Top
Image Alt

المصطلحات التي تطلق على أنواع المجاز “مجاز الاستعارة”

  /  المصطلحات التي تطلق على أنواع المجاز “مجاز الاستعارة”

المصطلحات التي تطلق على أنواع المجاز “مجاز الاستعارة”

فهناك المجاز اللغوي وهو الذي يعنينا، وهناك المجاز الشرعي، وهناك المجاز العرفي الخاص، والمجاز العرفي العام، على نحو ما مر بنا في تعريف الحقيقة، وهنا تتردَّد على ألسنة البلاغيين مصطلحات المجاز الاستعاري، أو الاستعارة، والمجاز المرسل، المجاز اللغوي، والمجاز العقلي، والسؤال فما الفرق بينها؟

نقول: إن الفرق بين الأولين أي: المجاز الاستعاري الاستعارة، والمجاز المرسل، يتمثَّل في نوع العلاقة، فما كانت علاقته المشابهة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، كقولنا: رأيت بحرًا يغترف الناس من كرمه، فالعلاقة بين البحر والرجل الكريم المشابهة في العطاء؛ كان هذا استعارة، وما كانت علاقته غير المشابهة كقولنا: أمطرت السماء نباتًا؛ فالعلاقة بين النبات والغيث المسببية؛ إذ النبات مسبب عن الغيث.

قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ} [البقرة: 19]. فالعلاقة بين الأصابع والأنامل الكلية؛ إذ الأنملة جزء من الأصبع، كما أن هناك أقسامًا للمجاز باعتبار نوع التجوُّز، فإن كان نوع التجوز متصلًا بألفاظ اللغة، أو بما يجري مجراها من جهة خروجها عما وُضعت له في اللغة؛ فهو المجاز اللغوي، وإن كان متصلًا بالإسناد أو التركيب، بإسناد الفعل إلى غير ما هو له في الحقيقة، كما في قول الشاعر مثلًا:

تبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا

فهذا يسمى المجاز العقلي.

إذًا فالمجاز اللغوي إنما يتمثَّل في ألفاظ اللغة، واستعمالها في غير معناها؛ أما المجاز العقلي: فإنما يكون في الإسناد، ويكون بإسناد الفعل، أو ما في معناه إلى غير ما هو له.

معنى مجاز الاستعارة:

إن الاستعارة إنما تعني اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. أو يمكن أن نعرفها بالمعنى المصدري فنقول: هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

ونذكر بعض الأمثلة في عجالة، ثم نفصل القول فيما بعد، مثلًا في قول الله تعالى في شأن المنافقين {فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10]، فهنا نجد أنه استعار لفظ المرض من العلة الجسمانية للنفاق، والعلاقة هي المشابهة الحاصلة بين المرض والنفاق في أن كلًّا منهما يُفسد ما يتصل به، فالمرض يفسد الأجسام، والنفاق يفسد القلوب، والقرينة المانعة من إرادة المرض الجسماني؛ لأن الآية الكريمة مسوقة لذم المنافقين الذين أبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام، ولا معنى لأن يكون الذم في وصفهم بالمرض الجسماني، بل المراد ذمهم بفساد قلوبهم، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز في الآية الكريمة يُنبئ بتمكن النفاق، واستحكامه، واستقراره في قلوب المنافقين حتى صار مرضًا مازج دماءهم، واستشرى فيها، ونذكر كذلك من هذا القبيل قول زهير:

لدى أسد شاكي السلاح مقذف

*له لبد أظفاره لم تقلّم

حيث استعار لفظ الأسد للبطل الشجاع المدجج بالسلاح، وقد أضفت الصفات المذكورة: “مقذف له لبد أظفاره لم تقلم” أضفت على المستعار له ألوانًا من القوة، وصنوفًا من البطولة الفائقة. وواضح لك أن المشبه في كلٍّ من الآية والبيت قد طوي، وطرح وذكر في مكانه المشبه به. إذن فهو من قبيل الاستعارة التصريحية، نذكر مثلًا على سبيل المثال من الاستعارة المكنية قول أبي ذؤيب الهذلي:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

*ألفيت كل تميمة لا تنفع

فقد جعل للمنية أظفارًا تنشبها في فريستها، حيث شبه بالسبع، وطوى المشبه به رامزًا له بشيء من لوازمه وهو الأظفار والإنشاب اللذان أثبتهما للمشبه، وهذا الإثبات إنما هو قرينة الاستعارة المكنية، ويسمى بالقرينة، أو تُسمى هذه القرينة بالاستعارة التخييلية.

