• العربية
Top
Image Alt

المصنفات في غريب ألفاظ الحديث

  /  المصنفات في غريب ألفاظ الحديث

المصنفات في غريب ألفاظ الحديث

صنف جماعة من الأئمة في غريب ألفاظ الحديث والأثر كتبا كثيرة نذكر منها ما يأتي:

الكتاب الأول: (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي الحافظ، المتوفى في سنة أربع وعشرين ومائتين من الهجرة، وقد استبقى أبو عبيد عمره في تأليف هذا الكتاب حتى قال فيما يروى عنه: “إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة”. وذكر الحافظ الكتاني أن اسم الكتاب (غريب الحديث والآثار).

قال ابن الأثير عن هذا الكتاب بعد أن ذكر المصنفات التي صنفت قبله: “واستمر الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام، وذلك بعد المائتين، فجمع كتابه المشهور في (غريب الحديث والآثار) الذي صار وإن كان أخيرًا أولًا؛ لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة، فصار هو القدوة في هذا الشأن، فإنه أفنى فيه عمره، وأطاب به ذكره حتى لقد قال فيما يروى عنه: “إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وكان خلاصة عمري” ولقد صدق رحمه الله فإنه احتاج إلى تتبع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثرتها، وآثار الصحابة والتابعين على تفرقها وتعددها، حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رواتها، وهذا فن عزيز شريف لا يوفق له إلا السعداء.

وظن -رحمه الله تعالى- على كثرة تتبعه وطول نصبه أنه قد أتى على معظم غريب الحديث، وأكثر الآثار، وما علم أن الشوط بعيد، والمنهل معين، وبقي على ذلك كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه، ويعتمدون في غريب الحديث عليه، إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة -رحمه الله”.

منهج أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه (غريب الحديث):

رتب أبو عبيد كتابه (غريب الحديث) فبدأ بالأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم بالأحاديث الموقوفة على الصحابة رضي الله عنهم بادئًا بأحاديث الخلفاء الراشدين ثم ذكر أحاديث بعض أمهات المؤمنين وغيرهن، ثم ذكر الأحاديث المقطوعة أي المنسوبة إلى التابعين، ثم ذكر في آخر الكتاب أحاديث غير منسوبة إلى أحد.

لم يرتب أبو عبيد كتابه على حروف الهجاء لا في أول الحديث، ولا بالنسبة للكلمات الغريبة، كما فعل ابن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر)، وهذا جعل الوصول إلى الكلمة التي يبحث عن معناها شاق جدًّا؛ لأنه إذا كانت الكلمة في حديث مرفوع، فلا بد للوصول إليها من استقراء الأحاديث المرفوعة من أولها حتى يعثر الباحث على الكلمة التي يبحث عنها، هذا إن كانت الكلمة موجودة في الكتاب، وقد لا تكون موجودة، غير أن محقق الكتاب -جزاه الله خيرًا- قام بعمل فهارس في آخر كل جزء رتب الأحاديث فيها على حروف الهجاء، وبذلك يكون قد سهل الوصول إلى الكلمة التي يبحث عنها، إذا كان الباحث حافظًا لأول كلمة من متن الحديث أي: مطلع الحديث، وتوافقت روايته مع رواية المصنف.

أحاديث كتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد مسندة إلى قائلها، فيرويها أبو عبيد بإسناده إلى قائلها الأول، إلا أنه يقدم المتن على الإسناد على خلاف عادة المحدِّثين، ولعله فعل ذلك؛ لأن هدفه الأساسي بيان غريب الحديث، والغريب إنما يقع في متون الأحاديث، وذكر الأسانيد له منزلة عالية رفيعة عند علماء الحديث، قد يذكر أبو عبيد للحديث أكثر من إسناد وذلك لاختلاف الرواية. قد يذكر أبو عبيد الحديث بدون إسناد، وهذا قليل. اهتم أبو عبيد بضبط ما يحتاج إلى ضبط من أسماء الرواة.

