Top
Image Alt

المصدر الثالث للسياسة الشرعية: الإجماع أو الاجتهادالجماعي

  /  المصدر الثالث للسياسة الشرعية: الإجماع أو الاجتهادالجماعي

المصدر الثالث للسياسة الشرعية: الإجماع أو الاجتهادالجماعي

الإجماع، أو الاجتهاد الجماعي:

دليل الإجماع أو الاجتهاد الجماعي، لا يقلُّ أهمِّيَّةً في باب السِّياسة الشَّرعيَّة، عن المصدرَين الكبيرَين العظيميْن: القرآن والسُّنَّة, وهو من أنواع البيان لكلٍّ من القرآن والسُّنَّة, وللإجماع مستند شرعيّ من نصوص القرآن والسُّنَّة عند القائلين بإمكانيَّة تحقُّقه ووقوعه.

وسوف نتكلم هنا عن أمور ثلاثة:

الأمر الأوَّل: تعريف “الإجماع” في اللُّغة وفي اصطلاح الأصوليِّين:

أ. تعريف “الإجماع” في اللغة: يُطلق “الإجماعُ” في اللُّغة على معنييْن:

المعنى الأول: العزم والتَّصميم على الأمْر، ومنه قوله عز وجل: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ} [يونس:71] أي: اعزموا عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صيامَ لمَن لمْ يُجمع الصِّيام من الليل)), أي: لا صيامَ لمن لم يعزم عليه من اللَّيل، فينويه قبل الفجر.

المعنى الثَّاني: الاتِّفاق على الشَّيء، يُقال: “أجمعَ القومُ على كذا”، إذا اتَّفقوا عليه.

ب. تعريف “الإجماع” في الاصطلاح:

أمَّا “الإجماع” في اصطلاح الأصوليِّين، فهو: اتِّفاق أهل الحلِّ والعَقد من أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور، على أمرٍ من الأمور.

ومن الأصوليِّين مَن قيَّده بأمور الدِّين؛ يقول الإمام الغزاليُّ: “نعني به: اتِّفاق أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم خاصَّةً، على أمر من الأمور الدِّينيَّة”.

اعتراضات الآمدي على تعريف “الإجماع”:

وقد أورد الآمديُّ هذا التَّعريف، ثمَّ اعترض عليه بثلاثة اعتراضات، مُجمَلها:

الاعتراض الأول: أنه يُشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة.

الاعتراض الثاني: أنّ مقتضاه: أنَّه لو خلا عصرٌ من أهل الحلِّ والعقد، وكان كلُّ ما فيه عامِّيًّا واتَّفقوا على أمرٍ دينيٍّ، أن يكون إجماعًا شرعيًّا؛ وليس كذلك.

الاعتراض الثالث: يلزم من تقييده للإجماع بالاتِّفاق على أمرٍ من الأمور الدِّينيَّة, ألا يكون إجماعُ الأمَّة على قضيَّة عقليَّة أو عرفيَّة حجَّةً شرعيَّة؛ وليس كذلك.

ثم يقول: “والحقُّ من ذلك أن يقال: الإجماعُ عبارةٌ عن اتِّفاق جملة أهل الحلِّ والعقد من أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، في عصر من الأعصار، على حُكم واقعة من الوقائع”. انتهى كلام الآمدي.

ج. تعريفات أخرى لـ”الإجماع”:

ومن الفقهاء والأصوليين من عرَّف “الإجماعَ” بأنَّه: اتِّفاقُ علماء كلّ عصر من أهل العدالة والاجتهاد, على حُكم.

وقيل: هو اتِّفاقُ المجتهدين من هذه الأمَّة، في عصرٍ، على أمرٍ من الأمور.

وهناك زياداتٌ أخرى، يذكرها بعضُهم في تَعريف “الإجماع” حسب قولهم بشرط معيّن، كالذي يشترط انقراضَ عصر المجتهدين، وكالَّذي يشترط بلوغَ المتَّفقين حدَّ التَّواتر، وكالَّذي يشترط أن يكون المجتهدون من عترة الرَّسول صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني: الأصل الَّذي ينعقد عليه الإجماع، وحُجِّيَّته:

