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضبه بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها؛ نفسي، نفسي؛ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلَّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه؛ فاشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بَلَغْنا؟! فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنبًا- نفسي، نفسي؛ اذهبوا إلى غيري؛ اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون، فيقول: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بَلَغْنا؟! فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ، ويلهمني من محامده، وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك؛ سل تعطه، اشفع تشفَّع. فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي؛ فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب؛ والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى)).

error: النص محمي !!