اهتم أبو عبيد بالتنبيه على المحفوظ من الروايات، اكتفى أبو عبيد بذكر موطن الغريب من الحديث، وخاصة في الأحاديث الطوال مجانبة للإطالة، قد يكرر أبو عبيد الأحاديث التي رويت بأكثر من لفظ؛ لأن هدفه بيان الغريب، ومتى تكررت كلمة غريبة في الرواية، فهي بحاجة إلى بيان؛ لذلك يحتاج أبو عبيد إلى تكرار الرواية، قد يورد أبو عبيد أحاديث لا تشتمل على ألفاظ غريبة لبيان المعنى العام للحديث، يفسر أبو عبيد الألفاظ الغريبة في الحديث باستقصاء مبينًا ما فيها من وجوه العربية حتى يزيل غرابتها.

فسر أبو عبيد غريب الحديث بالقرآن الكريم، حيث يشرح أبو عبيد غريب الحديث ثم يذكر ما يؤيد شرحه من القرآن الكريم، كما فسر أبو عبيد غريب الحديث أيضا بالحديث الشريف، حيث يشرح غريب الحديث ثم يؤيد شرحه بما ورد في الأحاديث، سواء كانت مرفوعة أو موقوفة أو مقطوعة، كما فسر أبو عبيد أيضًا غريب الحديث بما ورد في الشعر العربي، والأمثال العربية، والمأثور من كلام العرب، كما فسر المعنى العام إن احتاج إلى تفسير.

عرض أبو عبيد آراء السابقين ونسبها إلى أصحابها وناقشها، واختار منها ما يراه مناسبًا وأدلى برأيه، لم يكتف أبو عبيد -رحمه الله تعالى- في كتابه (غريب الحديث) ببيان المعنى اللغوي للألفاظ الغريبة، وإنما جمع في كتابه بجوار ذلك القضايا العربية، والدراسات العقدية والفقهية، ورد على المخالفين لأهل السنة والجماعة وغير ذلك، رحم الله أبا عبيد رحمة واسعة وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين.

الكتاب الثاني: (غريب الحديث والآثار) لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، المتوفى في سنة ست وسبعين ومائتين من الهجرة، وكتاب أبي محمد بن قتيبة ذيل لكتاب أبي القاسم بن سلام، جمع فيه ما فات أبا عبيد القاسم بن سلام في كتابه (غريب الحديث) ولم يذكر فيه شيئًا مما ذكره أبو عبيد إلا ما دعت الحاجة إليه، وهذا الذيل أكبر من أصله مع أنه أضاف إليه كثيرًا من أوهام أبي عبيد، وأفرد للاعتراض عليه كتابا سماه (إصلاح الغلط) كما قال الحافظ الكتاني.

قال ابن الأثير عن ابن قتيبة وكتابه: “صنف كتابه المشهور في (غريب الحديث والآثار) حذا فيه حذو أبي عبيد، ولم يودعه شيئًا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد، إلا ما دعت إليه حاجة من زيادة وبيان أو استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه. وقال في مقدمة كتابه: “وقد كنت زمانًا أرى أن كتاب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث، وأن الناظر فيه مستغن به، ثم تعقبت ذلك بالنظر والتفتيش، والمذاكرة فوجدت ما ترك نحوًا مما ذكر، فتتبعت ما أغفل وفسرته على نحو ما فسر، وأرجو ألا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال”.

الكتاب الثالث: (غريب الحديث) لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي أحد معاصري ابن قتيبة والمتوفى بعده.

قال الحافظ الكتاني عن هذا الكتاب: “وهو كتاب حافل أطاله بالأسانيد وسياق المتون بتمامها، ولو لم يكن في المتن من الغريب إلا كلمة واحدة، فهجر لذلك كتابه مع كثرة فوائده، وجلالة مؤلفه”.

الكتاب الرابع: (الدلائل في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث) لأبي محمد قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي. قال الكتاني عن هذا الكتاب: “وفيه قال أبو علي القالي: ما أعلم أنه وضع بالأندلس مثل كتاب (الدلائل). قال ابن الفرضي: ولو قال: ما وضع مثله بالمشرق ما بَعُد”. وتوفي قاسم بن ثابت بن حزم قبل أن يكمل الكتاب، فأكمله والده ثابت بن حزم بن عبد الرحمن الحافظ المشهور، المتوفى في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.

الكتاب الخامس: (غريب الحديث) لأبي سليمان أحمد بن محمد بن أحمد الخطابي البستي، المتوفى بعد سنة ستين وثلاثمائة من الهجرة.