لقد اتفقت المذاهب الإسلاميَّة كلُّها على أنَّ الإجماعَ لا بدَّ له من مستند، سواء علِمناه أو جهلناه؛ فإن علمناه كان ذلك زيادةً في الاطمئنان وتوسُّعًا في العلْم, وإن جهلناه مع حصول الإجماع منهم وجب علينا أن نُحسن الظَّنَّ بهم، وأن نعتقد أنَّ إجماعهم لا يكون إلا حقًّّا؛ لضرورة استحالةِ الخطأ عليهم، وأنَّهم لم يُجمعوا إلّا وعندهم مستندٌ من قبيل الشَّارع؛ لأنَّ أهلَ الإجماع ليس لهم الاستقلالُ بإثبات الأحكام؛ فوجب أن يكون عن مستند. ولأنَّه لو انعقد عن غير مستند؛ لاقتضى إحداثَ دليل بعد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهو باطل، وما يكون كذلك لا يجوز الأخذ به.

وإن كان هناك من الفقهاء مَن ذهب إلى إمكانيَّة الإجماع من غير مستنَد, وحجَّتُهم في ذلك: أنَّ الإجماع حُجَّة، ولو افتقر في جعْله حُجَّةً إلى دليل لكان هذا الدَّليل هو الحجَّة في إثبات الحُكم المُجمَع عليه، ولم يكن في إثبات كونِ الإجماع حجَّةً فائدةٌ. واستدلُّوا كذلك بوقوعه -أي: الإجماع من غير دليل- كإجماعهم على أجرة الحلّاق، وأخذ الخراج، ونحوه.

أولًا: الخلاف حول ما إذا كان مستندُ الإجماع القياسَ:

اختلف القائلون بوجوب أن يكون الإجماعُ عن مستند, في جواز انعقاده إذا كان مستنده الاجتهادَ والقياسَ؛ فجوَّزه الأكثرون لكن اختلفوا في وقوعه نفيًا وإثباتًا, والمُثبِتون له اختلفوا في كونه حجَّةً تحرُم مخالفتُه أو لا تَحرم.

وقد أطلق عليه بعضُهم: “الاجتهاد الجماعيَّ” في مقابلة “الاجتهاد الفردي”، وأبرز أنواعه: القياس. ومثَّلوا له باتِّفاق الصَّحابة على إمامة أبي بكر رضي الله عنه، حتَّى قال بعضهم: “رضِيَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لدِيننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟!”. ومثل: اتِّفاقهم على قتال مانعي الزكاة، وجمْع القرآن الكريم بعد تبادل الرأي فيه، ونحو ذلك.

ويقول الغزالي في (المستصفى): “ومستند الإجماع في الأكثر: نصوصٌ متواترة، وأمورٌ معلومةٌ ضرورةً بقرائن الأحوال، والعقلاءُ كلُّهم فيه على منهج واحد. نعم, هل يُتصوَّر الإجماع عن اجتهادٍ أو قياس؟!”.

ثانيًا: حُجِّيّة الإجماع:

لقد اختلف القائلون بحُجِّيَّة الإجماع، هل هو حجة قطعيَّة أو ظنيَّة؟

– فذهبت طائفة إلى أنه حُجّة قطعية، بحيث يُكفَّر مُخالفُه أو يُضلَّل.

– وقالت جماعةٌ منهم: لا يفيد إلّا الظَّنَّ.

– وقالت جماعةٌ بالتَّفصيل بين ما اتَّفق عليه المعتبرون, فيكون حجةً قطعيَّةً، وبين ما اختلفوا فيه كالسكوت -أعني: الإجماع السُّكوتيَّ- فيكون حُجَّةً ظنِّيَّةً.

ثالثًا: مراتب الإجماع:

هناك مَن جعل الإجماع مراتبَ؛ كإجماع الصَّحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر، وإجماعُ مَن بَعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، وما سبق فيه الخلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد.

رابعًا: أدلّة من أجاز أن يكون الإجماعُ عن اجتهاد بالرأي:

أدلة من أجاز أن يكون الإجماع عن اجتهاد بالرأي كثيرة، نذكر منها الآتي:

أ. من القرآن الكريم:

  1. قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59] الآية.

قالوا: فافترض الله طاعة أولي الأمر، كما افترض طاعةَ رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما افترض طاعةَ نفسه عز وجل؛ ولا فرق. ولو كان عز وجل إنما افترض طاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو ما ذهب إليه بعض الفقهاء؛ لما كان لتكرار الأمر بطاعتهم معنًى.

  • قوله عز وجل: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء:83], وقالوا في هذه كالَّتي قبلها.
  • 3.   قوله عز وجل: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء:115].

