Top
Image Alt

المطلق والمقيد

  /  المطلق والمقيد

المطلق والمقيد

من أنواع دلالة النص القرآني: المطلَق، والمقيَّد. 1. تعريف المطلق، والمقيد: المطلق: ما دل على فرضٍ شائعٍ غير مقيدٍ لفظًًا بأي قيد، كما تقول: تلميذ، أو طائر، فهو لفظٌ مطلقٌ، وعرّفه العلماء بنفس المعنى: هو ما دل على الحقيقة بلا قيدٍ، فهو يتناول واحدًا لا بعينه من الحقيقة، وأكثر مواضع النكرة في الإثبات كلفظ {رَقَبَةٍ}، في مثل قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92]، فإنه يتناول عتق إنسانٍ مملوك، وهو شائعٌ في جنس العبيد -مؤمنهم وكافرهم على السواء- وهو نكرةٌ في الإثبات؛ لأن معنى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، أي: فعليه تحرير رقبة. وكما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))، رواه أحمد، والأربعة، وهو مطلقٌ في جنس الأولياء، سواءٌ أكان رشيدًا، أو غير رشيد؛ ولهذا عرّفه بعض الأصوليين، بأنه: عبارة عن النكرة في سياق الإثبات؛ فقولنا: “نكرة”، احتراز على أسماء المعارف، وما مدلوله واحد معين، وقولنا: “في سياق الإثبات”، احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنها تعم جميع جنسها. المقيد: ما دل على فرضٍ مقيدٍ لفظًًا بقيدٍ ما، كما تقول: تلميذٌ مجتهدٌ، أو حيوانٌ ناطقٌ، وعرفه العلماء، بأنه: ما دل على الحقيقة بقيدٍ، وهما متقاربان، ما دل على الحقيقة بقيدٍ كالرقبة المقيدة بالإيمان، في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، هذا في آيةٍ أخرى. 2. أقسام المطلق، والمقيد: قال العلماء: إن أقسام المطلق والمقيد، وحكم كل منهما، لها أقسام، وللمطلق، والمقيد صور عقلية، هي ثلاث صور تقريبًا: الصورة الأولى: إما أن يتحد المطلق، والمقيد في السبب والحكم، كالصيام في كفارة اليمين، جاء مطلقًا في القراءة المتواترة بالمصحف: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]، وورد مقيدًا بالتتابع في قراءة ابن مسعود: “فصيام ثلاثة أيام متتابعات”، مثل هذا يُحمل المطلق فيه على المقيد؛ لأن السبب الواحد لا يوجب المتنافيين؛ ولهذا قال قومٌ بالتتابع، وخالفهم من يرى أن القراءة غير المتواترة -وإن كانت مشهورة- ليست حجة، فليس هنا مقيد حتى يحمل عليه المطلق. وكقوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [المائدة: 3]، مع قوله تعالى: {قُل لاّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَىَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مّسْفُوحاً} [الأنعام: 145]، فالحكم هنا واحد في النصين، وهو الحرمة، والسبب واحد، وهو الأذى في التناول، وجاء لفظ الدم مطلقًا في أحد النصين، ومقيدًا في الآخر، فوجب حمل المطلق على المقيد؛ لأنه متفقٌ عليه بين الأصوليين. الصورة الثانية: أن يتحد السبب، ويختلف الحكم كالأيدي في الوضوء والتيمم، قُيِدَ غسل الأيدي في الوضوء، بأنه إلى المرافق، قال تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، وأُطلق المسح في التيمم، قال تعالى: {فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ} [المائدة: 6]، فعندما يختلف الحكم، ويتحد السبب، قيل: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لاختلاف الحكم. ونقل الغزالي، عن أكثر الشافعية رأيًّا آخر، وهو حمل المطلق على المقيد هنا؛ لاتحاد السبب، وإن اختلف الحكم، والراجح: عدم حمل المطلق على المقيد، ولا المقيد على المطلق، طالما اختلف الحكم. الصورة الثالثة: أن يختلف السبب، ويتحد الحكم، وفي هذا صورتان: الأولى: أن يكون التقييد واحدًا، كعتق الرقبة في الكفارة، ورد اشتراط الإيمان في الرقبة، بتقييدها بالرقبة