Top
Image Alt

المشترك اللفظي

  /  المشترك اللفظي

المشترك اللفظي

إن ابن فارس في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة) عقد بابًا عنوانه: باب في الاتفاق والافتراق, ونقله عنه كاملًا السيوطي في كتابه (المزهر في علوم اللغة وأنواعها).

قال ابن فارس محددًا هذه الأجناس: يكون ذلك على وجوه؛ فمنه اختلاف اللفظ والمعنى، وهو الأكثر والأشهر، مثل: رجل, وفرس، وسيف، ورمح, ومنه اختلاف اللفظ واتفاق المعنى، كقولنا: سيف وعَضب, ولَيْث وأسَد، على مذهبنا في أن كل واحد منها فيه ما ليس في الآخر من معنى وفائدة, ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، كقولنا: عين الماء، وعين المال، وعين الميزان, ومنه قضى بمعنى: حَتَم، وقضى بمعنى: أمرَ, وقضى بمعنى: أعَلَم, وقضى بمعنى: صَنَع, وقضى بمعنى: فَرَغ, وهذه وإن اختلفت ألفاظها فالأصل واحد.

ومنه اتفاق اللفظين وتضاد المعنى؛ ومنه تقارب اللفظين والمعنيين, كـ: “الحَزْم” و”الحَزن”؛ فالحَزمُ من الأرض أرفع من الحَزن, وكالخَضْم وهو بالفم كله والقَضم وهو بأطراف الأسنان.

ومنه اختلاف اللفظين وتقارب المعنيين، كقولنا: مدحه إذا كان حيًّا، وأبَّنَهُ إذا كان ميتًا.

ومنه تقارب اللفظين واختلاف المعنيين، وذلك قولنا: حَرِجَ إذا وقع في الحَرج، وتَحرَّج إذا تباعد عن الحرج, وكذلك: أثِمَ وتأثَّمَ, وفَزِعَ إذا أتاه الفَزَع, وفُزّعَ عن قلبه إذا نحِّي عنه الفزع. انتهى كلام ابن فارس، وقد نقله كاملًا السيوطي في (مزهره).

يتضح مما قاله ابن فارس، ومما نقله عنه السيوطي: أن لكلام العرب في الاتفاق والافتراق أجناسا، ولن نشرح كل هذه الأجناس، وإنما نقتصر على ثلاثة منها, مما ذاع صيته في كتب اللغة واهتم به العلماء اهتمامًا شديدًا، حيث أفرده بعضهم في مؤلفات مستقلة، وهذه الأجناس الثلاثة هي: المشترك, المتضاد, المترادف.

وقد عقد السيوطي في (المزهر) النوع الخامس والعشرين، والسادس والعشرين، والسابع والعشرين لهذه الأجناس؛ أما النوع الخامس والعشرون فجاء بعنوان: معرفة المشترك, وأما النوع السادس والعشرون فقد جاء بعنوان: معرفة الأضداد، وأما النوع السابع والعشرون فقد جاء بعنوان: معرفة المترادف.

وحينما طرق السيوطي باب المشترك صدره بكلام لابن فارس، ذكره في كتابه (الصاحبي) تحت عنوان: باب الأسماء, كيف تقع على المسميات؟ ذكر منه: أن الشيئين المختلفين قد يسميان بالاسمين المختلفين, وذلك أكثر الكلام كرجل وفرس، وقد تسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو: عين الماء، وعين الفرس، وعين السحاب, ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة، نحو: السيف والمهند والحسام.

وهذا النقل الذي نقله السيوطي عن ابن فارس، يشير إلى مسألة المشترك، بالإضافة إلى مسألة المترادف.

 ثم بعد أن أنهى هذا الكلام عن ابن فارس، تحدث عن القسم الثاني الذي ذكره ابن فارس، وهو المشترك؛ حيث قال السيوطي: والقسم الثاني مما ذكره -أي: مما ذكره ابن فارس- هو المشترك الذي نحن فيه, أي: إن ابن فارس لم يذكر المصطلح، لكنه اكتفى بحد المشترك حين قال: وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد.

أوضح السيوطي هذا بذكره المشترك، ثم قال: وقد حده أهل الأصول بأنه اللفظ الواحد الدالُّ عَلَى معنيين مختلفين فأكثر، دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، ثم بين رأيَ بعضِ العلماءِ فيه حيث قال: واختلف الناس فيه -أي: في المشترك- فالأكثرون على أنه ممكن الوقوع؛ لجواز أن يقع إما من واضعين بأن يضع أحدهما لفظًا لمعنى، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر، ويشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادته المعنيين، وهذا على أن اللغات غير توقيفية. وإما من واضع واحد لغرض الإبهام على السامع؛ حيث يكون التصريح سببًا للمفسدة؛ كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد سأله رجل عن النبي صلى الله عليه  وسلم وقت ذهابهما إلى الغار, من هذا قال: “هذا يهديني السبيل”.