قالوا: فَتُوُعِّدوا على مخالفة سبيل المؤمنين أشدَّ الوعيد، ولو لم يكن ذلك محرَّمًا لَمَا تُوُعِّدوا عليه؛ فصحَّ فرْض اتِّباعهم فيما أجمعوا عليه، من أيّ وجْه أجمعوا عليه.

ب. من السُّنَّة:

احتجُّوا بما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: ((لا تزالُ طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحقِّ، لا يضرُّهم من خذَلهم -وفي روايةٍ: مَن خالَفَهم- حتَّى يأتيَ أمرُ الله))، وقد رُوي هذا الحديثُ من طريق المغيرة، وأبي هريرة، ومعاوية، وثوبان، وغيرهم؛ مع اختلافٍ يسير في اللفظ واتِّفاق في المعنى. ويظاهرُه أحاديث أخرى معناها: عصمة هذه الأمّة من الخطأ.

والمستدلُّون بهذه الأخبار قالوا: لا تجتمع أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم على غير الحقِّ أبدًا؛ لأنَّه عليه السلام قد أقر بأنَّه لا يزال منهم قائمٌ بالحقِّ أبدًا.

هذا، وقد اعتبر الإمام الغزاليُّ مسلك الاستدلال بالسُّنَّة على حُجِّيَّة الإجماع، أقوى من مسلكَي الكتاب والعقل أو المعنى.

خامسًا: أدلَّة مَن قصَر الإجماع بعصر الصَّحابة:

لقد بنى الَّذين لا يتصوَّرون الإجماع بعد عصر الصَّحابة، مثل أحمد بن حنبل وابن حزم وغيرهما وجْهتهم هذه على بعض النُّصوص، مثل قوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [المائدة:3]، وقوله: {شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } [الشورى:21]، فضلًا عن بعض الأدلَّة العقليَّة، كعدم إمكانيّة اجتماع علماءِ المسلمين في موضع واحد، وكذا عدم الاطِّلاع على إجماعهم ثم اختلافهم في إمامهم واختيارهم وآرائهم وطبائعهم، حتَّى لقد قال عز وجل: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119], وقد اختلف الصحابة فيما بينهم في مئات المسائل وهم خير القرون، فمَن بعْدَهم أشدُّ اختلافًا.

وحصر الإجماع المحتجِّ به في إجماع الصَّحابة، هو أيضًا القول المشهور عن الإمام أحمد، الَّذي نُقل عنه قولُه: مَن ادَّعى الإجماعَ -أي: بعد عصر الصَّحابة- فقد وهِم، أو فهو كاذب.

ومالَ إلى هذا القول كثير من العلماء البارزين، منهم: البيضاوي، ونجمُ الدِّين الطُّوفي، والرَّازي، والشَّوكانيُّ، وغيرُهم.

فكأنَّ إنكارَ بعض العلماء للإجماع -ومنهم ابنُ حزم- مبناه أو أساسه: أنَّ إجماعَ علماء الأمَّة على حُكمٍ اجتهاديٍّ أمرٌ مستحيل عقلًا بعد تفرُّقهم في البلاد؛ ولو سلَّمنا أنَّه ممكنٌ عقلًا فيستحيلُ أن نصلَ إلى العلْم بأنَّهم أجمعوا عليه, ولو سلَّمنا بإمكان الإجماع وإمكان العلْم به، لكان نقلُه عن المجمِعين أنفسِهم مستحيلًا؛ فمن يستطيع أن يتَّصل بجميع مجتهدي الأمّة، وأهلِ العلْم منهم في مشرق الدُّنيا ومغربها؛ ليعلمَ أقوالَهم ثم يُخبرَ بها؟ وقد يكون بعضُهم غائبًا عن بلده، أو مسجونًا لا يُمكنُ الاتِّصال به.

ولو سلَّمنا بإمكان كلِّ ذلك، أي: إجماعهم والعلْم به وإمكان نقْله عن أهله، فليس هناك ما يدلُّ صراحةً، أو ما يقوِّي كونَه حجَّةً في الشَّريعة. هذا الكلام للدكتور محمد سليمان الأشقر، في كتابه (الواضح في أصول الفقه).

