Top
Image Alt

المسير إلى حنين، وهزيمة هوازن

  /  المسير إلى حنين، وهزيمة هوازن

المسير إلى حنين، وهزيمة هوازن

عزم النبي صلى الله عليه  وسلم على المسير إلى حنين؛ حيث إن قبيلة هوازن كانت قد أعدت عدتها، وجمّعت جموعًا كثيرة تحت قيادة مالك بن عوف النصري، وقد بلغ الجمع نحوًا من عشرين ألفًا من القبائل، فقد اجتمعت ثقيفٌ كلها وكذلك مضر، وجشم، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال.

وكان مالك بن عوف لما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم ساق الناس كلهم، وأموالهم ونساءهم، وأبناءهم معهم، ونزل بأوطاس، ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم –أي: المسلمين- فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.

كما أنه بعث عيونًا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، قالوا: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بلق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، وكانت جنود الله عز وجل التي أيَّد بها نبيه صلى الله عليه  وسلم، ولكن ما ردَّ ذلك مالكًا عن عزمه.

وكان صلى الله عليه  وسلم لما سمع بأمرهم، بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم أمرهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم وسمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه  وسلم وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أخبر رسول الله صلى الله عليه  وسلم الخبر.

فلما أجمع صلى الله عليه  وسلم السير إليهم علم أن صفوان بن أمية عنده أدراع وسلاح، فأرسل إليه وهو يومئذ على شركه، فطلب منه أن يعيرهم سلاحه حتى يلقى المسلمون عدوهم، فلما قال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: ((بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك))، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، كما أنه حملها إليهم وتكفل بذلك.

وخرج صلى الله عليه  وسلم  بمن كان معه من المسلمين الذين فتح الله بهم مكة، وهم عشرة آلاف، وألفان من أهل مكة، فصاروا اثني عشر ألفًا.

لم يكن لرسول الله صلى الله عليه  وسلم خروج في غزوة من قبل بهذا العدد العظيم، وهنا قال الناس لن نغلب اليوم من قلة، فغضب النبي صلى الله عليه  وسلم لذلك، وكان هذا الأمر الذي ذكرته آية سورة براءة، بسم الله الرحمن  الرحيم: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين} [التوبة:25].

وهنا كان إعداد مالك إعدادًا محكمًا للقاء المسلمين، فإنهم سبقوا المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم، وبثوا كتائبهم في شعابه، ومنعطفاته، وبين أشجاره، وكانت خطتهم محكمة، تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر، الذي أتعب المسلمين في الوصول إليه والنزول إليه، كما كانت معنويات هوازن عالية؛ لأن قائدهم أوضح لهم أن المسلمين لم يلقوا مثلهم من قبل من حيث معرفتهم بالحرب، وشجاعتهم، وكثرتهم، وسلاحهم.

وقد تقدم المسلمون في الوادي قبل طلوع الفجر تتقدمهم الخيالة بقيادة خالد بن الوليد وفي طليعتها بنو سليم، ثم بقية الجيش في صفوف منتظمة.

ولما بدأ القتال تراجعت طلائع هوازن أمام تقدم المسلمين تاركين بعض الغنائم، لعلها كانت استدراجًا للمسلمين الذين أقبلوا على جمع الغنائم، وكأنهم حسبوا أن هوازن قد هزمت، ولكن هوازن فاجأتهم بالسهام التي انهالت عليهم، والتي أصابتهم وما أخطأتهم.

ولعل فتح مكة حينما جاء على ذلك النحو السهل وكثرة العدد جعل بعض المسلمين يدخلون هذه المعركة بغير اكتراث؛ حيث إن بعض المسلمين تعجلوا بالخروج دون استكمال عدة القتال.

وهنا كان هول المفاجأة التي كانت من هوازن، فرشقوا المسلمين رشقًا بسهامهم، كما وصف البراء بن عازب أحد شهود المعركة من الصحابة حينما قال: فانكشفت خيول المسلمين، ثم المشاة من بعدهم، وفر الطلقاء أي: أهل مكة، ثم الأعراب، وكذلك بقية الجيش، حتى لم يصمد إلا رسول الله صلى الله عليه  وسلم مع فئة قليلة حوله صمدت بصموده، منهم: العباس عمه  رضي الله  عنه وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر وعمر، وعبد الله بن مسعود، وجماعات.

