Top
Image Alt

المرور بين يدي المصلي، والنفخ والضحك في الصلاة

  /  المرور بين يدي المصلي، والنفخ والضحك في الصلاة

المرور بين يدي المصلي، والنفخ والضحك في الصلاة

. المرور بين يَديِ المصلِّي:

اختلف العلماء في هذه القضية: هل يقطع الصلاةَ مرورُ شيء بين يدي المصلِّي إذا صلّى لغير سترة، أي: من لم يضع أمامه سترة أو حاجزًا، ومرّ المارُّ بينه وبين السترة.

  • ذهب جمهور الفقهاء إلى: أنه لا يقطع الصلاة شيء من المرور، وأنّ المصلّي ليس عليه إعادة بفعل هذا المارّ؛ وهذا هو رأي الجمهور.
  • ذهبت طائفة أخرى -ومنهم الإمام أحمد. إلى: أنه يقطع الصلاة مرورُ المرأة، والحمار، والكلب الأسود. والمقصود بمرور هذه الأشياء: المرور بين يدي المصلي وسترته، وليس مِن وراء السترة؛ لأن المرور من وراء السترة بعيد، أما المرور بين المصلي وبين سترته فهذا هو الذي اختلف الفقهاء فيه.

ما قاله ابن قدامة:

ويفصِّل ابن قدامة هذا الأمر تفصيلًا جيِّدًا؛ حيث يقول تحت مسألة قال فيها الخرقي: “ولا يقطع الصلاةَ إلَّا الكلبُ الأسود البهيم”.

يقول: في التعليق على هذا -يعني: إذا مرّ بين يديه، أي بين السترة والمصلِّي- يقول: وهذا المشهور عن أحمد -رحمه الله- نقله الجماعة عنه.

قال الأثرم: سُئل أبو عبد الله: ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطعها عندي شيء، إلَّا الكلبُ الأسود البهيم”. وهذا أخفّ ممّا ذكَره ابن رشد من أنه يقطع الصلاةَ: الحمارُ، والمرأةُ، والكلب الأسود.

هنا يقول ابن قدامة عن أحمد: المشهور عنه: أنه لا يقطع الصلاة عنده إلَّا الكلب الأسود البهيم؛ وهذا قول عائشة، وحكي عن طاوس. وروي عن معاذ ومجاهد أنهما قالا: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة. ومعنى البهيم: الذي ليس في لونه شيء سوى السواد؛ هذا هو المشهور عند الإمام أحمد.

وعن أحمد رواية أخرى: أنه يقطعها الكلب الأسود، والمرأةُ، والحمارُ، إذا مرّت. وهذا ما ذكَره ابن رشد -يعني: ابن رشد أخذ إحدى الروايتيْن عن أحمد، ولم يذْكر الرواية الأخرى التي رجّح ابن قدامة أنها الرواية المشهورة، وهي: أنه لا يقطع الصلاة إلَّا الكلبُ الأسود البهيم، شديد السواد.

قال: وحديث عائشة مِن الناس مَن قال: ليس بحجّة على هذا؛ لأن المارّ غير اللَّابث، وهو في التطوع وهو أسهل، والفرض آكد.

وحديث ابن عباس: “مررتُ بين يديْ بعضِ الصّف” ليس بحجة؛ لأن سترة الإمام سترة لِمن خلْفه. وروي هذا القول عن أنس، وعكرمة، والحسن، وأبي الأحوص. ووجْه هذا القول: ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَقطع الصلاة: المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ. ويقي ذلك: مثلُ مؤخّرة الرّحْل))، يعني: جزء أو سترة يضعها المصلِّي أمامه.

وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدُكم يصلِّي، فإنه يستره مثلُ آخِرة الرّحل. فإذا لم يكن بين يديْه مثلُ آخِرة الرّحل، فإنه يقطع صلاتَه: الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسود)).

قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ -يعني: لماذا الكلب الأسود فقط يقطع الصلاة؟ قال: يا ابن أخي، سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتَني فقال: ((الكلب الأسود شيطان)). رواهما مسلم، وأبو داود، وغيرهما.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي مرّ بين يديْه على حمار: ((قطَع صلاتَنا))، وقال كان ابن عباس وعطاء يقولان: ((يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والمرأةُ الحائض)). ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود، وابن ماجه. قال أبو داود: رفعه شعبة، ووقفه سعيد، وهشام، وهمام على ابن عباس. قال عروة، والشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يقطع الصلاة شيء. وهذا ما ذكَره ابن رشد -رحمه الله- ونسَبه إلى الجمهور؛ وهو الصحيح: لا يقطع الصلاة شيء، لِما روى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَقطع الصلاة شيء))، رواه أبو داود.