من هنا عرف الخطيب الاستعارة بقوله: “هي ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له” فهي مبنية على التشبيه، وقائمة عليه ومتضمنة له، كما رأيت في الشواهد التي سبق أن ذكرناها. والذي صرح فيها إلا بطرف واحد من طرفي التشبيه، فإن صُرِّح بلفظ المشبه به فهي تصريحية، وإن صُرح بلفظ المشبه وحذف المشبه به فهي استعارة مكنية.

وفيما يتعلق بما ينسحب عليه مفهوم ومدلول الاستعارة ثمة إشكال آخر، يتمثَّل هذه المرة فيما حُذف منه الأداة والوجه، وهو ما يُسمى بالتشبيه البليغ، أو حذفا مع المشبه؛ إذ لاحظ البلاغيون أن هناك أمثلة يأتي فيها الطرفان، ولا يمكن درجها تحت التشبيه، كما في قولنا: فلان بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وأخرى حُذف منها أحد طرفي التشبيه، ولا يمكن إدخاله في باب الاستعارة، كما في قوله تعالى: {صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]. باعتبار أن المشبه المحذوف على نية التقدير، وثالثة ذُكر فيها الطرفان، ولا يمكن إدخالها في باب الاستعارة، أو التشبيه الصريح، كما في نحو قولنا لقيت بفلان أسدًا، وقابلت به بحرًا، ومن هنا اختلف البلاغيون في التشبيه البليغ، وهو الذي حُذفت أداته ووجهه، أو لحق بهما المشبه على نية تقديره، وإرادته؛ فبعضهم عده تشبيهًا، وبعضهم جعله استعارة، وبعضهم فصل القول، فرأي الجمهور البلاغيين أن نحو قولنا: محمد أسد، وكان خالدًا أسدًا، وعلمت عليًّا بحرًا، وفر الجبان نعامة، ومررت بفتاة بدر، وقول المتنبي:

أسدٌ دم الأسد الهزبر خضابه

*موت فريص الموت منه يرعد

أي: أنت أسد وموت، وقول غيره:

سد علي وفي الحروب نعامة

يرون أن مثل هذا تشبيه بليغ، ويفرقون بينه وبين الاستعارة من عدة وجوه:

أولًا: فالمشبه به في التشبيه البليغ محكوم به على المشبه، وهذا لا يتأتَّى إلا عن طريق التشبيه؛ إذ يستحيل كون محمد أسدًا على الحقيقة، وهذه الاستحالة قرينة على أن مقصود المتكلم إثبات مشابهة محمد بحقيقة الأسد، لا إثبات حقيقة الأسد له. أما في الاستعارة، فالمشبه به محكوم عليه بغيره، وقولنا كلمت أسدًا، وغنت لنا ظبية، المشبه به وهو الأسد محكوم عليه.

ثانيها: أن التشبيه غرض مقصود لذاته في التشبيه البليغ؛ لإفادة المبالغة، وليس وسيلة لإفادة غيره، ولذا استحق اسم التشبيه. أما في الاستعارة فالتشبيه ليس غرضًا مقصودًا لذاته، بل هو مقصود تبعًا؛ إذ هو وسيلة يُتوصل بها إلى جعل المشبه واحدًا من أفراد المشبه به، ولذا نتناساه ونتجاهله فيُطوى المشبه ويحذف.

ثالثها: أن المشبه في التشبيه البليغ مذكور في الكلام، إما لفظًا أو تقديرًا، أما في الاستعارة فيجب حذفه وطيه وتناسيه، ولذا كانت المبالغة في الاستعارة أقوى، والخيال أشد، فإذا قلنا: رأيت أسدًا يخطب الناس فقد يقع في الوهم قبل أن نقف على القرينة أن المراد الحيوان المفترس، وسرعان ما يندفع هذا التوهم بالقرينة، وذلك لا يتأتَّى في التشبيه البليغ؛ لوجود المشبه لفظًا أو تقديرًا، أو المحذوف وجه الأداة والمشبه هو عند الجمهور من التشبيه البليغ، ويرى بعض البلاغيين أن هذا الأسلوب -هو التشبيه المحذوف الوجه والأداة، أو الذي يقع المشبه به فيه خبرًا عن المبتدأ، أو في حكم الخبر، كما في الأمثلة التي مرت بنا، يرونه استعارة لا تشبيهًا.