لكنَّ الإمام الغزاليَّ يقول في تصوُّر الاطِّلاع على الإجماع: قال قومٌ: لو تُصُوِّر إجماعُهم، فمن الَّذي يطَّلع عليهم مع تفرُّقهم في الأقطار؟

فنقول: يُتصوَّر معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددًا يمكن لقاؤهم, وإن لم يُمكن عُرف مذهبُ قوم بالمشافهة، ومذهب آخَرين بأخبار التواتر عنهم، كما عرفنا أنَّ مذهب جميع أصحاب الشافعي: منعُ قتل المسلم بالذِّمِّيِّ، وبطلانُ النكاح بلا وليٍّ، ومذهبَ جميعِ النَّصارى: التَّثليث.

سادسًا: أقسام الإجماع باعتبار الأمْر المجمَع عليه:

يمكن القول بأنَّ الإجماعَ ينقسم باعتبار المجمَع عليه, إلى قسميْن:

القسم الأوّل: إجماع على مسألة من المسائل الدينية المحضة، أو التي لا يستقلُّ العقل بإدراكها. وأكثرَ ما يكونُ ذلك في الأمور المعلومة من الدِّين بالضَّرورة، تلك التي لا تلقَى أحدًا من المسلمين إلا وافق عليها. ومثل هذا القسم لا خلاف على وجوب الإيمان به والعمل به، باعتباره منقولًا عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم.

القسم الثاني: إجماعٌ على مسألة لم يُنَصّ على حُكمها في الكتاب أو السُّنَّة، ممَّا هو مجالٌ للرأي أو الاجتهاد، من مصالح الأمّة الدُّنيويَّة التي تختلف باختلاف الزَّمان والمكان؛ كالإجماع على إمامة شخص بعيْنه, أو على الصُّلح مع عدوٍّ خارج البلاد الإسلامية إذا كان في ذلك مصلحةٌ ظاهرة للأمّة.

وهذا القسم لا بدَّ منه في كلِّ عصر من العصور؛ لأنَّ وسائل النَّاس إلى مصالحهم الدُّنيويَّة تختلف باختلاف العصور والأمكنة؛ ومن ثَمَّ كانت الشُّورى واجبةً للاتّفاق على حُكم فيما كان من هذا القبيل، قال عز وجل: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]. وقال في مدْح المؤمنين: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [الشــــــــــورى:38]. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت آية: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} قال: ((أمَا إنَّ الله ورسولَه لغنيَّان عنها، ولكن جعَلها اللهُ عز وجل رحمةً لأمَّتي؛ فمن استشار منهم لم يعدم رَشَدًا، ومَن ترَكها لم يعدم غيًّا)).

وتنفيذ الرَّسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم لهذا المبدأ المهمِّ من مبادئ الإسلام، وهو الشورى، أشهر من أن يُذكر أو أن يُمَثَّل له بالوقائع.

ومن جهةٍ أخرى: لا يتوقَّف انعقادُ هذا الإجماع على اتِّفاق جميع أولي الأمر، وإنَّما تجبُ طاعتهم فيما اجتمع عليه رأيُهم، أو فيما أُمروا به؛ لأنَّهم صاروا بعلْمهم وحُسن سيرتهم وخبْرتهم بشئون الأمّة موضعَ ثقة النَّاس، وفي طاعتهم تنظيم لمصالح الأمّة الدُّنيويَّة، وصوْن لوحدتها من التَّفرُّق والشِّقاق؛ على أنَّ طاعتهم لا تجبُ إلّا إذا كانوا مختارين فيما صدر منهم، ثمَّ لم يكونوا مخالفين للكتاب والسُّنَّة في نصوصهما الصَّريحة، ولم يأمروا بمعصية؛ فـ ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).

فلعلَّ هذا القسم، هو ما يهدف إليه من استدلَّ بآية: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59] ونحوها على حُجِّيَّة الإجماع؛ ولذا كان تعريفُهم للإجماع بأنَّه: إجماع أو اتّفاق المجتهدين أو أهلِ الحلِّ والعقد أو العلماء، بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أمرٍ من الأمور.

وعندما أُطلق مصطلح “الإجماع”, كأحد مصادر السِّياسة الشَّرعيَّة أو التَّشريع الإسلامي، فإنَّني أقصد: الإجماع الَّذي قال به الأصوليُّون, وقد اختلفوا في مفهومه، أو شروط انعقاده، وفي إمكانيَّة تحقُّقه، أو تصوُّر انعقاده، وإمكانيَّة الاطِّلاع عليه، وفي كونه حجةً، والأدلَّة على ذلك، حتَّى لقد اختلفوا في أنواعه.

