Top
Image Alt

المراد بتوحيد الربوبية

  /  المراد بتوحيد الربوبية

المراد بتوحيد الربوبية

اعلم أن التوحيد الذي يميز المسلمين عن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ثلاثة أقسام؛ هي:

  • توحيد الربوبية.
  • توحيد الأسماء والصفات.
  • توحيد الألوهية.

وهذه الأقسام الثلاثة مترابطة ترابطًا وثيقًا، بحيث لا يتصور أن مسلمًا يقر بواحد منها، وينكر باقيها، كما نجد عند بعض أهل الأهواء والبدع.

توحيدُ الربوبيةِ:

هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على كل شيء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر.

يقول عبد العزيز بن محمد السلمان –رحمه الله-: “المراد بتوحيد الربوبية هو اعتقاد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، الذي ربَّى جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه، وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة”. انتهى كلامه.

وفي (تيسير العزيز الحميد): “توحيد الربوبية والملك وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، وعند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر”. انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “وهذه المعاني تدل على توحيد الربوبية وعلى توحيد الإلهية، وهو التوحيد الواجب الكامل الذي جاء به القرآن لوجوه: وقد ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا الموضع؛ مثل أن المتحركات لا بد لها من حركة إرادية، ولا بد للإرادة من مراد لنفسه، وذلك هو الإله، والمخلوق يمتنع أن يكون مرادًا لنفسه، كما يمتنع فاعلًا لنفسه، فإذا امتنع أن يكون فاعلًا بأنفسهما امتنع أن يكون مرادًا بأنفسهما، وأيضًا فالإله الذي هو المراد لنفسه -إن لم يكن ربًّا- امتنع أن يكون معبودًا لنفسه، ومن لا يكون ربًّا خالقًا لا يكون مدعوًّا مطلوبًا منه مرادًا لغيره، فلأن لا يكون معبودًا مرادًا لنفسه من باب الأولى، فإثبات الإلهية يوجب الربوبية، ونفي الربوبية يوجب نفي الإلهية؛ إذ الإلهية هي الغاية وهي مستلزمة للبداية كاستلزام الغائية للفاعلية، وكل واحد من وحدانية الربوبية والإلهية، وإن كان معلومًا بالفطرة الضرورية البديهية، وبالشرعية النبوية الإلهية فهو أيضًا معلوم بالأمثال الضرورية التي هي المقاييس العقلية، لكن المتكلمين إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية، وهذا مما لم ينازع في أصله أحد من بني آدم، وإنما نازعوا في بعض تفاصيله كنزاع المجوس والثنوية والطبيعية، والقدرية وأمثالهم من ضلال المتفلسفة والمعتزلة، ومن يدخل فيهم، وأما توحيد الألوهية فهو الشرك العام الغالب الذي دخله من أقر أنه لا خالق إلا الله، ولا رب غيره، من أصناف المشركين، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف:106]، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع”. انتهى كلامه.

فتوحيد الربوبية واعتقاد أن الله تعالى رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومربيهم بالنعم، ومحييهم ومميتهم- أمر مستقر في العقول والفطر.

ويقول الشيخ المقريزي –رحمه الله-: “اعلم أن الله سبحانه هو رب كل شيء ومالكه وإلهه، فالرب مصدر ربَّ يربُّ ربًّا فهو رابُّ، فمعنى قوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِين} راب العالمين، فالرب سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا”. انتهى كلامه.

فالمراد بتوحيد الربوبية هو الاعتقاد الجازم بأن لهذا الكون ربًّا خلقه ودبَّره ورتَّبه بهذا الترتيب العجيب، وأن هذا الرب هو الله -جل جلاله، إله الآلهة كما كان يعبر المشركون. 

علاقةُ توحيد الربوبية بنوعي التوحيد الآخرين وهما توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية:

لا شك أن العلاقة وطيدة بين أنواع التوحيد الثلاثة:

فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الأسماء والصفات؛ لأنك إذا علمت أن لك ربًّا خالقًا مدبرًا هو الذي أحياك ويميتك ويرزقك، ويصرِّف شئونك فهذا يستلزم منك أن تتقرب إليه بمعرفة أسمائه وصفاته التي تعبدك بها في كتابه العزيز، أو على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

كما أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات مستلزمان لتوحيد الألوهية، ودليلان عليه؛ لأنك إذا عرفت أن لك ربًّا خلقك ورزقك، ورباك بشتى صنوف النعم، وعرفت أسماءه وصفاته العليا، التي أمرك بالتقرب إليه بمعرفته بها ودعائه عن طريق تلك الأسماء والصفات، إذا عرفت ذلك فيستلزم ذلك أن تتوجه بتوحيد الألوهية إلى هذا الرب الذي سبق بيان ربوبيته وأسمائه وصفاته، وأن تقصده بجميع أنواع العبادات.

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ –رحمه الله- مبينًا أنواع التوحيد الثلاثة وتلازمها:

النوع الأول: توحيد الربوبية والملك، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية؛ لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده؛ قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} [يونس: 31]. وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون} [الزخرف: 87].

النوعُ الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رءوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس… إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وهذا أيضًا لا يكفي في حصول الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية والإلهية، والكفار يقرون بجنس هذا النوع، وإن كان بعضهم قد ينكر بعض ذلك إما جهلًا، وإما عنادًا كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، ولم يعرف عنهم إنكار شيء من هذا التوحيد إلا في اسم الرحمن خاصة، ولو كانوا ينكرونه لردوا على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما ردوا عليه توحيد الإلهية، فقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص: 5] لا سيما السور المكية مملوءة بهذا التوحيد.

النوعُ الثالثُ: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله، وينبئ على ذلك إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئًا لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبيٍّ مرسل، فضلًا عن غيرهما، وهذا التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين} [الفاتحة: 5].

وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو أول واجب على المكلف، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، فهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا” انتهى كلامه.

ويقول الشيخ المقريزي –رحمه الله-: “فلا ولي ولا حكم ولا رب إلا الله الذي من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحَّد ربوبيته، فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الألوهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين؛ ولهذا كانت كلمة الإسلام “لا إله إلإ الله” ولو قال: لا رب إلا الله لا تجزئه عند المحققين، فتوحيد الألوهية هو المطلوب من العباد، وهو الذي ينكره المشركون، ويحتج الرب سبحانه وتعالى عليهم بتوحيدهم ربوبيته على توحيد ألوهيته”. انتهى كلامه –رحمه الله-.

error: النص محمي !!