وعن الفضل بن عباس قال: ((أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية، وصلّى في صحراء ليس بين يديه سُترة، وحمارة لنا وكلبة يعبثان بين يديْه؛ فما بالى ذلك)). رواه أبو داود.

وقالت عائشة: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي صلاته من الليل، وأنا مُعترضة بينه وبين القِبلة))، وحديث ابن عباس: ((أقبلتُ راكبًا على حمار أتان، والنبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي. فمررتُ على بعض الصّفّ، ونزلتُ فأرسلت الأتان ترتع. فدخلت في الصف، فلم يُنكر عليّ أحد))، متفق عليهما.

ومعنى ذلك: أنّ رأي الجمهور هو الرأي الصحيح والقويّ في هذه القضية: المرور بين يدَي المصلي، لا يقطع الصلاة شيء.

وحديث: ((زينب بنت أمّ سلمة حين مرّت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقطع الصلاة)). وروي: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب حتى أخذتا بركبتيْه، فقرع بينهما، فما بالَى ذلك)).

إذًا: ابن قدامة ذكَر لنا أحاديث عديدة في قطْع الصلاة الكلب والمرأة والحمار، وأحاديث أخرى تمنع ذلك، وهي التي أخذ بها جمهور الفقهاء، وهي الأحاديث الصحيحة. ابن رشد -رحمه الله- ذكَر لنا في هذه الجزئية -سبب اختلاف الفقهاء- وأرجعه إلى معارضة القول للفعل.

وذلك أنه خرّج مسلم عن أبي ذر، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((يقطع الصلاةَ: المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ الأسود)). وخرّج مسلم والبخاري عن عائشة، أنها قالت: ((لقد رأيتُني بين يديْ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعترضةً كاعتراض الجنازة، وهو يصلِّي)). ورُوي مثلُ قول الجمهور: أنه لا يقطع الصلاة شيء، عن علي وعن عبيد.

ومع هذا، فلا خلاف بين العلماء في كراهية المرور بين يديْ المنفرد والإمام إذا صلى كلّ منهما بغير سُترة. فقد مر الحديث: ((لو يَعلَم المارُّ بين يديِ المصلِّي ما عليه، لكان يقف أربعين))، يعني: أربعين ساعة، أو أربعين يومًا، ولا يجرؤ على المرور بين يديِ المصلِّي.

ولم يرَوْا بأسًا أن يمرّ خلْف السترة. وكذلك لم يروْا بأسًا أن يمرّ بين يدي المأموم، لثبوت حديث ابن عباس وغيره عند الجماعة، قال: ((أقبلتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي بالناس. فمررتُ بين يديْ بعض الصفوف -ولم يَمرّ أمام الإمام- فنزلتُ وأرسلتُ الأتان ترتع، ودخلتُ في الصف؛ فلم يُنكر عليّ ذلك أحد)).

وهذا عندهم يجري مجرى المُسند، وفيه نظر. وفيه يقول: وإنما اتّفق الجمهور على كراهية المرور بين يدي المصلّي، بل هو حرام عند الشافعية والمالكية، لِما جاء فيه من الوعيد في ذلك، كما ذكَرنا، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((فلْيُقاتِلْه! -أي: المصلِّي- فإنما هو شيطان)).

أضاف ابن قدامة -رحمه الله- قوله: “ولا يقطع الصلاة شيء سوى ما ذكَرْنا”. ثم يضيف أيضًا في فصل آخَر: ولا فرْق في بطلان الصلاة بين الفرض والتطوّع، لعموم الحديث في كلّ الصلاة، ولأنّ مبطلات الصلاة -وهذه إضافة جيِّدة- يتساوى فيها الفرضُ والتطوع في غير هذا، فكذلك هذه.

فإن كان الكلب الأسود البهيم واقفًا بين يديْ المصلِّي، أو نائمًا ولم يَمُرّ، فعنه روايتان: رواية: أنّ الصلاة تبطل؛ لأنه يُشبه المارّ. والثانية: لا تَبطل؛ لأن الوقوف غير المرور.

ومن صلّى إلى سترة فمرّ من ورائها ما يقطع الصلاة، لم تنقطع؛ فالعبرة بالمرور بين السترة وبين المصلّي.