قال الكتاني: “وهو ذيل على كتاب (غريب الحديث) لابن قتيبة مع التنبيه على أغاليطه”. قال ابن الأثير: “واستمرت الحال إلى عهد الإمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن أحمد الخطابي البستي -رحمه الله- وكان بعد الثلاثمائة والستين، فألف كتابه المشهور في غريب الحديث سلك فيه نهج أبي عبيد، وابن قتيبة واقتفى هديهما.

وقال في مقدمة كتابه بعد أن ذكر كتابيهما، وأثنى عليهما: “وبقيت بعدهما بقية توليت جمعها وتفسيرها مسترسلا بحسن هدايتهما، وفضل إرشادهما، بعد أن مضى علي زمان، وأنا أحسب أنه لم يبق في هذا الباب لأحد متكلم، وأن الأول لم يترك للآخر شيئًا” واستند على قول ابن قتيبة في خطبة كتابه: “إنه لم يبق لأحد في غريب الحديث مقال”. قال الخطابي: “وأما كتابنا هذا فإني ذكرت فيه ما لم يرد في كتابيهما -أي: كتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد، وكتاب (غريب الحديث) لابن قتيبة- فصرفت إلى جمعه عنايتي، ولم أزل أتتبع مظانها وألتقط آحادها حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفق له، واتسق الكتاب، فصار كنحو من كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه.

قال: وبلغني أن أبا عبيد مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث والأثر، والناس إذ ذاك متوافرون والروضة أنف، والحوض ملآن، ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده، ثم سعى له أبو محمد سعي الجواد، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذوات عدد لم أتيسر لتفسيرها، تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده، ولكل وقت قوم ولكل نشء علم. قال الله تعالى: {وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ} [الحجر: 21]”.

قال ابن الأثير: “لقد أحسن الخطابي -رحمه الله تعالى- وأنصف، وعرف الحق فقاله، وتحرى الصدق فنطق به، فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمهات الكتب، وهي الدائرة في أيدي الناس، والتي يعول عليها علماء الأمصار، إلا أنها وغيرها من الكتب المصنفة التي ذكرتها أو لم نذكرها لم يكن فيها كتاب صنف مرتبًا، ومقفى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه، إلا كتاب الحربي، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء، ولا خفاء لما في ذلك من المشقة والنصب مع كون الحديث المطلوب لا يعرف في أي واحد من الكتب، فيحتاج طالب غريب الحديث إلى اعتبار جميع الكتب أو أكثرها حتى يجد غرضه من بعضها”.

الكتاب السادس: (السئر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث). كتاب (الغريبين في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث) لأبي عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد الهروي المتوفى في سنة إحدى وأربعمائة.

قال ابن الأثير: “فلما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب الإمام أبي منصور الأزهري اللغوي، وكان في زمن الخطابي وبعده وفي طبقته، صنف كتابه المشهور (السئر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث) ورتبه مقفى على حروف المعجم على وضع لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها، وأثبتها في حروفها وذكر معانيها، إذ كان الغرض والمقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغةً وإعرابًا ومعنًى، لا معرفة متون الأحاديث والآثار، وطرق أسانيدها وأسماء رواتها، فإن ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله، ثم إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عبيد وابن قتيبة، وغيرهما ممن تقدم عصره من مصنفي الغريب، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنفة قبله، فجاء كتابه جامعًا في الحسن بين الإحاطة والوضع.

فإذا أراد الإنسان كلمة غريبة وجدها في حرفها بغير تعب، إلا أنه جاء الحديث مفرقًا في حروف كلماته، حيث كان هو المقصود والغرض، فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار، وما زال الناس بعده يقتفون هديه، ويتبعون أثره ويشكرون له سعيه، ويستدركون ما فاته من غريب الحديث والآثار”.

قال أبو الفرج بن الجوزي: “ثم جمع أبو عبيد الهروي صاحب (الغريبين) كتابًا أوهم فيه أنه لم يبق شيئًا، وإنما اقتصر على ما ذكره الأزهري في كتاب (التهذيب) ورأيته قد أخل بأشياء، وذكر أشياء ليست بغريبة فلا تحتاج إلى تفسير”.