الأمر الثالث: ما نراه بخصوص دليل الإجماع أو الاجتهاد الجماعيِّ في السِّياسة الشَّرعيَّة:

ما نراه بخصوص دليل الإجماع أو الاجتهاد الجماعيِّ:

أوّلًا: ملاحظاتٌ على الإجماع عند الأصوليِّين:

الإجماع الَّذي عُني الأصوليُّون بالكلام فيه قد أُغفِلت فيه ناحية مهمَّة، وهي ناحيةُ اجتماع أولي الأمر لتبادل الرَّأي فيما يَهُمُّ النَّاس من الأحداث، وتقرير الحُكم الملائم لكلٍّ منها؛ فكان كلامُهم متَّجهًا في الكثير إلى إجماعٍ وقع اتفاقًا من غير نظر إلى اجتماع مقصود يتبادلون فيه الآراء؛ للوصول إلى أحكام ملائمة في ظلِّ قواعد الشَّريعة العامَّة؛ وهو ما يعنينا من ذلك كلِّه، بقصدِ الإفادة من دليل الإجماع وغيره من وسائل الاستنباط الأخرى، بعد انقطاع الوحي كما هو معروفٌ لنا جميعًا.

كما أن مسائله المبيَّنةَ في كتبهم، لم تخلُ واحدةٌ منها من خلاف بينهم، وما استدلَّ به القائلون بحُجِّيَّته على الوجه الَّذي فسَّروه به, لا يقوم حجَّةً مسلَّمةً على ما ذهبوا إليه. وما ورد عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم في بيان الأدلَّة الشَّرعيَّة، وما جرى عليه عملُ الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم، لا يؤيِّد ما قالوه في تعريف الإجماع، ولا يسير في الطَّريق الَّذي رسموه له.

ثانيًا: حقيقة الإجماع في السُّنَّة النبوية:

فأمَّا ما ورد عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم بيانًا للأدلة، فهما حديثان عظيمان بارزان في هذا المقام:

الحديث الأوّل: حديث معاذ بن جبل المشهور، والَّذي تلقَّتْه الأمّة بالقَبول، واعتبرته أصلًا في الأدلة الشَّرعيَّة، وفيه: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعثه رضي الله عنه إلى اليمن، قال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم يكن في سُنَّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. يقول معاذ رضي الله عنه: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري، وقال: الحمد لله الَّذي وفّق رسولَ رسولِِ الله لِمَا يُرضي اللهَ ورسولَه))، والحديث ليس فيه إلّا الكتاب والسُّنَّة والاجتهاد بالرَّأي.

الحديث الثَّاني: حديث عليٍّ رضي الله عنه فيما رواه سعيد بن المسيب عنه، أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، الأمرُ ينـزل فينا أو ينـزل بنا، لم ينزل فيه قرآن ولم تَمضِ فيه منك سُنَّة؟ قال: ((اجمعوا له العالِمين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم, ولا تقضوا فيه برأي واحد)). وهذا الحديث -وإن كان في رواته من لا يُحتجُّ به- قال ابن القيم في (إعلام الموقِّعين): “معناه في غاية الصِّدق والصِّحَّة؛ لأنَّه دعوة إلى الشُّورى في مهامِّ الأمور، يؤيِّدها حثُّ القرآن الكريم على ذلك، وعملُ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وعملُ أصحابه من بعْده”.

والشَّاهد في الحديث: أنَّه يوجب استشارة العالمِين، أي: ذوي العلْم والرأي، ويَنهى عن الاقتصار على الرأي الفردي عند النَّوازل والمستجدَّات في حياة النَّاس. وواضحٌ أنَّ هذا في مصالح الأمَّة الدُّنيويَّة، التي كان الرَّسول صلى الله عليه وسلم يستشير في مثْلها في حياته، لا في الأمور الدِّينيَّة المحضة التي تُستمدُّ من الوحي مباشرةً، والتي لا مجال للرَّأي فيها؛ فلا إجماع في مثْلها إلّا على النَّحو الَّذي قرَّره ابنُ حزم، وارتضاه الشَّافعيُّ وابنُ حنبل وغيرهما، من الإجماع الَّذي يشترك فيه العوامُّ والخواصُّ كما يقول الغزالي في (المستصفى): “وهو الإجماع على المعلوم من الدِّين بالضَّرورة، كالصَّلوات الخمس، ووجوب الصَّوم والزَّكاة والحجِّ، ونحو هذا..”.

