Top
Image Alt

المسانيد

  /  المسانيد

المسانيد

المسانيد: جمع مسند، بفتح النون، له عدة إطلاقات، فيطلق المسند ويراد به ما يأتي:

أولًا: الحديث الذي اتصل سنده ظاهرًا من راويه إلى منتهاه، فيدخل فيه المرفوع والموقوف والمقطوع، غير أن الحاكم جعل هذا خاصًّا بالمرفوع، لذلك أطلق الإمام البخاري على كتابه الصحيح -مع أنه مصنف على الأبواب الفقهية- بأنه مسند، حيث سماه: (الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه) فوصفه بأنه مسند؛ لأن الأحاديث التي فيه مسندة إلى قائلها الأول، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما اشتهر كتاب سنن الدارمي -مع أنه مصنف على أبواب الفقه- بمسند الدارمي، وقد انتقد بعض الأئمة تسميته بالمسند، ولكن وصفه بأنه مسند لأن الأحاديث التي فيه مسندة إلى قائلها، وكذلك سَمى الإمام محمد بن نصر المروزي كتابه بالمسند، مع أنه مصنف على الأبواب أيضًا؛ لأن الأحاديث التي في كتابه مسندة إلى قائلها الأول، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: يطلق المسند ويراد به الإسناد، فيكون مصدرًا، كـ (مسند الشهاب) و(مسند الفردوس).

ثالثًا: يطلق المسند ويراد به الكتاب الذي جمع مرويات كل صحابي على حدة، بغض النظر عن موضوع هذه الأحاديث، فنرى فيه حديثًا موضوعه الصلاة، بجوار حديث في الحج، بجوار حديث في الطلاق، إلى غير ذلك، وبغض النظر عن درجة الأحاديث من حيث الصحة أو الحسن أو الضعف، كمسند الإمام أحمد بن حنبل، وإنما أطلق على هذا النوع من المصنفات أنها مسانيد؛ لأن الأحاديث التي فيها مسندة إلى قائلها الأول، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمراد هنا هو الإطلاق الثالث. قال الحافظ الكِتَّاني وهو يتحدث عن كتب السنة: “ومنها كتب ليست على الأبواب ولكنها على المسانيد، جمع مسند، وهي الكتب التي موضوعها جَعْل حديث كل صحابي على حدة، صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا، مرتبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة، كما فعله غير واحد، وهو أسهل تناولًا، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو غير ذلك”.

وقد يُقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد، كمسند أبي بكر الصديق، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة -أي: الخلفاء الراشدين- أو العشرة -أي: المبشرين بالجنة- أو طائفة مخصوصة جمعَها وصف واحد كمسند المُقِلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر، إلى غير ذلك.

والمسانيد كثيرة جدًّا؛ منها مسند أحمد وهو أعلاها، وهو المراد عند الإطلاق، وإذا أريد غيره قُيِّد. قال الحافظ الكتاني بعد أن ذكر عددًا من المسانيد: “قالوا: أول من صنف مسندًا الإمام أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي، البصري الحافظ الثقة. ولد في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وتوفي بالبصرة سنة ثلاث أو أربع ومائتين، عن اثنتين وسبعين سنة”.

قيل: هو أول مسند صنف، ورُد بأن هذا صحيح لو كان هو الجامع له لتقدمه، لكن الجامع له غيره وهو بعض حفاظ خراسان، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة، وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر، وقيل: إنه كان يحفظ أربعين ألف حديث.

قال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- عن أبي داود الطيالسي: “الحافظ الكبير صاحب المسند، سمع يونس بن حبيب عدة مجالس مفرَّقة -أي: من أبي داود الطيالسي- فهي المسند الذي وقع لنا”. وقال الذهبي: “قال أبو بكر الخطيب: قال لنا أبو نعيم: صنف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود الطيالسي”.

ويونس بن حبيب هو أبو بشر العجلي مولاهم الأصبهاني. قال الحافظ الذهبي: “المحدث الحجة، روى عن أبي داود الطيالسي مسندًا في مجلد كبير”. قال ابن أبي حاتم: “كتبت عنه -أي عن يونس بن حبيب- وهو ثقة. توفي في سنة سبع وستين ومائتين”.

والأَولى أن يُضبط ذلك بالبلد فيقال: أول من صنف مسندًا ببلد كذا فلان. فأول من صنف مسندًا بمكة المكرمة أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي المكي، شيخ الإمام البخاري، المتوفى في سنة تسع عشرة ومائتين. قال الإمام الذهبي عنه: “الإمام الحافظ الفقيه شيخ الحرم صاحب المسند”.

وأول من صنف مسندًا بمصر الإمام أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد الأموي المصري، المعروف بأسد السنة، المتوفى في سنة اثنتي عشرة ومائتين، وأول من صنف مسندًا بالكوفة الإمام أبو محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، المتوفى في سنة ثلاث عشرة ومائتين.

قال الحاكم: “أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي”. قال ابن عدي: “يقال: إن يحيى بن عبد الحميد الحَمَّانِي الكوفي، المتوفى في سنة ثمان وعشرين ومائتين هو أول من صنف المسند بالكوفة، وأول من صنف المسند بالبَصرة مُسدَّد، وأول من صنف المسند بمصر أسد السنة، وأول من صنف مسندًا بالبَصرة الإمام مسدد بن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري، المتوفى في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وهو في مجلد لطيف، وله آخر قدْره ثلاث مرات، وفيه كثير من الموقوفات والمقطوع”.

