Top
Image Alt

المسائل التي تندرج تحت عموم الخطاب وخصوصه

  /  المسائل التي تندرج تحت عموم الخطاب وخصوصه

المسائل التي تندرج تحت عموم الخطاب وخصوصه

المسألة الأولى: الخطاب الخاصّ بالرسول صلى الله عليه وسلم:

هل يشمل الأمة أم لا؟ وذلك كقول الله -تبارك وتعالى- مثلًا للنبي صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيّهَا النّبِيّ اتّقِ اللّهَ} [الأحزاب: 1]، وكقوله سبحانه وتعالى أيضًا: {يَأَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41]، فهذا خطاب خاصٌّ موجَّهٌ للنبي صلى الله عليه وسلم فهل هذا الخطاب يشمل جميع الأمة أم لا؟ الجواب عن ذلك، أقول:

العلماء لهم قولان في هذا:

الأول: أنه يشمل الأمة؛ لأن أمر القدوة أمر لاتباعه معه عُرفًا صلى الله عليه وسلم إلا ما دلَّ الدليل على أنه من خواصِّه، فنحن قد أُمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وهو القدوة، فالأمر له أمرٌ لأمته إلا إذا دلَّ الدليل على أن ما ذُكر من خواصِّه صلى الله عليه وسلم وذلك مثلًا كقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} المائدة: 50]، فهذا خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم.

أما لو كان الخطاب الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم ليس فيه دليلٌ على أنه من خواصِّه، فعلى القول الأول أنه يشمل الأمة كلَّها.

الثاني: فقد ذهب إليه جمع من الأصوليين، وهو أنه لا يشمل الأمة، وذلك لخصوص اللفظ، وإن شملهم فبدليل آخر لا بمجرَّد النَّصِّ المذكور.

المسألة الثانية: الخطاب العام بلفظ: {يَأَيّهَا النّاسُ}، أو {يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ}:

هل يشمل هذا الخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أم لا؟ والجواب عن ذلك:

أن للعلماء أيضًا في هذه المسألة أقوال:

الأول: أنه يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم لعموم الصيغة، وعليه الأكثرون، واختاره الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، والرازي، وابن قدامة، وأبو يعلى، وأبو الخطاب الحنبلي، يعني: القول الأول لهؤلاء العلماء أنه يشمل النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب بلفظ: {يَأَيّهَا النّاسُ}، و{يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ}.

الثاني: أنه لا يشمله لما له من الخصائص دون الأمة صلى الله عليه وسلم وهو قول الشيرازي.

الثالث: فيه تفصيل، إن كان الخطاب موجَّهًا لأمته صلى الله عليه وسلم وذلك كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110]؛ فلا يدخل هو صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب، قال بعض العلماء: وهذا بلا خلاف، وإن كان الخطاب بلفظٍ يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك نحو قول الله تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ}، و{يَأَيّهَا الرّسُولُ}، و{يَعِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] مثلًا؛ فإنه يشمله.

الرابع: إن سبق الخطاب بلفظ “قل”؛ لم يشمله كقوله تعالى: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]، وإلا شمله، وهو قول الصيرفي والحليمي.

المسألة الثالثة: الخطاب العام بلفظ: {يَأَيّهَا النّاسُ}:

هل يشمل الكفار أم لا يشملهم؟ وذلك كقول الله -تبارك وتعالى-: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1].

للعلماء في ذلك قولان:

الأول: أنه يشملهم لعموم الصيغة، وهم من الناس، وهذا هو قول الجمهور.

الثاني: أنه لا يشملهم لعدم تكليفهم بالفروع.

المسألة الرابعة: الخطاب العام بلفظ: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ}:

كقول الله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ} [البقرة: 278]، وكقوله تعالى: {يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ} [المائدة: 90] هل يشمل الكافر أم لا؟ الجواب عن ذلك:

أن للعلماء أيضًا في ذلك قولان:

الأول: أنه لا يشمل الكفار؛ لأنهم غير مُخاطبين بالفروع.

الثاني: أنه يشملهم لعموم التكليف بهذه الأمور، واختصاص المؤمنين بالخطاب للتشريف، وقد ثبت تحريم الربا في حقِّ أهل الذِّمَّة، قال الزركشي: وفيه نظر، والخلاف يرجع إلى أن الكفار هل هم مخاطبون بالفروع أم لا؟ يعني: أن أهل العلم اختلفوا على أقوال في هذه المسألة للخلاف الوارد في هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم ليس كذلك؟ وهذه مسألة خلافية بين علماء الأصول.