ويحتجون بما في الاستعارة من المبالغة في دعوى الاتحاد بين المشبه والمشبه به، كما أن الحكم به عليه في نحو قولنا: محمد أسد، يرجع إلى أن لفظ أسد ليست مستعملًا في معناه الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس، بل هو مستعمل في معنى الجريء، فحمله على محمد باعتبار أن محمدًا أحد أفراده الجريء، فهذا الحمل صحيح لاتحاد الحقيقتين، ومن ثم كان لفظ أسد استعارة، لا تشبيهًا.

يرى الإمام عبد القاهر أن الجمل التي يمكن دخول جميع أدوات التشبيه عليها، ويكون دخولها مقبولًا ومستساغًا، ويتحقق ذلك إذا كان المشبه به معرفة نحو: محمد الأسد، وهند شمس النهار، يمكننا أن ندخلها في باب التشبيه، فتقدير الكلام: محمد كالأسد، وكأن محمدًا أسد، وهو مثل الأسد، أما ما كان بالتشبيه أقرب، وهي تلك الجمل التي يحسن دخول بعض أدوات التشبيه عليها دون البعض، وذلك إذا كان المشبه به نكرة نحو: زيد أسد، وهند بدر، فيحسن أن نقول: كأن زيدًا أسد، وكأن هندًا بدر، وخلته أسدًا، وعلمتها بدرًا يجد أن هذا إلى التشبيه أقرب؛ أيُّ هذه الآراء أرجح؟

الجواب: هو رأي الجمهور؛ لأن التشبيه البليغ تشبيه، وليس باستعارة؛ حيث صرَّح فيه بطرفي التشبيه، وما يراه عبد القاهر من ترجيح إطلاق اسم الاستعارة على بعض صوره، وتحتيم إطلاقها على بعض يُمكن دفعه بأن الكلام فيها مبني على الخيال، وعلى تصور وجود أشياء خيالية، وأجناس جديدة تُضاف إلى الأشياء الموجودة، والأنماط المألوفة، فالمتنبي يتخيل دم الأسود خضابه، وموتًا فرائص الموت منه ترعد، ثم يشبه بهما ممدوحه إلى آخر ذلك.

إذن نخلص مما سبق: أن المجاز اللغوي موجود في اللغة وفي القرآن، والذي ينبغي إنكاره هو أن نجريه في نصوص الوحي كتابًا وسنة على ما ثبت في حق الله من صفات، وما ذلك إلا لكون هذه الصفات على ظاهرها، وعلى حقيقتها، وأنها تكون بالنسبة له على النحو اللائق به جل وعلا، كما وضح من خلال ما سبق أن المجاز اللغوي هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب، وأنه باعتبار نوع التجوز يختص بألفاظ اللغة، ومفرداتها، أو ما قام مقامها في طرفي التشبيه؛ خلافًا للمجاز العقلي الذي يختص بالتجوز في الأسانيد أي: بإسناد الأفعال، أو ما في معانيها إلى غير ما هي لها.

وسنذكر فيما بعد أن الفرق بين المجاز الكناية يتمثَّل في نوع القرينة، فإن كانت مانعة، فمجاز، وإلا فكناية.

أما ما لا يحسن تقدير أداة من أدوات التشبيه فيها إلا بتغيير في بنائها بأن يكون المشبه به نكرة موصوفة بأوصاف لا تلائمه نحو: فلان بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب؛ فهو إلى الاستعارة أقرب.

أما ما تعين حمله على الاستعارة، فهي تلك الجمل التي يستحيل تقدير أدوات التشبيه فيها؛ لأن تقديرها يؤدي إلى التناقض وإفساد غرض المتكلم، إذا كان المشبه به نكرة موصوفة بصفات لا توجد فيها، ومراعاة التشبيه معها يفسد معنى الكلام، كما ذكرنا في بيت المتنبي:

أسدٌ دم الأسد الهزبر خضابه

*موت فريص الموت منه يرعد

فلا يقال: هو كأسد، أو كأنه أسد دم الأسد الهزبر خضابه؛ لأن مقتضى التشبيه أن يكون المشبه به أقوى من المشبه، أو مثله في قوته، وقوله “دم الأسد الهزبر خضابه” يقتضي أن يكون الممدوح أقوى من الأسد، وهذا تناقض، ولكن حمل البيت على الاستعارة يدفع هذا التناقض؛ حيث تكون الصفات المذكورة منصبَّة على الممدوح، لا على الأسد.


error: النص محمي !!