ثم إنه صلى الله عليه  وسلم أمر عمه العباس وكان جهوري الصوت شديد الصوت أن ينادي في المسلمين ليرجعوا ويستحثهم يا أهل السمرة -أي: أهل الشجرة التي بايعوا النبي صلى الله عليه  وسلم عندها. وكان ذلك سببًا في عودة وإياب المسلمين إلى النبي صلى الله عليه  وسلم الذي ثبت في هذا الموقف وكان يقول: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب صلى الله عليه  وسلم)).

وكان لثبات النبي صلى الله عليه  وسلم ونداء العباس الأثر في أن يرجع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم يتلاحقون بعضهم على أثر بعض يلبون هذا النداء، حتى إن بعضهم ممن لم يتمكن أن يثني بعيره كان ينزل عنه آخذًا سلاحه ويترك البعير، فاشتد القتال من جديد، وهنا قال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((الآن حمي الوطيس، ثم إنه عليه السلام أخذ حفنة من التراب فرمى بها في وجوه الكافرين، وهو يقول: شاهت الوجوه، انهزِموا ورب محمد)) وهنا كان أمر الله عز وجل ونصره له، فإن هذه الكف من الحصباء أصابت عيون القوم وأفواههم، حتى إن أبناء بعض من شهدوا الوقعة مع هوازن قالوا: فما منا رجل إلا وقد امتلأت عينه وفمه بالتراب من هذه الحفنة التي رمى بها النبي صلى الله عليه  وسلم.

 وهكذا تحققت الآية حينما أعجبتهم كثرتهم، فلما فروا على رسوله وعلى المؤمنين وأمده بجنود من عنده وهنا تكمن الآية: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِين} [التوبة25 :26] وهكذا كانت الجولة الثانية بعد أن فر المسلمون ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم كانت هذه الجولة فيها نصر الله عز وجل.

فلم تلبث هوازن ومن معها حتى فروا راجعين يتعقبهم المسلمون بعيدًا عن حنين، قد تركوا وراءهم قتلى كثيرين، وأموالًا عظيمة، ونساءهم، وأبناءهم، ولم يتمكنوا من أن ينسحبوا على نظام حتى إنهم تركوا خلفهم شراذم الجيش تمكن المسلمين من القضاء عليهم بسهولة، فكانت خسارتهم في الأرواح خلال الهزيمة أعظم من خسارتهم في المعركة؛ لأنه صلى الله عليه  وسلم أمر المسلمين بتعقب الفارين وقتلهم لإضعاف شوكتهم حتى لا يعودوا إلى الاجتماع أبدًا بعد ذلك.

وقد نهى صلى الله عليه  وسلم عن قتل النساء عندما رأى امرأة مقتولة فقال: ((ما كانت هذه تقاتل))، وكذلك نهى عن قتل الذراري لما بلغه أن بعض المسلمين يقتلونهم، بحجة أنهم أولاد المشركين، فقال صلى الله عليه  وسلم: ((أو هل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها)).

ثم إنه صلى الله عليه  وسلم لم يعنف أحدًا مِمَّنْ فَرُّ عنه، بل لما قالت له أم سليم الأنصارية أن يقتل الطلقاء لفرارهم، قال: ((إن الله قد كفى وأحسن)).

وهكذا كانت خسارة هوازن وثقيف جسيمة على الرغم من هذا العدد الذي خرجوا به، والعدة، والتخطيط الذي أعدوا به للمعركة، فكانت السبي الذي وقع في نسائهم وذراريهم قد بلغ ستة آلاف، أما الأموال: فكانت أربعة آلاف أوقية من الفضة، وأما الإبل: فكانت أربعة وعشرين ألفًا، وأما الشاة: فكانت أكثر من أربعين ألف شاة، وكان معهم خيل، وبقر، وحمير. وقد أمر صلى الله عليه  وسلم بحبس الغنائم في الجعرانة، حتى يعود من حصار الطائف.

وهكذا انتهت هذه الغزوة، وهذه الموقعة التي كان فيها نصر الله عز وجل عظيمًا على المسلمين، وقد انهزمت هوازن، وتفرقت في الجبال والأودية، وتحصن مالك بن عوف النصري الذي قاد هذه الجموع بالطائف بعد أن فر إليها، في حين عسكر آخرون منهم بأوطاس وهو وادٍ بين الطائف وحنين، كما عسكر بنو غيرة من ثقيف في نخلة، ومع هذا فإنه صلى الله عليه  وسلم اتبعهم بخيل المسلمين التي تبعتهم حتى لا يجتمع أمرهم من بعد ذلك.

error: النص محمي !!