Top
Image Alt

المسرحية، ودورها كجنس أدبي

  /  المسرحية، ودورها كجنس أدبي

المسرحية، ودورها كجنس أدبي

وهذا الكلام يصدق أيضًا على جهود رواد المسرح العربي في أن يدخلوا عندنا هذا الجنس الأدبي، الذي يقوم بوجه عام على الصراع؛ الصراع بين دولتين أو طبقتين أو فكرتين أو أسرتين أو شخصين، أو بين العقل والعاطفة، أو بين عاطفتين كالرغبة في عمل شيء ما، والخوف من الفضيحة الاجتماعية أو من العقاب الإلهي.

وفي المسرح اليوناني الوثني قد يكون الصراع بين الآلهة والبشر، ومن ناحية أخرى قد يكون الصراع خارجيًّا، كما في حالة الصراع بين شخص وآخر، أو بين دولة وأخرى، وقد يكون داخليًّا، وهو ما يحدث عندما يكون الصراع في داخل الشخص نفسه بين عقله وعاطفته مثلًا.

كذلك يمكن النظر إلى الصراع من زاوية أخرى؛ فثم صراع اجتماعي، وصراع سياسي، وصراع ديني، وصراع عسكري، وصراع نفسي، وصراع فكري، ومن ناحية رابعة قد يكون هذا الصراع مستمدًّا من التاريخ، وقد يكون مستمدًّا من الأساطير، وقد يكون مستمدًّا من واقع العصر الذي كتبت فيه المسرحية وهكذا.

وهذا الصِّراع يتم دائمًا من خلال الحوار؛ إذ المسرحية هي الفن الوحيد الذي يكتب كله حوارًا، فلا سرد ولا وصف، ولا تحليل، بل حوار وحوار فقط، مع بعض التعليمات التي يُسَجّلها المؤلف في أول بعض المشاهد، كي يراعي المخرج عند تحويل المسرحية من كتاب يقرأ إلى تمثيل يشاهد.

ولا يُمكن حصر الغاية من التأليف المسرحي في شيء واحد، بل هنالك أهداف متعددة منها: التسلية والمتعة، ومنها الإثارة وإبعاد الملل، ومنها تمجيد بعض القيم الوطنية أو الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية، أو حتى اللا أخلاقية، ومنها كذلك إفشاء المعرفة.

فكاتب المسرحية أراد أم لم يرد يطلع قراءه ومشاهديه على تجارب مطالعات وأفكار وتحليلات، كثيرًا ما لا يدرون عنها شيئًا أو لا يدرون عنها شيئًا ذا بال، أو يدرون لكنه يعرضه عليهم من زاوية جديدة لا عهد لهم بها، أو على نحو أعمق، أو بطريقة أبهر أو أكثر تأثيرًا، وهذا كله علاوة على ترقية الذوق الأدبي والفني بطبيعة الحال.

وفي المسرحية شخصيات، وثم مواصفات ينبغي أن تحقق في رسم هذه الشخصيات المسرحية، إذ لا بد من أن تكون كل شخصية من التمايز بحيث تبقى في الذهن بعد انتهاء القارئ أو المشاهد من المسرحية، وهو ما يتحقق برسم معالمها الخارجية من ملامح وملابس، وطريقة مشي ونطق، وكذلك عناصرها الداخلية من تفكير ومشاعر وانفعالات وأخلاق، وخلفيتها الاجتماعية، مثل كونها أبًا أو أمًّا أو ابنًا أو بنتًا أو عاملًا أو مديرًا أو مدرسًا أو شحاذًا… إلخ.

ولا بد في كل ذلك من الإقناع أي: أن تسير الشخصية طبيعية لا تصنع في رسمها، ولا إكراه لها على التصرف بطريقة لا تتسق معها، وأن تكون حية متطورة لا ساكنة جامدة، لا يعتريها التغير مهما مر عليها من أحداث، واشتبكت فيه من صراعات.

ثم عِندنا الحوار، وما أدراك ما الحوار في المسرحية؛ فهو كما وضحنا كل شيء تقريبًا في فن المسرح، فعن طريقه نلم بكل ما يريد المؤلف تعريفنا به، إذ نحن لا نعرف أي شيء عن أي شخص، أو عن أي أمر إلا من خلال الحوار، أي: أن الحوار المسرحي يقوم بوظيفة السرد والوصف والحوار في القصة، فإذا أراد المؤلف أن يتحدث عن شخص ما فليس أمامه إلا أن يسوق لنا ما ينبغي لنا أن نعرفه عنه، على السنة المتحاورين.