الكتاب السابع: (الفائق في غريب الحديث) لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري، صاحب التصانيف التي منها (الكشاف في تفسير القرآن الكريم) المتوفى في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة.

قال ابن الأثير عن هذا الكتاب: “فصنف -أي: الزمخشري- كتابه المشهور في غريب الحديث وسماه (الفائق)، ولقد صادف هذا الاسم مسمى، وكشف عن غريب الحديث كل معمى ورتبه، وعلى وضع اختاره مقفى على حروف المعجم، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة، وإن كانت دون غيره من متقدم الكتب؛ لأنه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسرودًا جميعه أو أكثره أو أقله، ثم شرح ما فيه من غريب، فيجيء شرح كل كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم، فتجد الكلمة في غير حرفها، وإذا تطلبها الإنسان تعب حتى يجدها، فكان كتاب الهروي أقرب متناولًا وأسهل مأخذًا، وإن كانت كلماته متفرقة في حروفها، وكان النفع به أتم والفائدة منه أعم”.

الكتاب الثامن: (المغيث) لأبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني، المتوفى في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة من الهجرة، وهذا الكتاب ذيل على كتاب (الغريبين في غريب القرآن الكريم والحديث) كمل به ما فات الهروي، واستدرك عليه، وهو كتاب نافع جدًّا.

قال ابن الأثير عن هذا الكتاب: “فلما كان زمن الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني، وكان إمامًا في عصره حافظًا متقنًا تشد إليه الرحال، وتناط به من الطلبة الآمال، قد صنف كتابًا جمع فيه ما فات الهروي من غريب القرآن والحديث، يناسبه قدرًا وفائدة، ويماثله حجمًا وعائدة، وسلك في وضعه مسلكه، وذهب فيه مذهبه، ورتبه كما رتبه، ثم قال: واعلم أنه سيبقى بعد كتابي أشياء لم تقع لي، ولا وقفت عليها؛ لأن كلام العرب لا ينحصر” ولقد صدق رحمه الله فإن الذي فاته من الغريب كثير، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.

قال ابن الأثير: “وأما أبو موسى الأصفهاني -رحمه الله- فإنه لم يذكر في كتابه ما ذكره الهروي إلا كلمة اضطر إلى ذكرها، إما لخلل فيها أو زيادة في شرحها أو وجه آخر في معناه، ومع ذلك فإن كتابه يضاهي كتاب الهروي كما سبق؛ لأن وضع كتابه استدراك ما فات الهروي”.

الكتاب التاسع: (غريب الحديث) للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي البغدادي. قال أبو الفرج بن الجوزي بعد أن ذكر بعض المصنفين في غريب الحديث: “فرأيت أن أبذل الوسع في جمع جميع غريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، وأرجو ألا يشذ عني مهم من ذلك، وأن يغني كتابي عن جميع ما صنف في ذلك، وقد رتبته على حروف المعجم، وإنما آتي بالمقصود من شرح الكلمة من غير إيغال في التصريف والاشتقاق، إذ كتب اللغة أولى بذكر ذلك، وإنما آثرت هذا الاختصار تلطفًا للحافظ والله الموفق”.

قال ابن الأثير عن هذا الكتاب: “وكان في زمننا أيضًا معاصر أبي موسى -أي: الهروي- الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي البغدادي -رحمه الله- كان متفننًا في علومه متنوعًا في معارفه فاضلًا، لكنه كان يغلب عليه الوعظ، وقد صنف كتابًا في غريب الحديث خاصة نهج فيه طريق الهروي في كتابه، وسلك فيه محجته مجردًا من غريب القرآن، وهذا لفظه في مقدمته بعد أن ذكر مصنفي الغريب، قال: “فقويت الظنون أنه لم يبق شيء، وإذا قد فاتهم أشياء، فرأيت أن أبذل الوسع في جمع غريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، وأرجو ألا يشذ عني مهم من ذلك، وأن يغني كتابي عن جميع ما صنف في ذلك. ولقد تتبعت كتابه فرأيه مختصرًا من كتاب الهروي، منتزعًا من أبوابه شيئًا فشيئًا، ووضعًا فوضعًا، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذة واللفظة الفاذة، وقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهروي فلم يكن إلا جزءًَا يسيرًا من أجزاء كثيرة”.