المؤمنة، في كفارة القتل الخطأ، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وأُطلقت في كفارة الظهار، قال تعالى: {وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا} [المجادلة: 3]. وكذا في كفارة اليمين، قال تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]، هنا اتحد الحكم، واختلف السبب، والتقييد واحد. قال الجمهور –المالكية، والشافعية-: يُحمل المطلق على المقيد من غير دليل، فلا تجزئ الرقبة الكافرة، في كفارة الظهار واليمين. وقال آخرون -الأحناف-: لا يحمل المطلق على المقيد إلا بدليل، فيجوز إعتاق الكافرة، في كفارة الظهار واليمين. وحجة أصحاب الرأي الأول: أن كلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه، فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل، كان ذلك تنصيصًا على اشتراطه في كفارة الظهار؛ ولهذا حُمل قوله تعالى: {وَالذّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35]، على قوله -في أول الآية-: {وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 35]، من غير دليلٍ خارج، أي: “والذاكرات الله كثيرًا”، والعرب من مذهبها استحباب الإطلاق؛ اكتفاءً بالقيد، وطلبًا للإيجاز والاختصار. وأما حجة أصحاب أبي حنيفة؛ فإنهم قالوا: إن حمل {وَالذّاكِرَاتِ}، على: {وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً}، جاء بدليلٍ، وهو: أن قوله: {وَالذّاكِرَاتِ}، معطوفٌ على قوله: {وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً}، ولا استقلال له بنفسه؛ فوجب رده إلى ما هو معطوفٌ عليه، ومشاركٌ له في حكمه. ويجاب عن ذلك: لا نُسلم أنه يلزم من قياس المطلق على المقيد، نسخ النص المطلق؛ بل تقييده ببعض مسمياته، فتُقيد الرقبة بأن تكون مؤمنة، فيكون الإيمان شرطًا في الخروج عن العهدة، كما أنكم تشترطون فيها صفة السلامة، ولم يدل على ذلك نصٌّ من كتابٍ، أو سُنة. الثانية: أن يكون التقييد مختلفًا، كالكفارة بالصوم، فقُيّدَ الصوم بالتتابع في كفارة القتل، قال تعالى: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ اللّهِ} [النساء: 92]. وفي كفارة الظهار، قال تعالى: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا} [المجادلة: 4]. وجاء تقييده بالتفريق، في صوم المتمتع بالحج، قال تعالى: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]، ثم جاء الصوم مطلقًا دون تقييدٍ، لا بالتتابع ولا بالتفريق، في كفارة اليمن، قال تعالى: {فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ} [المائدة: 89]. وفي قضاء رمضان، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فالمطلق في هذا، لا يُحمل على المقيد؛ لأن القيد مختلفٌ، فحمل المطلق على أحدهما، ترجيحٌ بلا مرجح. الصورة الرابعة: أن يختلف السبب، والحكم كاليد في الوضوء، والسرقة، قُيِدَتْ في الوضوء إلى المرافق، وأُطلقت في السرقة، قال تعالى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فلا يُحمل المطلق على المقيد؛ للاختلاف سببًًا وحكمًا، وليس في هذا شيءٌ من التعارض. قال صاحب (البرهان): إن وُجِدَ دليلٌ على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا، والمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده؛ لأن الله تعالى خاطبنا بلغة العرب، والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفةٍ أو شرطٍ، ثم ورد حكمٌ آخر مطلقًا نُظر، فإن لم يكن له أصلٌ يُرد إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به، وإن كان له أصلٌ غيره، لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر.

error: النص محمي !!