ونفس الشيء إذا كان هناك حادث وقع وأراد أن يُطلعنا عليه إذ لا سبيل له إلا أن يُنطق بالحديث عنه إحدى الشخصيات، على أن يتم الأمر بتلقائية، أي: بطريقة تستلزمها الأحداث والصراعات التي في المسرحية لا أن يؤتى به مجتلبًا دون أن يكون هناك ما يدعو إليه.

ومن خلال الحوار تتضح شخصية المتكلم أول ما تتضح، كذلك ينبغي أن يكون الحوار محكمًا لا ثرثرة فيه، بل ينبغي أن يكون لكل كلمة وكل جملة دور في دفع حركة المسرحية إلى الأمام؛ حتى تبلغ تمامها، أما الفضول فلا مكان له هنا. وعلاوة على هذا لا بد من إتاحة فرصة عادلة لكل الشخصيات للحوار، وإلا أصيب الحوار بالترهل أو الشلل.

وهنا نصل للهجة الحوار في المسرح؛ فهل يا تُرى يَنبغي أن يتحدث المحاورون في المسرحية بالفصحى أو العامية؟ فأمّا المسرحيات التاريخية والفكرية المترجمة والمنظومة شعرًا؛ فهي عادة ما تكون فصحاوية الحِوار، لكن المشكلة والخلاف في المسرحيات العصرية، ففريق يجري في حواره على الأسلوب الفصيح كمسرحية أحمد شوقي “الست هدى” ومسرحيات “باكثير” ومعظم مسرحيات الحكيم.

وقد استعرض الدكتور “ممدوح” في الفصل الذي خصصه للمسرح في كتابه (الأدب وفنونه) حُجَج الفريقين، ويبدو من كلامه أنه يميل نحو استعمال الفصحى؛ بُغية الارتقاء بمستوى الجمهور الثقافي واللغوي، بدلًا من تركه حيث هو بعيدًا عن ذلك الرقي اللغوي والثقافة الرفيعة التي ترتبط به.

وهو يَسْتَشهدُ في هذا المجال بما هو موجود في بريطانيا وفرنسا وغيرها من بلاد أوربا التي لا تختلف فيها لغة الكتابة عن لغة الحديث، كل ذلك الاختلاف الحاصل في بلاد العرب. إذ لا يقدم المؤلفون المسرحيون هناك على الكتابة باللهجات العامية، اللهم إلا عند تطعيم بعض المتحاورين من العوام بمصطلح أو تعبير ذي نكهة عامية؛ للإيحاء بالبيئة التي أتوا منها، وبمستواهم الفكري والنفسي، وهو ما يدعو إلى استلهامه في مسرحياتنا التي من هذا النوع، مع الإبقاء على الفصحى وسيلة للحوار بوجه عام.

وكانت المسرحيات في بُداءة أمرها تنظم شعرًا، ثم تحولت مع مرور الزمن فصارت تكتب نثرًا في العصور الحديثة، إلى جانب كتابتها شعرًا، وإن كان الغالب عليها الآن النثر لا الشعر.

وتتكون المسرحية من فصول ومشاهد، وكانت قديمًا تشتمل على خمسة فصول لا تزيد ولا تنقص، كما كانت تلتزم بما يسمى بالوحدات الثلاث، أي: أن يكون لها موضوع واحد، وأن تقع في يوم وليلة لا تزيد عليهما، وأن تدور أحداثها كذلك في مكان واحد؛ فلا تزيد دائرة المكان الذي تجري فيه الوقائع، عن المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الشخص خلال يوم كامل.

إلا أن ذلك كله قد تغير مع القرون، فلم يعد هناك حد أعلى لشيء من هذا، على ما هو معروف في المسرحيات الحديثة؛ إذ لم يعد هناك داع للاستمساك بها، بعد أن تطورت وسائل المواصلات، بحيثُ يستطيع الإنسان أن يتنقل خلال الأربع والعشرين ساعة في مساحة من الأرض، لم تكن تخطر على بال الأقدمين الذين وضعوا هذا القيد على المؤلفين المسرحيين.