والصحيح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من: أنّ الصلاة لا يَقطعها شيء مهما كان، لا من إنسان ولا من حيوان؛ لثبوت الأحاديث الواضحة الصحيحة في ذلك، مع كراهية مرور أي شيء بين المصلِّي وبين سترته.                    

3. النّفخ في الصلاة:

يقول ابن رشد: إنّ الفقهاء قد اختلفوا في النفْخ في الصلاة، هل يُبطلها أو لا يبطلها، على ثلاثة أقوال:

  • قوم: كرهوا ولم يروا الإعادة على مَن فعَله.
  • وقوم: أوجبوا الإعادة على من نفخ.
  • وقوم: فرّقوا بين أن يُسمع أو لا يُسمع؛ فإن أسمع -يعني: النّفخ كان له صوت- أبطل، وإذا لم يُسمِع -كان نفخًا خفيفًا لا يُسمع به أحدًا. لم يبطل به الصلاة.

ثم ذكَر ابن رشد في عجالة سبب اختلاف الفقهاء على هذه الأقوال الثلاثة في هذه المسألة. قال: سبب اختلافهم: تردّد النفخ بين أن يكون كلامًا، أو لا يكون كلامًا. فمَن اعتبره كلامًا، أبطل الصلاة به. ومن لم يعتبره كلامًا، لم يُبطل الصلاة به.

ابن قدامة:

هذا الكلام البسيط المختصر يُفصِّله ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني)؛ حيث يقول -رحمه الله: فأمّا النفخ في الصلاة، فإن انتظم حرفيْن أفسد صلاته؛ لأنه كلام، وإلَّا فلا يفسدها. وقد قال أحمد: “والنفخ عندي بمنزلة الكلام”، وقال أيضًا: “قد فسدت صلاته، لحديث ابن عباس: ((من نفخ في الصلاة فقد تكلّم)). راجع هذا في كتاب (المغني) لابن قدامة، ففيه فوائد كثيرة.

4. الضّحك في الصلاة:

اتفق الفقهاء على: أنّ الضّحك يقطع الصلاة، لكن اختلفوا في التّبسّم.

وسبب اختلافهم كما يقول ابن رشد: أنّ التّبسّم متردِّد بين أن يُلحق بالضحك أو لا يُلحق. هذان السطران اللّذان ذكَرهما ابن رشد في موضوع الضحك الصلاة، ولم يُبيِّن لنا ما قاله الفقهاء عن الإعادة، فصّله ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني). يقول: وكنا قد تعرّضنا لهذه الجزئية عند كلامنا عن نواقض الوضوء، وعرفنا أنّ الحنفية قالوا بأن القهقهة تنقض الوضوء، وتُبطل الصلاة، وعرفنا أنّ ذلك رأي شاذ لم يوافقهم عليه الفقهاء.

يقول ابن قدامة هنا: وليس في القهقهة وضوء، وروي ذلك عن عروة، وعطاء والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال أصحاب الرأي: يجب الوضوء من القهقهة داخل الصلاة، دون خارجها؛ وروي ذلك عن الحسن، والنخعي، والثوري، لِما روى أبو العالية: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي فجاء ضرير فتردّى -أي: سقط- في بئر، فضحك طوائف -أي: جماعة من الناس. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذين ضحكوا أن يعيدوا الوضوء والصلاة)). وهذا محل الشاهد: أنّ الضّحك يقطع الصلاة، ويوجب إعادتها.

وروي من غير طريق أبي العالية بأسانيد ضعاف، وحاصله يرجع إلى أبي العالية، كذلك قال عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، والدارقطني.

قال ابن قدامة في مسألة نقض الوضوء: لنا أنّه معنى لا يُبطل الوضوء خارج الصلاة، فلم يُبطله داخلها كالكلام. هذا الكلام -كما ترَوْن- عن نقض الوضوء. أمّا بطلان الصلاة بالقهقهة فهو محلّ اتفاق، كما قال ابن رشد -رحمه الله- لماذا؟

لأن القهقهة تُحدث أصواتًا، وفي كلّ صوت تكون حروف، ففيها -أي: في القهقهة- أكثر مما في النفخ؛ فإذا كان النفخ متردِّدًا بين أن يكون كلامًا أو لا يكون كلامًا، فإنّ الفقهاء اتّفقوا على: أنّ الضحك كلام؛ لأنه يشتمل على حروف، وبالتالي فهو يُبطل الصلاة.

أما المختلف فيه في هذه الجزئية فهو التبسم؛ لأنه متردِّد بين أن يُلحَق بالضحك فيُبطل، أو لا يُلحَق فلا يُبطل.

error: النص محمي !!