ثالثًا: طريقُ الإجماع استشارةُ أهل الحلِّ والعقد والاختصاص والخبرة:

وممَّا يؤيِّد التَّصوُّر نحو حقيقة الإجماع أو الاجتهاد الجماعي، عن طريق استشارة أهل الحلِّ والعقد أو أهل الاختصاص والخبرة، تلك التي نُعَوِّل عليها في معرفة الأحكام الشَّرعيَّة لِما ينـزل بنا, ممَّا لم يَرِدْ بشأنه حُكم في الكتاب أو السُّنَّة: ما رُوي من عمل أبي بكر وعمر رضي الله عنهم؛ فقد كانا لا يجمعان رؤساء النَّاس للاستشارة، إلّا إذا لم يَجدا في كتاب الله ولا في سُنَّة رسول الله ما يُريدان. فهذه الاستشارة إنَّما كانت لاستنباط حُكم بالاجتهاد والرأي, وإذا اجتمع رأي المستشارين على أمرٍ، كان أوْلى بالاتِّباع من رأي الفرد قطعًا؛ وهو سيرٌ في الطَّريق الَّذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديثيْن السَّابقيْن، مضافًا إليهما مجموعة الأحاديث التي قطَعت بنفي الخطأ والضَّلالة عن الأمّة مجتمعةً، أو عن الأمّة في مجموعها؛ وبهذا يخرج الإجماع عن دائرة الرِّواية التي حصره فيها ابنُ حزم، ويتخلَّى عمَّا افترضه العلماءُ فيه ثمَّ قطعوا به، من اعتماد أهل الإجماع على سنَد من الكتاب والسنَّة لم نطَّلع عليه؛ ومع ذلك رُدَّ هذا القول بأنَّ الحجّة حينئذ ستكون في هذا السند أو المستند لا في الإجماع.

وبهذا أيضًا، ينفتح باب الإجماع، أو ما سمَّيناه: “الاجتهاد الجماعي”، لاستيعاب النَّوازل والقضايا المتجدِّدة والمتغيِّرة في واقع النَّاس، وذلك في ضوء نصوص الشَّريعة ومقاصدها.

رابعًا: الإجماع نوعان, كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

خامسًا: كيف ينعقد إجماع أولي الأمر في الأمّة؟

هذا، ولا يتوقَّف انعقاد هذا الإجماع على اتفاق جميع أولي الأمر، عملًا بما نُقل عن ابن جرير، وأبي بكر الرازي، وأبي الحسين الخياط من المعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الرِّوايتيْن عنه؛ فقد تمَّت البيعة لأبي بكر بالإجماع، مع مخالفة عليٍّ رضي الله عنه وعدم مبايعته إلّا بعد ستة أشهر، لمّا تُوفِّيت زوجته فاطمة رضي الله عنها.

وكان الخليفتان أبو بكر وعمر يستعينان عند الاستشارة في الأمور القضائيَّة والإداريَّة بمن يتهيَّأ لهما من أولي الرأي، فلم يؤثَر عن أحدهما أنَّه كان يتوقَّف في الحُكم حتَّى يستشيرَ جميعَ القضاة في الأقاليم، أو يستشيرَ قوَّاد الجيش جميعهم في أنحاء الأرض؛ بل أُثر عن عمر رضي الله عنه أنه أُخبر بالوباء حين خرج إلى الشام، فاستشار من معه من المهاجرين: أيُقدم أم يُحجم؟ فاختلفوا, فاستشار من معه من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فاتَّفقوا على الرُّجوع بالنَّاس خوف الوباء؛ فعمل بمشورتهم. وروي في هذا الصدد: أنهم لما اختلفوا، جاءهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان متغيِّبًا لقضاء بعض حاجته، فقال: إنِّ عندي من هذا علْمًا؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم به -يقصد: وباء الطاعون- بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه, وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فرارًا منه)).

وفي هذا الحديث تقرير لقاعدة الحجْر الصِّحيِّ المعروفة الآن.

وبمقتضى هذا الحديث أخذ به عمر رضي الله عنه وقال: “نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله”.

هذا، وحين كان عمر يفعل ذلك -أي: يستشيرُ أهلَ الرأي بالمدينة- كان يأمر شُريحًا القاضي أن يفعل مثلْه في الكوفة، فيستشيرُ كلٌّ منهما من يتهيَّأ له في بلده، ويبني على هذا قضاءه، ولا سيَّما فيما يستجدُّ من أقضية لا يوجد فيها حكمٌ بعيْنه.