ولا بد كذلك أن يكون للمسرحية نهاية؛ فلا تبتر بترًا، بل ينبغي أن يشعر القارئ والمشاهد أن الأمور قد وصلت إلى نهايتها الطبيعية، بغض النظر عن أن تكون تلك النهاية مريحة أو مزعجة، سعيدة أو شقية، تتفق مع ما يريده المستقبل للعمل أو لا، وإلا أحس أنه أخذ على غرة، وبقي فضوله قلقًا ومقلقًا له، وهذا أمر جد مزعج.

إن المسرحية تقوم على عنصر التشويق، وهو العنصر الذي يدفع مستقبل العمل إلى متابعته، بغية الوصول إلى نهاية شافية مريحة؛ فإذا بتر المؤلف المسرحية بترًا كان هذا بمثابة حرمان الظامئ من كوب الماء الذي أعطيته إياه ليشرب، ثم لم تتركه يطفئ غوار عطشه، بل انتزعته منه قبل أن يفعل.

ومن أقدم المسرحيات في الآداب العالمية المسرحيات الإغريقية، التي كان لنشأتها علاقة بعقائد اليونان الوثنية، إذ كان الإغريق يؤمنون بآلهة متعددة كـ”دونيزيوس” إله النماء والخصب، وقد اعتادوا أن يقيموا له حفلين:

أحدهما: في أوائل الشتاء بعد جني العنب وعصره خمرًا، حيث يسود المرح وترتل الأناشيد الدينية، وتعقد حلقات الرقص ويصدح الغناء، ومن هذا الدرب المرح نشأة “الملهاة” أي الكوميديا.

الحفل الثاني: فكان يقام أوائل الربيع، حيث يكون الكرم كان قد جف، واتخذت الطبيعة وجهًا متجهمًا، وهو حفل حزين تطور فيما بعد إلى “المأساة” أي: التراجيديا.

وكان التمثيل في أول نشأته يتكون من الرقص، وبعض الأناشيد والأغاني التي تعبر عن حزن الناس لغياب الآلهة، والابتهال له لكي يعود سريعًا، ثم تقمص أحدهم شخصية “دونيزيوس” فكانت الجوقة تشير إليه، وهو في مكان مرتفع ثم أدخل الحوار بينها وبين الجوقة، وكان الممثلون يظهرون وسط المشاهدين في أشكال نصفها العلوي بشري، ونصفها السفلي معزي، ومن هنا اشتق كلمة تراجيدي، إذ هي مركبة من كلمة أغنية وكلمة جدي باليونانية.

وأخيرًا وضع “أسخيلوس” في القرن الخامس والسادس قبل الميلاد أول مسرحية شعرية بعنوان “الضارعات” وكان فيها ممثلان رئيسيان إلى جانب الفرقة، ثم ظهر “سوفوكليس” فادخل ممثلًا ثالثًا إلى المسرحية، وقوّى جَانِبَ التمثيل على حساب الغناء، وهو ما أدى إلى تقدم سريع في الحوار المسرحي بدل ترانيم الجوقة، وكان أول من مثل بنفسه هو “تسبس” سنة خمس وثلاثين وخمسمائة قبل الميلاد.

وعن اليونان أخذ العالم هذا الفن، وهو يعد “أسخيلوس” و”سوفوكليس” و”يوربيدس” أعظم رواد التراجيديا في اليونان القديمة، في حين يعد “ارستوفانيس” قائد الكوميديا عندهم.

والسؤال الآن هو: هل عرف أدبنا العربي القديم هذا الفن الأدبي؟ والجواب هو أنه لم يعرف فن المَسرح الذي نعرفه الآن، وإن كان قد عرف بعض أشكال أخرى ساذجة، لا تخلو من بعض العناصر التمثيلية كالذي كان يصنعه أحد المتصوفة في عصر المهدي الخليفة العباسي، إذ كان يأتي برجال فيجلسهم أمامه، واحدًا بعد الآخر بوصفهم صحابة رسول الله، ثم يأخذ في تعداد أعمال كل صحابي جالس أمامه، ومآثره لينتهي قائلًا لمن حوله: اذهبوا به إلى أعلى عليين.