الكتاب العاشر: (النهاية في غريب الحديث والأثر) للإمام أبي السعادات أثير الدين أو مجد الدين المبارك بن محمد، المعروف بابن الأثير الشيباني الجزري الشافعي، المتوفى في سنة ست وستمائة من الهجرة، ويقع في أربعة مجلدات.

قال ابن الأثير: “ولما وقفت على كتابه -أي: كتاب أبي موسى الأصفهاني- الذي جعله مكملًا لكتاب الهروي ومتممًا، وهو في غاية من الحسن والكمال، وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين، فإن وجدها فيه، وإلا طلبها من الكتاب الآخر، وهما كتابان كبيران، ذوا مجلدات عدة، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مجردًا من غريب القرآن، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلًا لكلفة الطلب، وتمادت بي الأيام في ذلك أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، إلى أن قويت العزيمة، وخلصت النية وتحققت في إظهار ما في القوة إلى الفعل ويسر الله الأمر وسهله ووفق إليه. فحينئذ أمعنت النظر، وأنعمت الفكر في اعتبار الكتابين والجمع بين ألفاظهما، وإضافة كل منهما إلى نظيره في بابه فوجدتهما -على كثرة ما أودع فيهما من غريب الحديث والأثر- قد فاتهما الكثير الوافر، فإني في بادئ الأمر وأول النظر مر بذكري كلمات غريبة من غرائب أحاديث الكتب الصحاح، كـ(صحيح الإمام البخاري) و(صحيح الإمام مسلم) وكفاك بهما شهرة في كتب الحديث لم يرد شيء منهما في هذين الكتابين، فحيث عرفت ذلك تنبهت لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدونة المصنفة في أول الزمان، وأوسطه وآخره، فتتبعتها واستقرأت ما حضرني منها واستقصيت مطالعتها من المسانيد، والمجامع وكتب السنن والغرائب قديمها وحديثها وكتب اللغة على اختلافها، فرأيت فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين كثيرًا، فصدفت حينئذ عن الاقتصار على الجمع بين كتابيهما، وأضفت ما عثرت عليه ووجدته من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها وأمثالها.

وما أحسن ما قال الخطابي وأبو موسى -رحمهما الله تعالى- في مقدمة كتابيهما، وأنا أقول أيضًا مقتديًا بهما: كم يكون قد فاتني من الكلمات الغريبة التي تشتمل عليها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم } جعلها الله سبحانه ذخيرة لغيري يظهرها على يده ليذكر بها وقد صدق القائل: كم ترك الأول للآخر, فحيث حقق الله سبحانه وتعالى النية في ذلك سلكت طريقة الكتابين في الترتيب الذي اشتملا عليه، والوضع الذي حوياه من التقفية على حروف المعجم، بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة، وأتبعهما بالحرف الثالث منهما على سياق الحروف.

إلى أن قال: وجعلت على ما فيه من كتاب الهروي (هاء) بالحمرة، وعلى ما فيه من كتاب أبي موسى سينًا، وما أضفته من غيرهما مهملًا بغير علامة؛ ليتميز ما فيها عما ليس فيها، وجميع ما في هذا الكتاب من غريب الحديث والآثار ينقسم قسمين؛ القسم الأول: مضاف إلى مسمى، والآخر غير مضاف.

فما كان غير مضاف فإن أكثره والغالب عليه أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الشيء القليل الذي لا تعرف حقيقته هل هو من حديثه أو حديث غيره؟ وقد نبهنا عليه في مواضعه.

وأما ما كان مضافًا إلى مسمى، فلا يخلو إما أن يكون ذلك المسمى هو صاحب الحديث واللفظ له، وإما أن يكون راويًا للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره، وإما أن يكون سببا في ذكر ذلك الحديث أضيف إليه، وإما أن يكون له فيه ذكر عرف الحديث به واشتهر بالنسبة إليه، وقد سميته (النهاية في غريب الحديث والأثر)”.

قال الحافظ السيوطي عن كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير: “وهو أحسن كتب الغريب، وأجمعها، وأشهرها الآن وأكثرها تداولًا”.

error: النص محمي !!