وسار على هذا المنهج أيضًا خامس الخلفاء الراشدين: عمر بن عبد العزيز.

والدليل على حُجِّيَّة هذا النوع من الإجماع: ما أوجب الله عز وجل على المؤمنين، من طاعة أولي الأمر في قوله عز وجل: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59].

إمكانيَّة اعتبار الإجماع مصدرًا من مصادر القواعد الدستوريَّة, في النِّظام السِّياسيّ الإسلامي:

الإجماع ينقسم إلى قسميْن، من حيث اعتمادُه على دليل أو مستند شرعي، أو اعتماده على الاجتهاد, وتفصيل ذلك على النحو الآتي:

أوّلًا: الإجماع الَّذي يستند إلى دليل شرعي:

مثلُ هذا الإجماع يُعتبر مصدرًا من مصادر القواعد الدستورية، لا يختلف عن القرآن والسُّنَّة. وسببُ اعتمادنا عليه: كونُه معتمدًا أو مستندًا على نصٍّ شرعيٍّ ثابت؛ فيأخذُ نفس المكانة الَّتي يحتلّها الدليل الأصلي أو هذا المستند الشرعي, والقرآن والسُّنَّة هما أهم المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي.

ثانيًا: الإجماع الَّذي يعتمد على الاجتهاد:

أكثر العلماء يستبعدُ وقوعَ مثل هذا الإجماع؛ لاستحالة إجماع العلماء المجتهدين على حُكم واحد؛ ومع ذلك لو افترضنا إمكان وقوع الإجماع الاجتهادي أو الاجتهاد الجماعي، فهنا نُفرِّق بين نوعيْن من الأحكام:

1. أحكام شرعية ثابتة: وهنا يعتبر الإجماع مصدرًا ملزمًا، ويجب العمل بمقتضى هذا الإجماع؛ لأنَّ الأحكام التي تمَّ الإجماعُ عليها أحكامٌ شرعيَّة ثابتة، كالإجماع في مسائل العبادات وغيرها من الأحكام, الَّتي لا تتغيَّر بتغيُّر الزَّمان والمكان.

2. أحكامٌ عامَّة قابلة للتَّغيير: وفي هذه الحالة، لا يُعتبر الإجماع الَّذي تمَّ في عصر من العصور ملزِمًا للعصر الَّذي يليه، لسببيْن:

السبب الأول: الأحكام الَّتي تمَّ الإجماع عليها أحكام عامَّة، أي: ليست شرعيَّة بحتة؛ والمعروف أنَّ كثيرًا من العلماء عرَّفوا “الإجماع” بأنَّه: الإجماع الَّذي يكون في الأمور الشَّرعيَّة دون غيرها.

السبب الثاني: الإجماع الَّذي ينعقد في عصر من العصور، على أمر من الأمور التي تتغيَّر بتغيُّر الأزمان أو بتغاير الظُّروف والأحوال، لا يُعتبر ملزِمًا للعصر الَّذي يليه؛ لأنَّ مصدره الحاجة، وحاجة النَّاس في عصر من العصور تختلف عن حاجتهم في عصرٍ آخَر؛ ولذلك لا يمكن أن نُلزم النَّاس بإجماع اجتهادي في مسألة عامّة غير ثابتة، وإلّا أدَّى ذلك لنوع من الجمود الكبير؛ لأنَّ النَّاس في كلِّ عصر يتعارفون عادات معيّنة وتقاليد خاصة تختلف باختلاف الظُّروف والأزمان.

أحكام التَّنظيم السِّياسيّ والقواعد الدستوريَّة المنظِّمة له تخضع للتَّطوُّرات الزَّمنيَّة المتعاقبة:

والظَّاهر أنَّ التَّنظيم السِّياسيّ والقواعد الدستوريَّة المنظِّمة له، تدخل ضمن هذا النَّوع الأخير، وتخضع للتَّطوُّرات الزَّمنيَّة المتعاقبة. وما كان يصلُح في عصر سابق قد لا يصلح في عصر لاحق؛ لأنَّ هذه الأمور أمورٌ شكليَّة وتنظيميَّة.