وفي القرن الثالث الهجري أيام “المعتضد بالله العباسي” كان هناك اسمه “المغازلي” يستطيع تقليد الشخصيات المختلفة “كالأعرابي” و”الزنجي” مع تقديم بعض المشاهد الصادقة من حياتهم وتصرفاتهم، ولدينا أيضًا “خيال ظل” الذي برع فيه “ابن دانيال” في القرن السابع الهجري، وهو لون من الفن التمثيلي، وإن لم يكن الممثلون بشرًا بل أشكال على هيئة الرجال والنساء، مصنوعة من الجلد أو من الورق المقوى، ووراءها نورٌ يُظهر ظِلالها على ستارة تنصب بينها وبين المشاهدين، في الوقت الذي يُحرك تلك العرائس الورقية أو الجلدية رجل ماهر على النحو الذي يتطلبه الدور.

وكان هُناك في مصر قبل ابتلائها بالحملة الفرنسية ممثلون مسرحيون فكاهيون، هم الحكاواتيون يؤدون أدوارهم في الأماكن العامة، أو في بيوت الكبراء، كما اكتشف نصان مسرحيان عاميان بعنوان: “سارة وهاجر” و”سعد اليتيم” ما زالا يُقدمان حتى اليوم في قرى الفيوم عند الاحتفالات الشعبية.

ولا ننسى تمثيلية خروج “الحسين” من المدينة قاصدًا العراق، ذلك الخروج الذي انتهى بمقتله في كربلاء رضي الله  عنه إذ كانت الشيعة منذ القرن السابع الهجري تحتفل به، وتمثل ما حدث في تلك الواقعة، وهو ما يطلق عليها التعازي الشيعية، وفيها يقوم بعض الأشخاص بأدوار “الحُسين” وآله وخصومهم، وكانت تلك المشاهد تمثل كل عام في ذكرى كربلاء. فهذا وأمثاله ما كان موجودًا في تراثنا، وهو الذي عبد الطريق إلى دخول المسرح كما تعرف أوربا عندنا في العصر الحديث.

وهذا يقودنا إلى سؤال آخر هو: ما العوامل المسئولة عن عدم ظهور فن المسرح في أدبنا القديم، كما ظهر عند الإغريق والرومان مثلًا؟ هناك نظريات متعددة في هذا التعليل؛ فبناء على أن المسرح هو فن الصراع، وأن الحرية الإنسانية أساس ذلك الصراع الذي قد يكون صراعًا عموديًّا أي: صراعًا بين الإرادة البشرية، والإرادة الإلهية، أو صراعًا أفقيًّا بين الفرد والمجتمع، أو صراعًا ديناميكيًّا بين العفوية البشرية والقدر، أو صراعًا داخليًّا بين الإنسان ونفسه، ينفي “محمد عزيزة” الباحث التونسي صاحب هذه التقسيمات إمكانية أن يكون هناك صراعًا عموديًّا عند المسلمين، إذ لا يتصور وجود إرادة بشرية إلى جانب الإرادة الإلهية. وبالمثل نراه يزْعُم أنّ المُسلم لا يستطيع أن يواجه مجتمعه، ويدخل في صراعٍ معه، وإلّا عُدّ كافرًا.

أما اللونُ الثالث من ألوان الصراع؛ فيستلزم حسبما يقول، أن يكون شعورنا بالتاريخ شعورًا دراميًّا، على حين أن كل شيء لدى المسلم هو أمر حتمي مكتوب، لا سبيل إلى تغييره، وبخاصة أنه يؤمن بأن تلك الحتمية هي حتمية عادلة.

أما النوع الرابع فلا بد له -كما يقول “عزيزة”- من شعور الشخص بالفردية، تلك النّزعة التي لا وجود لها عند المسلم في رأيه، وهذا الكلام موجود في كتابه (الإسلام والمسرح) الذي ترجمه عن الفرنسية الدكتور “وفيق الصبان”.

والناظر في هذا الكلام يدرك لأول وهلة ما فيه من سذاجة مضحكة، أو استبلاه مدهش، إذ يكفي أن ينظر الإنسان حوله في معظم بلاد المسلمين، وبالذات في البلاد العربية؛ ليرى أن عندنا الآن مسرحًا وكتابًا مسرحيين ومسرحيات من كل نوع، رغم أننا لا نزال بحمد الله مسلمين، كما كان أجدادنا مسلمين، فكيف يفسر “عزيزة” ومن نقل عنه ذلك من المستشرقين، هذا الوضع الذي يكذب كل ما زعمه وادعاه؟.