وقد ذكر السيوطي أن الأكثرين أيضًا على أنه واقع؛ لنقل أهل اللغة ذلك في كثير من الألفاظ، ومن الناس من أوجب وقوعه، قال: لأن المعاني غير متناهية، والألفاظ متناهية؛ فإذا وزع لزم الاشتراك.

ثم ختم حديثه عن اختلاف آراء العلماء بصدد هذه المسألة, قائلًا: وذهب بعضهم إلى أن الاشتراك أغلب؛ لأن الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء، والمضارع كذلك، وهو أيضًا مشترك بين الحال والاستقبال، والأسماء كثير فيها الاشتراك؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب. ورُدّ بأن أغلب الألفاظ أسماء، والاشتراك فيها قليل بالاستقراء, ولا خلاف أن الاشتراك على خلاف الأصل. انتهى كلام السيوطي.

ثم ذكر أمثلة متعددة من كتب لغوية متعددة, لهذا النوع من الكلام –المشترك.

والحق: أن المشترك قد أيده كثير من علماء العرب, مثل: الخليل بن أحمد، وسيبويه، وأبي زيد الأنصاري، وابن سيده، والسيوطي, وغيرهم من علماء العربية في القديم وفي الحديث أيضًا.

ويمكنني أن أجمل أهم الأسباب التي تؤدي إلى نشأة المشترك اللفظي, من خلال ما أُثر عن علماء العرب:

السبب الأول: الاستعمال المجازي:

لقد أجمع علماء اللغة المحدثون على أن المعاني الحسية أسبق في الوجود، وأجدر بأن تعد المعاني الحقيقية، وغيرها فروع لها عن طريق المجاز، وبناءً على ذلك كانت المعاني المتعددة للفظ ترتبط في أذهان العرب الأوائل بالمعنى الأصلي -أي: الحسي- له ارتباطًا كبيرًا، وبمرور الزمن خفيت علينا الآن هذه العلاقة.

فمثلًا: حين تدل العين التي وضعت في الأصل لعضو الإبصار في الإنسان، على الاعوجاج في الميزان، أو على طائر، أو على السحابة التي تنشأ من ناحية قبل أهل العراق، أو على مطر أيام لا ينقطع، أو على النقد من الدراهم والدنانير، إلى آخر تلك المعاني الكثيرة التي سجلتها المعاجم، وسجلتها كتب اللغة مثل: كتاب (المزهر) للسيوطي؛ فإن العلاقة لا تتضح لنا الآن بين هذه المعاني وبين المعنى الأصلي، إلا أن هذه العلاقة كانت موجودة في أذهان العرب الأوائل.

السبب الثاني: تداخل اللهجات:

وذلك كأن يضع اللفظ لأحد المعاني حي من أحياء العرب، ولمعنى آخر حي آخر، ويعلم كل فريق بوضع الآخر ويشيع الاستعمالان، ثم تجمعت المعاني المختلفة للفظ الواحد في اللغة الفصحى النموذجية فنشأ الاشتراك, مع ملاحظة أن اللغويين نادرًا ما كانوا يوضحون بيئة هذا المعنى أو ذاك.

وقد أشار إلى هذا السبب -تداخل اللهجات- وما قبله -الاستعمال المجازي- أبو علي الفارسي.

السبب الثالث: تداخل اللغات:

وذلك كأن تقترض اللغة العربية لفظةً تشبه في لفظتها كلمة عربية؛ لكنها ذات دلالةٍ مختلفةٍ؛ فالحب مثلًا يدل على الوداد والمحبة، كما يدل على الجرة الضخمة أو الخابية التي يجعل فيها الماء؛ لكن اللفظ بمعناه الثاني فارسي معرب.

السبب الرابع: التطور الصوتي:

وذلك كأن تتغير بعض أصوات اللفظ، أو تحذف، أو يزاد بعضها عليه؛ فيتفق في صورته مع لفظ آخر يختلف عنه في المعنى؛ فينشأ الاشتراك، وذلك مثل: الدعم حين يدل على القوة، وعلى الطعن؛ فإن المعنى الثاني –الطعن- إنما هو للدحم بالحاء؛ ولكن الحاء تطورت، وتحولت إلى الجهر بسبب مجاورتها للدال المجهورة؛ فقلبت إلى نظيرها المجهور وهو العين، والتبس بالدعم بمعنى القوة؛ فنشأ الاشتراك اللفظي في هذه الكلمة.

وقد أشار ابن درستويه إلى السبب الثاني، وهو تداخل اللهجات، وإلى بعض التطور الصوتي هذا الذي ذكرته سببًا رابعًا, وقد ذكر ابنَ درستويه السيوطيُّ في (المزهر) في باب المشترك.