مثال ذلك: أنَّ مبدأ الشُّورى مبدأ دستوريٌّ وارد في القرآن؛ وعلى ذلك لا يجوز بشكل من الأشكال مخالفةُ هذا المبدأ الأساسي في أيِّ زمان أو مكان؛ فلو ظهرت مبادئ دستورية مغايرة لهذا المبدأ من حيث التطبيق؛ لمَا جاز الأخذُ بها أو العملُ بمقتضاها. ولكنْ طريقةُ تنفيذ الشورى أو تحقيقها أمرٌ اجتهادي, يخضع لتفسير ملائم في كلّ زمن، وبالأسلوب أو بالكيفيَّة التي يرتضيها أهل ذلك الزَّمن.

والتَّاريخ الإسلامي يؤكِّد هذه القاعدة الدستورية، وبالتكييف الَّذي قرَّرناه؛ فعند اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه للخلافة، أجمع النَّاس على صحّة هذه الطريقة التفسيرية لمبدأ الشورى، وطبَّقوه بطريقة معيّنة. ثم جاء أبو بكر نفسه بتفسير مختلِف عن التفسير الأوّل، حيث اختار للخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ولم يكن هذا الاختيار مخالفًا من حيث المبدأ لمبدأ الشورى، ولكنَّه مخالف من حيث التّطبيق فقط لطريقة اختياره للخلافة.

ولمّا جاء عمر، حرص أيضًا على تطبيق المبدأ الأساسيِّ وهو الشورى، ولكن بصورة مغايرة للصورتيْن السابقتيْن، ووقع الاختيار على عثمان بن عفان ليكون الخليفةَ الثالث للمسلمين، كما هو معروف.

وقد وقع الإجماعُ من المسلمين في كلِّ مرة، على صحة هذا التَّطبيق أو التَّفسير لمبدأ الشورى، ولم يعترض أحدٌ منهم -فيما نعلم- على عدم جواز مخالفة طريقة الشورى الأولى بحجّة عدم جواز مخالفة الإجماع الأوّل.

فالإجماع هنا متكرِّر، وهو في كلِّ مرَّة مخالفٌ للإجماع السَّابق، لأنَّه إجماع اجتهاديٌّ على تفسير قاعدة دستوريَّة أساسيَّة واردة في القران الكريم والسُّنَّة المطهّرة، هي: مبدأ الشورى.

والخلاصة:

ممّا ذكرناه يتلخَّص لنا: أنَّ الإجماع الَّذي يَعتمد على دليل في مسألة شرعيَّة معيَّنة، كإجماعهم على صحّة عقد الاستصناع مثلًا، أو على إعطاء الجدَّات السدس، أو على بطلان تزوُّج المسلمة بغير المسلم، كلُّ هذا ونحوه أو ما في حُكمه – هو إجماع ملزِم لا تجوز مخالفته بشكل من الأشكال.

أمّا الإجماع الاجتهادي الَّذي أمْلَتْه الظُّروف الزمانية أو المكانية، فهو غير ملزِم في غير الزمن الَّذي صدر فيه؛ نظرًا لتغاير الظُّروف. ومن ذلك: اجتهاد عمر بن الخطاب في منْع سهم المؤلّفة قلوبهم من الزَّكاة، وفي عدم تقسيم أرض السَّواد في العراق، وموافقة الصَّحابة على ذلك في حينه.

ومع ذلك، فإنَّنا نجد في العصر الَّذي يليه مَن قال بخلاف هذا الإجماع الاجتهاديِّ, في مسألة تقسيم أراضي سواد العراق، كما أنَّه ليس هناك ما يمنع من إعطاء المؤلّفة قلوبهم في العصر الحاضر من أموال الزكاة؛ إذا دعت الضَّرورة أو مصلحة المسلمين إلى ذلك.

ويدخل وفْق هذا التَّصوُّر أو ضمن هذه الطريقة: التنظيم السِّياسيّ والدستوري، مع العلْم أنَّه لا يعتبر الإجماع الاجتهادي في مثل هذه الأمور ملزِمًا لجميع المسلمين في جميع العصور. وقد رأينا اختلافَ فهم الصحابة الأوَّلين -وهم خير القرون الإسلاميَّة- لطريقة تطبيق الشُّورى في مجال اختيار الخليفة، وغير ذلك من صوَر اختلافهم في الأحكام الشَّرعيَّة العملية, ذات الصلة بالنِّظام السِّياسيّ الإسلاميِّ على العموم.

error: النص محمي !!