وبالنسبة للنوع الأول: ألا يمكن أن يكون الصراع بين إرادة المشركين وبين دين الله مثلًا؟! أو بين شهوة الإنسان المسلم، وخوفه من عقاب ربه؟ أمّا الصِّراع الثاني؛ صراع الفرد المسلم مع مجتمعه، فهو لم يتوقف يومًا، فقد نشذ الخوارج مثلًا عن ذلك المجتمع ولم يكفرهم أحد، وبافتراض أنه كان هناك تكفير، فهل منعهم ذلك أو منع سواهم من التمرد والخروج؟.

وحتى ولو تحرج الكاتب المسرحي المسلم من طرق ذلك الموضوع، ألا يمكنه أن يؤلف مسرحية تقوم على صراع بين شخص مسلم ومجتمعه غير المسلم، كما كان الوضع مثلًا أيام محاكم التفتيت في أسبانيا قبل عدة قرون، عِندما كان المسلمون يسامون سوء العذاب ويقتلون، بل إنه لمن الممكن أيضًا أن يتخذ هذا اللون من الصراع مسارًا معاكسًا؛ إذ كان في المجتمع المسلم على عهد النبي منافقون ويهود، يعملون دائمًا على تقويم ذلك المجتمع، ومن ثم يمكن تأليف مسرحية تدور على الصراع الذي كان بين كل من هاتين الطائفتين من ناحية، والرسول ومعه جماعة مؤمنة من ناحية أخرى.

كذلك كيف يقال: إن الضرب الثالث من الصراع لا يتصور وقوعه في مجتمع مسلم، مع أن المسلم مطالب أن يبذل دائمًا أقصى جهده لتغيير المنكر؟ إن هذا معناه بكل بساطة أن سبب اعتقاد المسلم أن كل شيء حتمي ومقدر سلفًا، ومن ثم لا يجوز دينًا أن يحاول تغييره، هو زعم سفيه، وهذا من الناحية الشرعية، وإلّا فالمُسلم ككل إنسان كثيرًا ما يسخط على وضعه، ويتمرد على الظروف التي خلقت هذا الوضع، ويعمل بكل ما في وسعه على تغييرها إلى الأفضل، وإلا فكيف نفسر كل ما بذله المسلمون على مدار تاريخهم الطويل من جهد لتحسين أحوالهم؟.

إنّ القول بغير هذا هو في الواقع خلل في المنطق والتفكير، أما تصوير المسلم على أنه هادئ النفس أبدًا، لا يعرف التناقضات الداخلية ولا الصراع بين مطامحه وقدراته، أو بين عواطفه والشعور بالواجب مثلًا؛ فهو تصوير يدل على سطحية الفهم، ثم إن حصر الصراع في هذه الألوان الأربعة هو تضييق وضيق أفق؛ لأن أنواع الصراع لا تنتهي، فصراع بين الزوج والزوجة، وصراع بين الحماة وكنتها، وصراع بين الطلبة وأستاذهم، وصراع بين حزب سياسي وآخر، وصراع بين دولتين وصراع بين طبقتين، وصراع بين طائفتين، وصراع بين حاكم وشعب، وصراع بين اثنين من مهنة واحدة، وصراع بين الجيران، وصراع بين مذهبين أو فكرتين أو ذوقين… إلى آخره.

بل يمكن أن تقوم مسرحية من دون صراع، فقد يؤلف أحدهما مسرحية تدور على التوتر الذي يصطلي ناره شخص ما في موقف من المواقف.

وهناك سبب آخر في نظر “عزيزة” أيضًا وهو: الادعاء بأن اللغة العربية لغة متجمدة لا تلائم متطلبات الدراما؛ فهي حين تُعَبّر عن تجربة ما، إنّما تلجأ إلى القوالب التعبيرية المحفوظة، ولا تهتم بنقل التجربة كما يعيشها صاحبها، وهذا كلام فارغ كله تنطع وتفاهة، فليست هناك لغة يمكن اتهامها بتلك التهمة؛ فضلًا عن أن تكون تلك اللغة بالذات هي اللغة العربية المشهورة بغناها ومرونتها، وإبداعاتها الغزيرة المتنوعة.

