Top
Image Alt

المسلك الثاني: النسخ “تعريفه”

  /  المسلك الثاني: النسخ “تعريفه”

المسلك الثاني: النسخ “تعريفه”

ما زال حديثنا موصولا في مسالك العلماء في دفع التعارض الظاهري بين الأحاديث. وتكلمنا عن المسلك الأول وهو الجمع، ونتكلم عن المسلك الثاني وهو النسخ.

تعريف النسخ لغةً:

يطلق النسخ في لغة العرب على الإزالة، سواءٌ كانت محوًا أو تبديلًا ونقلًا، ومن الإزالة بمعنى المحو والإبطال والإعدام قولهم: نسخت الريح الأثر.

ومنه قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52]، الآية الثانية والخمسون من سورة الحج.

ومعنى: {فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ} أي: يزيل ويبطل الله ما يلقيه الشيطان من الوساوس، ومن النسخ بمعنى الإزالة إلى بدل وإحلال شيء محل آخر قولهم: نسخت الشمس الظل بمعنى أزالته حتى صارت في موضعه الذي كان فيه.

وقولهم أيضًا: نسخ الشيب الشباب، ومنه قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، أي: إذا أزال الله تعالى لفظ آية أو حكمها أو لفظها وحكمها معًا، أو أذهب بحفظها عن القلوب، فإنه تعالى يأتي بآية أخرى بدلها تكون خيرًا منها للعباد، ويكون العمل بها أكثر ثوابًا؛ إذ لا تفضيل لبعض الآيات على بعض، كما أفاده أبو البركات النسفي -رحمه الله- في (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) الجزء الأول الصحيفة الثامنة والستون.

ومن النسخ بمعنى الإزالة بالنقل قولهم: نسخت الكتاب أي: نقل الناسخ ما في الكتاب الأصل إلى صحفه وأوراقه، وليس في ذلك إعدام أو إبطال أو محو للكتاب بهذا النسخ.

ومنه قوله تعالى في سورة الجاثية الآية التاسعة والعشرون: {هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29].

أي: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم فتثبتها في الكتب، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَإِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}(10) {كِرَاماً كَاتِبِينَ}(11) {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12]. هذا عن معنى النسخ في لغة العرب.

أما عن تعريف النسخ في الاصطلاح:

قد عرفه الأصوليون بتعاريف عديدة، وعلى كل تعريف منها اعتراضات ومؤاخذات تطلب في مظانها من كتب القوم، وأقتصر على التعريف الذي في كتب علوم الحديث.

وهو قول الإمام النووي في (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير)، الذي شرحه الحافظ السيوطي في (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)، فقال: المختار في حده -أي: في تعريفه- أن النسخ رفع الشارع حكمًا منه متقدمًا بحكم منه متأخر.

(تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) الجزء الثاني الصحيفة التسعون بعد المائة، والمراد بقوله في التعريف: رفع الحكم قطع تعلقه عن المكلفين وانتهائه بانتهاء وقته، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا)).

رواه مسلم في (صحيحه) في كتاب الصيام باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل، الحديث الثاني ومائة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مطولًا وفيه قصة، الجزء الثاني الصحيفة التاسعة والثمانون وسبعمائة. فمن صام بعد ذلك اليوم الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا)) فليس نسخًا.

error: النص محمي !!