السبب الخامس: العوارض التصريفية:

وذلك كأنْ تؤدي القواعدُ الصرفيةُ إلى أن تتفق لفظتان متقاربتان في صيغةٍ واحدةٍ؛ فينشأ عن ذلك تعدد في معناه؛ فلفظ الغروب قد يكون مصدرًا لغربت الشمس، وقد يكون جمع غرب، بمعنى الدلو العظيمة، أو الوهاد المنخفضة.

تلك هي أهم الأسباب التي تؤدي إلى نشوء المشترك اللفظي، وأحب أن أشير إلى نظرة الغربيين للمشترك؛ فأقول: إننا نجد عندهم مصطلحين لظاهرة ارتباط اللفظ الواحد بأكثر من مدلول؛ المصطلح الأول: هيمونمي، بمعنى: المشترك اللفظي، والمصطلح الآخر: بلوسمي، بمعنى: تعدد المعنى، وينظر بعض العلماء إلى أنهما موضوعان مستقلان، بينما يجمع بينهما آخرون على أنهما صورتان لظاهرة واحدة, هي تعدد المعنى.

ولتوضيح هذين المصطلحين من الوجهة الغربية باختصار شديد، أقول: إن المشترك اللفظي أو الهيمونمي هو عدة كلمات مختلفة المدلول، ولكنها متحدة الصيغة الصوتية -أي: في النطق- صدفة، ومثاله في اللغة العربية صيغة غروب؛ فهي تطلق على غروب الشمس؛ كما أنها جمع غرب بمعنى الدلو العظيمة أو الوهاد المنخفضة، فهي في نظر بعض الغربيين مثل: “أولمن” وغيره صيغة صوتية واحدة، ولكنها تعامل على أنها ثلاثُ كلماتٍ مختلفةِ المَعْنَى، ومستقلة لاختلاف الاشتقاق والأصل. وسبب نشوئه عند “أولمن” من طريقين: الأول: التطور الصوتي، والآخر: التطور المعنوي.

أما المصطلح الآخر, وهو “البلوسمي” بمعنى: تعدد المعنى؛ فهو كلمة واحدة لها أكثر من مدلول، ومثاله في اللغة العربية: كلمة عين ورأس وأسد؛ فقد تعددت معاني كل منها بالتدريج، والمتكلم هو الحكم الوحيد في هذا الشأن، فإذا كانت البيئة اللغوية تُشْعِر بأن اللفظين ينتميان إلى كلمتين مختلفتين وجب علينا أن نعدهما من باب المشترك “هيمونمي”, أما إذا كانت الألفاظ تمثل كلمة واحدة؛ فهي من باب تعدد المعنى “بلوسمي”.

وهكذا نجد الفصل بين المصطلحين يرجع إلى الاشتقاق والصيغة اللغوية, سواء كانت كلمة أو أكثر, بالإضافة إلى السياق.

وأخيرًا؛ فإن في المشترك لتنوعًا في المعاني بسبب تنوع الاستعمال، وإن في اشتمال العربية على قدر منه دليلًا على سعتها في التعبير، وثرائها، ونموها، فحين نقرأ بعض الألفاظ التي ساقها السيوطي في (المزهر) نجد هذا التعدد للألفاظ باديًا؛ فقد نقل عن (الجمهرة): العم أخو الأب، والعم الجمع الكثير؛ والهلال هلال السماء، وهلال الصيد وهو شبيه بالهلال، يعرقب به حمار الوحش، وهلال النعل وهو الذؤابة، والهلال القطعة من الغبار، وهلال الإصبع المطيف بالظفر، والهلال قطعة رحى، والهلال الحية إذا سلخت، والهلال باقي الماء في الحوض، والهلال الجمل الذي قد أكثر الضراب حتى هزل.

وذكر للعين معاني متعددة؛ نقلها عن الأصمعي في كتاب (الأجناس), وأبي عبد الله الأزدي في كتاب (الترقيص), وابن خالويه في (شرح الدريدية), والفارابي في (ديوان الأدب), وعن (تهذيب الإصلاح) للتبريزي، و(المجمل) لابن فارس، ونقل معاني أخرى من كتب أخرى.

وهناك ألفاظ مشتركة وقعت في الشعر الفصيح، لا سيما في شعر حميد بن ثور الهلالي؛ فلقد دل لفظ العين في ديوان حميد على عضو الإبصار في الإنسان، وعلى عين البئر:

قال حميد يصف امرأة:

بعطفين من عوهج عينها

*إلى الفرع والخصلات العلا

وجاء لفظ العين هنا بمعنى عضو الإبصار.

أما حين قال في ناقة:

بكورًا تبلغها بالسبال من

*عين جبة ريح الثرى

فإن العين هنا دلت على عين البئر.

وقد أشارت كتب اللغة إلى أن هذا اللفظ من المشترك، وأكد اللغويون اشتراكه كذلك؛ ومنهم: أبو عبيد، والمبرد، وأبو الطيب اللغوي، والثعالبي، والسيوطي.

error: النص محمي !!