لكن قد يكون هناك في بعض العصور الأدبية طائفة من المؤلفين تبرز في كتاباتهم القوالب المحفوظة على حساب غيرها من التعبيرات التلقائية، وهذا شيء آخر غير ما يتحدث عنه “عزيزة” وهو موجود في كل اللغات والآداب في بعض الفترات التاريخية، وعلى أية حال فقد عرفت اللغة العربية في العصر الحديث فن المَسرح؛ فهل تغيرت بحيث أصبحت الآن تتسع للإبداع المسرحي؟ إنها بكل يقين لم يطرأ عليها شيء جذري البتة؛ فماذا يقول المتنطعون السطحيون في هذا؟.

وهناك من يقول: إن العقلية العربية نزاعة إلى التجريد لا التفصيل، هذا التفصيل الذي تستلزمه الدراما، وقائل هذا هو الدكتور “عز الدين إسماعيل” ولا أعرف على أي أساس استند في دعواه العجيبة تلك، وكنت أود لو أنه بدلًا من إرسال القول على هذا النحو المتعسف، قد ساق على دعواه تلك ما يلزمه من الأدلة والشواهد، طبقًا لما يقضي منهج العلم، ولكنه لم يفعل، ومن ثم فرأيه بهذا الشكل لا قيمة له، وبخاصة أن العرب قد تركوا وراءهم شعرًا وقصصًا، ورسائل، ورحلات، وتجارب ذاتية وغيرية مملوءة بالتفصيلات الحية، والدقائق الملونة، والصور الواقعية مما يعرفه من له أدنى تماس مع نتاجهم الأدبي الغزير. ويجد القائل لرأي الدكتور “عز الدين إسماعيل” في كتابه (قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر).

وهناك من يرى: أنّ السبب في عدم معرفة العرب بفن المسرح، يَكْمُن في أن الإسلام قد منع نقل المسرح الإغريقي القائم على الوثنية وآلهتها، وعلى الصراع بين الآلهة والبشر، وهو رأي قال به الدكتور “محمد مندور” في كتابيه (المسرح) و(الأدب وفنونه) وكذلك توفيق الحكيم في مقدمة مسرحيته “الملك أوديب” ومعنى هذا الكلام: أن المسلمين اطلعوا على المسرح الإغريقي، وما فيه من وثنية تخالف الإسلام؛ فنفروا من ترجمته.

لكن لم يحدث أن ساق “مندور” أو “الحكيم” أو غيرهما أي شيء يدل على معرفة المسلمين للمسرح الإغريقي، ولو كانوا عرفوا ذلك المسرح ما أخطأ كبار تراجمتهم وفلاسفتهم كـ”متّى بن يونس” و”ابن رشد” و”ابن سينا” في ترجمة مصطلحي التراجيديا والكوميديا فقالوا: إنّ المقصود بهما المدح والهجاء.

ولمندور تعليل آخر ذكره في كتابه (المسرح) ملخصه: أنه قام بالمقارنة بين الشعر العربي القديم وأشعار الأمم الأخرى؛ فوجد أن ذلك الشعر يتميز بخاصتين كبيرتين، هما الخطابية والوصف الحسي، وهاتان الخاصتان لا تصلحان للدراما؛ التي تحتاج إلى الحوار مختلف النغمات، لا الخطابة الرنانة، وإلى خلق الحياة الشخصية وتصوير المواقف والأحداث، لا مجرد الوصف الحسي كما كتب.

ويحق لنا أن نتساءل إزاء هذا الغلو الخطير، متى وكيف وأين يا ترى قام “مندور” أو غير “مندور” بمثل تلك المقارنة؟ وما عدد اللغات التي كان يعرفها سيادته؟ إنه لم يكن يعرف إلا الفرنسية وإلا الإنجليزية إلى حد؛ فهل يستطيع من هو في مثل وضعه هذا، أن ينهض بتلك المقارنة التي تحتاج إلى طوائف من النقاد ومقارني الآداب، تعرف كل لغات العالم، وتجمع أشعار العرب ونظيراتها لدى الأمم الأخرى، وتعكف على كل هذا إلى أن تخرج بما تضع عليه يدها من نتائج. وأين دكتور “مندور” من هذا كله؟.