المسألة الخامسة: هل يشمل الخطاب السابق العبد أم لا يشمله؟

للعلماء في ذلك قولان:

الأول: أنه لا يشمله لصرف منافعه إلى سيده، فالعبد لا يملك شيئًا، وإنما يصرف منافعه إلى سيده.

الثاني: أنه يشمله لعموم اللفظ، وهو الصحيح، وخروجه في بعض الأحكام إنما هو بأدلِّة أخرى؛ لأن هذا العبد أيضًا هو عبد لله عز وجل ومطالب بأن يُحقِّق العبودية لله -تبارك وتعالى- فالأوامر التي وردت في القرآن الكريم، وخُوطب بها أهل الإيمان فيجب عليه أن يفعلها، أما خروجه في بعض ألوان الخطاب، فهذا إنما جاء من خلال أدلة أخرى.

المسألة السادسة والأخيرة: صيغة الجمع المذكَّر التي تُفيد العموم هل تشمل النساء، أم لا؟

الجواب: في ذلك تفصيل؛ إن كان الجمع يتناول الذكور والإناث لغةً ووصفًا مثل الناس، فهذا يشمل الإناث بالاتفاق يعني: كالجمع يشمل الذكور والإناث بلغة، أو وصف “يا أيها الناس”؛ لأن الناس يشمل الذكر والأنثى، فالله عز وجل قال في كتابه: {يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ} [الحجرات: 13] فإن كان الجمع يتناول الذكور والإناث لغة ووصفًا كقول الله تعالى مثلًا: {وَأُنْثَىَ}، فهذا يشمل الإناث بالاتفاق، أما إن كان الجمع بلفظ لا يتبيَّن فيه التذكير والتأنيث، وذلك كأدوات الشرط كقول الله تعالى مثلًا: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، فإنه يشمل النساء باتفاق، إن كان الجمع بلفظ لا يتبيَّن فيه التذكير والتأنيث يعني: ليس خاصًّا بالرجال فحسب، ولا يتبيَّن فيه تذكير أو تأنيث، كأدوات الشرط “من” مثلًا فهذه تشمل النساء، كالآية السابقة. أما إذا كان الجمع خاصٌّ بالذكور، وذلك كورود لفظ الرجال في الخطاب مثلًا، فهذا لا يشمل النساء باتفاق، وإذا كان الجمع خاصٌّ بالإناث كأن يأتي الخطاب موجهًا للنساء، أو يُذكر فيه البنات؛ فلا يشمل الرجال باتفاق.

أما إذا كان الجمع بلفظ ظهرت فيه علامة التذكير مثل: “المؤمنون”، “الصابرون”، “المسلمون”، أو ضمير الجمع المذكر، وذلك كقوله تعالى: {يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، فالواو هنا ضمير جمع للمذكر، إن كان الجمع كذلك بلفظ ظهرت فيه علامة التذكير، هذا فيه خلافٌ بين أهل العلم، فقيل يشمل النساء، وهو مذهب أكثر الحنفية والحنابلة، وبعض المالكية والشافعية، واستدلُّوا بأنه متى اجتمع المذكر والمؤنث؛ غلب التذكير، ولذلك لو قال لمن بحضرته من الرجال والنساء: قوموا واقعدوا؛ تناول جميعهم. ولو قال: قوموا وقمنا، واقعدوا واقعدن؛ لعد تطويلًا ولَكْنَةً، وبيَّن ذلك قول الله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنّكُم مّنّي هُدًى} [البقرة: 38] وكان ذلك خطابًا لآدم وحواء وإبليس، فلو كانت النساء لا يدخلنَ؛ لقيل لآدم وإبليس: “اهبطا”، ولحواء: “اهبطي”، وأكثر خطاب الله تعالى بلفظ التذكير، وذلك كقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، وكقوله سبحانه: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [النساء: 36]، وغير ذلك والنساء يدخلنَ في جملته بالإجماع، وقيل: لا يشمل النساء -أعني: الخطاب بلفظ الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير- وهذا مذهب أكثر الشافعية، وأكثر الفقهاء والمتكلمين، واستدلوا بأنه ذكر المسلمات بلفظ متميز، فما يُذكر بلفظ المسلمين لا يدخلن فيه إلا بدليل.

error: النص محمي !!