وقال الدارقطني: “إنه أول من صنف مسندًا”. قال الخطيب: “وقد صنف أسد بن موسى مسندًا، وهو أكبر منه سنًا وأقدم سماعًا، فيحتمل أن يكون نعيم سبقه في حداثته”.

الغرض من التأليف على طريق المسانيد:

تجريد الحديث المرفوع من غيره، قام أصحاب المسانيد بجمع الحديث المرفوع مجردًا عن غيره من الآثار الموقوفة على الصحابة أو التابعين، كما لم يُعلقوا على الأحاديث إلا نادرًا، فيجمعون أحاديث كل صحابي على حدة، بغض النظر عن موضوع هذه الأحاديث كما سبق، وبالتالي خلت المسانيد من أسماء الكتب وتراجُم الأبواب.

طريقة ترتيب أسماء الصحابة داخل المسانيد:

رتب بعض أصحاب المسانيد أسماء الصحابة في مسنده على حسب أسبقيتهم إلى الإسلام، فقدم العشرة المبشرين بالجنة، كما فعل الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، وسيأتي الكلام على ذلك مفصلًا، وسار على هذه الطريقة أيضًا الإمام الحميدي في مسنده، فبدأ بمسانيد الخلفاء الراشدين الأربعة على ترتيبهم المعروف، ثم بمسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، إلا أنه لم يذكر مسندًا لطلحة بن عبيد الله؛ لأنه لم يُخرِّج له حديثًا أصلًا في مسنده.

ثم سار بعد ذلك على غير نظام واضح، ويبدو أنه راعى الأسبقية إلى الإسلام في الترتيب، والله تعالى أعلم.

ومسند الحميدي أحد عشر جزءًا، وعدد الصحابة الذين خَرَّج لهم أحاديث مائة وثمانون صحابيًّا، والكثير منهم ليس له في المسند إلا حديثًا واحدًا، وعدد أحاديث المسند ألف وثلاثمائة حديث، وكذلك سار على هذه الطريقة الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده.

رتب بعضُ المؤلفين أسماء الصحابة داخل مسنده على حسب الترتيب الهجائي لأسماء الصحابة، وهؤلاء قليلون. رتب بعض المصنفين مسنده على مسانيد الصحابة، وهو في نفس الوقت مصنَّف، منهم: أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد، الأندلسي القرطبي الحافظ شيخ الإسلام، المتوفى في سنة ست وسبعين ومائتين، فهو مسند وفي نفس الوقت مصنَّف؛ فهو مسند لأنه رتبه على مسانيد الصحابة، ومصنف لأنه رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه، ورتب الصحابة داخل المسند بحسب روايتهم كثرة وقلة، فبدأ بالمكثرين من الصحابة، ورتب المكثرين بحسب روايتهم ترتيبًا تنازليًا، حتى وصل إلى الذين رووا حديثًا واحدًا، وهؤلاء يطلق عليهم الوُحْدَان.

قال ابن حزم: “مسند بَقِي روى فيه عن ألف وثلاثمائة صحابي ونيف، ورتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنف، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه في الحديث”.

جمع بعضُ المؤلفين مسانيد المكثرين من الرواية في الحديث فقط في كتاب خاص بهم، ومسانيد المُقلين من الرواية من الصحابة في كتاب خاص بهم.

جعل بعضُ المؤلفين أحاديث الصحابي الواحد في مصنف خاص بهذا الصحابي، كـ (مسند أبي هريرة) رضي الله عنه للإمام الطبراني. جمع بعض المصنفين الحديث على حسب العشائر التي ينسب إليها الصحابي، أو على حسب الأمصار التي عاشوا فيها، كمسانيد المدنيين، أو مسانيد البِصريين، كـ (مسند الشاميين) للإمام الطبراني.

المسانيد ليست في درجة واحدة. قال الحافظ ابن حجر: “بعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي، فأخرج أصح ما وَجد من حديثه، كما روينا عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في مسنده أصح ما وَجده من حديث كل صحابي، إلا ألا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق فإنه يُخرِّجه، ونحى بقي بن مخلد في مسنده نحو ذلك”.

وكذا صنع أبو بكر البزار قريبًا من ذلك، وقد صرح ببعض ذلك في عدة مواضع من مسنده، فيُخرج الإسناد الذي فيه مقال، ويذكر علته، ويعتذر عن تخريجه بأنه لم يَعرفْه إلا من هذا الوجه.

وأما الإمام أحمد فقد صنف أبو موسى المدِيني جزءًا كبيرًا، ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن الإمام أحمد انتقى مسنده، وأنه كله صحيح عنده، وأن ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات، وإن كان أبو موسى قد ينازَع في بعض ذلك، لكنه لا يَشك منصف أن مسند الإمام أحمد أنقى أحاديث وأتقن رجالًا من غيره.

وهذا يدل على أنه انتخبه، ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عبد الله بن الإمام أحمد عنه، أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها.

error: النص محمي !!