ثم من قال: إن الشعر العربي جميعه شعر خطابي ذو وصف حسي؟ إنه كأي شعر في العالم فيه الخطابية، وفيه الهمس والنجوى، وفيه الانعزال عن الحياة، وفيه الانغمار في الحياة والانشغال بمشاكلها، وفيه الوصف الحسي، وفيه الوصف الباطني، وفيه التأمل الفكري، وفيه التحليل العاطفي، وفيه القصص والحوار.

أما ما يقوله “مندور” فهو كلام في الهواء لا يثبت شيئًا، ولا يدل على شيء، سوى أن صاحبه لا يبالي بما يقول، وهو مسلك خطير. وكثير من الشعر العربي القديم يفيض بالقصص والحوار الذي يعكس نفسية كل متكلم.

إن دكتور “مندور” حين يقول ما قال، إنّما يُوحي بأنه لا علم له بالشعر العربي؛ إذ لا يمكن أن يصدر قوله هذا عن رجل يعرف هذا الشعر ولو معرفة بسيطة، وهذا أمر لا يليق.

والواقع أن حسم القضية الخاصة بعدم معرفة العرب للمسرح، هو أمر ليس من السهولة بمكان؛ فلم يعد هناك عَربٌ يُمكن أن نسألهم عن السر في ذلك مثلًا؛ فأصبح البحث في المسألة كأنه بحث في ما وراء الطبيعة.

وربما كان لصعوبة ظروف المعيشة التي كان يعيشها العرب دخل في ذلك، إذ لم تكن تدع لهم فرصة لالتقاط الأنفاس، والاهتمام بمثل ذلك الفن المعقد؛ لأنهم كانوا في حل وترحال، جريًا وراء الماء والكلأ، وكانت المعارك تشتعل بينهم لأتفه الأسباب؛ كما كانت النزعة الفردية متسلطة عليهم، اللهم إلا فيما تمليه عليهم الحياة إملاء لا معدى عنه كالحرب، وتنظيم القوافل مثلًا.

والمسرح يحتاج إلى جهود في الإخراج والتمثيل، وإعداد المسرح ومستلزماته، وفوق هذا فالتمثيل يقتضي اختلاط الرجال بالنساء، ولا أظن النفسية العربية في ذلك الوقت كانت تسيغه أو تسيغ قيام الرجل بدور المرأة على المسرح.

ثم إن عدم وجود مواد سهلة ورخيصة للتدوين -وهذا لو أغضينا الطرف عن انتشار الأمية فيهم إلى مدى بعيد- من شأنه أن يقوم عقبة دون ظهور المسرح؛ إذ تحتاج المسرحية الواحدة في كتابتها إلى عشرات الصفحات.

وهناك رأي آخر ظهر في الفترة الأخيرة، يقول: بأن العرب عرفوا فن المسرح منذ الجاهلية، وصاحب هذا الرأي هو الكاتب الإسرائيلي ذو الأصل العراقي “شموئيل” أو “سامي موريه” ففي كتابه (المسرح البشري في البلاد العربية خلال القرون الوسطى) يرفض “موريه” ما يقوله معظم الباحثين من أن العرب لم يعرفوا فن المسرح إلا في العصر الحديث، جراء احتكاكهم بالثقافة الأوربية؛ مؤكدًا على العكس من ذلك أنهم عرفوا هذا الفن منذ الجاهلية، وكان يسمى عندهم بالخيال، وذلك قبل انتقال “خيال الظل” إلى البلدان الإسلامية بقرون.

كما عرفوا مسرحًا يقوم فيه الممثلون بعروض أمام الجمهور يختلف عن في شكله عن المسرح الأوربي، فهو نوع خاص من العروض المسرحية التي تعتمد في الأساس على الحوار والأزياء والحركة وغيرها من عناصر المسرح.

ثم يتابع كلامه قائلًا: إن المستشرقين نظروا إلى المسرح العربي من وجهة نظر أوربية؛ فكانوا يبحثون عن الشكل المسرحي الأوربي في الثقافة العربية. ومن هنا كان إنكارهم معرفة العرب قديمًا لهذا الفن.

ثم تابعهم الباحثون العرب في هذا الرأي دون أي محاولة للتعرف إلى المصطلحات المسرحية العربية التقليدية بصورة دقيقة؛ غافلين بذلك عن أن فن المسرح هو ابن البيئة والثقافة والدين. ومن ثم كان لكل شعب شكل خاص منه، لا يتطابق بالضرورة مع غيره من الأشكال المسرحية.

كذلك يؤكد الباحث الإسرائيلي أنه في الوقت الذي تطور فيه المسرح الأوربي، عن الطقوس الدينية، فإن المسرح العربي تطور عن اللهو والتقليد، والسخرية من الخصوم ونقد تصرفاتهم، ثم انتقل إلى نقد تصرفات القضاة والحكام.

وعلى أية حال؛ فقد عرفت البلاد العربية فن المسرح كما يعرفونه في الغرب، بدءًا من دخول الفرنسيين مصر في أواخر قرن الثامن عشر، إذ أقاموا بعض المسارح الخشبية للترويح عن جنودهم وضباطهم، وكان بعض المصريين يسترقون النظر من خلال الأخصة، التي بين تلك الألواح، وإن كان كل ذلك قد انقضى بخروج أولئك المجرمين من مصر أوائل القرن التاسع عشر.

ويقول المؤرخون: إن “مارون النقاش الشامي” هو مؤسس المسرح العربي، وربما سبقه “يعقوب صنوع” الملقب بـ”أبو نظارة” إلى هذا الأمر، وقد كان “مارون” قد زار إيطاليا، واطلع على فن التمثيل هناك فأعجب به إلى حد بعيد، وفكر في نقله إلى بلاده، وبين رواد هذا الفن في مصر “سليم النقاش” الذي أنشأ مسرحًا في الإسكندرية عام ستة وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد. وتلا ذلك ظهور فرق شامية أخرى منها: “فرقة أبو خليل القباني” و”فرقة يوسف خياط” و”فرقة إسكندر فرح”.

ثم ظهرت فرق مصرية صميمة كـ”فرقة سلامة حجازي” و”فرقة جورج أبيض” و”فرقة محمد تيمور” و”فرقة عبد الرحمن رشدي” و”فرقة نجيب الريحاني” و”فرقة يوسف وهبي” و”فرقة فاطمة رشدي” ثم أنشأ معهد التمثيل بالقاهرة في أوائل الثلاثينات من ذلك القرن، وبعده بعدة سنوات تكونت الفرقة القومية، ثم تتابع المطر واستمر مريره في أرض الكنانة، وفي بلاد العروبة كلها تقريبًا.

وقد بدأت الكتابة المسرحية أيضًا باستيحاء المسرح الفرنسي والإيطالي والأخذ عنهما، مع إجراء بعض التعديلات التي تتقارب مع ذوق الجمهور وثقافته، كما ظهرت بعض الأعمال المسرحية المؤلفة، مع وضوح تأثرها بالأسلوب الأوربي في رسم الشخصيات، وتطور الأحداث وغير ذلك من أساليب الكتابة المسرحية.

وقد استمرت هذه البدايات وهكذا إلى ما يقرب ثلاث أرباع القرن تقريبًا، ثم جاء الاقتباس عن اللغة الإنجليزية متأخرًا، حيث احتلت مسرحيات “شكسبير” مكان الصدارة في هذا المجال، وكانت أولى مسرحياته التي قدمت على خشبة المسرح العربي هي: “روميو وجولييت” عام ألف وثمانمائة وواحد وتسعين للميلاد، ثم “هاملت” عام ألف وتسعمائة وخمسة للميلاد، ثم “عطيل” عام ألف وتسعمائة وثمانية للميلاد، ثم كثر المؤلفون المسرحيون تباعًا.

ومن أهم المؤلفين المسرحيين “أحمد شوقي” و”عزيز أباظة” و”عبد الرحمن الشرقاوي” و”صلاح عبد الصبور”، و”محمد إبراهيم أبو سنة”، و”توفيق الحكيم”، و”محمود تيمور”، و”باكثير” و”محمود دياب”، و”مصطفى الحلاج”، و”سعد الله ونوس”، و”ممدوح عدوان”، و”رشاد برغوث”، و”سهيل إدريس”، و”برهان الدين العيوشي”، و”سميح القاسم”، و”يوسف العاني”، و”نور الدين فارس”، و”سعد الفرج”، و”صقر الرشود”، و”إبراهيم العريض” و”عبد الرحمن المعودة”، و”خالد أبو الروس”، و”عبد الله القويري”، و”الأظهر أبو بكر حميد”، و”أحمد إبراهيم الفقيه”، و”عز الدين المدني”… إلى آخره.

error: النص محمي !!