Top
Image Alt

المعاهدات والحصانات وأنواعها، وانقضاء المعاهدات وموقف الإسلام منها، الباعث على الحرب في الإسلام، وآدابه فيها

  /  المعاهدات والحصانات وأنواعها، وانقضاء المعاهدات وموقف الإسلام منها، الباعث على الحرب في الإسلام، وآدابه فيها

المعاهدات والحصانات وأنواعها، وانقضاء المعاهدات وموقف الإسلام منها، الباعث على الحرب في الإسلام، وآدابه فيها

أ. المعاهدات والحصانات، وموقف الإسلام منها:

لقد عرفت المجتمعات البشرية المعاهدات منذ العصور القديمة، حين سعَتْ لتنظيم علاقاتها وربْطها برباط قوي، يحفظ لها احترامها واستمرارها. وأصبحت المعاهدات إحدى الوسائل التي تنظّم بها الدّول علاقتها بالآخَرين في السلم والحرب؛ فكانت هناك المعاهدات التي توقف الحرب، أو تعقد الصلح، أو تقرّ الهدنة، والمعاهدات التي تنظّم أوضاع المحارَبين والغنائم والأسرى، وسيادة الدّول واستقلالها، أو خضوعها للدول المنتصرة… إلخ.

كما عرفت الدّول -وقت السلم- الاتفاقيات والمعاهدات التجارية والثقافية، وكذلك المعاهدات التي تنظّم تبادل السفراء والقناصل، وتنظّم أوضاع رعايا الدوَل لدى الدول الأخرى، إلى غير ذلك… 

وفي ظل الإسلام، كانت المعاهدات وسيلة لتنظيم العلاقات بين الدولة الإسلامية والدّول الأخرى. كما اتّسع نطاقها على نحو لم يكن معهودًا من قبْل، حيث شملت الدّوَل والقبائل والأفراد؛ فكانت بذلك أكثر شمولية واتساعًا، كما كانت أكثر معالجة لمستجدّات العلاقات، حيث أعطى هذا الاتّساع الدولة الإسلامية حرية الحركة في إقامة علاقاتها بالآخَرين ابتداءً من عقد الذمة الفردي، وانتهاءً بالاتفاقيات الدولية التي تدخل فيها أطراف متعدّدة.

وإذا كان المعاهدات في الإسلام قد اتّصفت بهذا البعد، بشمولها واتساع محتواها، فإنها قد تعدّدت في مختلف الميادين، فشملت في موضوعاتها: إنهاء الحرب، وعقد الصلح، وإقرار السلام والأمان، والهدنة، وغير ذلك…

وفي ميدان السِّلم تجاوزت ذلك أيضًا إلى إقرار مبدأ السلام بين الشعوب، وكذلك حرية العقيدة، وحرية التجارة. ونظّمت المعاهدات أيضًا علاقات الدولة الإسلامية بغيرها من الدول وقت السِّلم.

و”المعاهدة” من: العهد. وقد وردت كلمة “العهد” في اللغة العربية بعِدّة معان، منها: “العهد” بمعنى: الوصية، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيَ آدَمَ} [يس: 60]، “العهد” بمعنى: التقدم إلى المرء في شيء، “العهد” بمعنى: الموثق واليمين. وقد وردت كلمة “العهد” بمعان أخرى: كالحلف، والميثاق، والشرط، والأمان، وغير ذلك…

أما في الاصطلاح الشرعي: فقد نظر الفقهاء إلى المعاهدات بوصفها وسيلة لتنظيم العلاقات الحربية بين المسلمين وغيرهم؛ ولذلك اتّجهت أغلب التعريفات لهذا المعنى، حيث عُرفت بأنها: الموادعة، أو العهد الذي يعقده المسلمون مع أهل الذمة، أو المهادنة، أو الصلح، أو غير ذلك من المعاني التي تبحث في العلاقة الحربية…

وطبعًا لا يتسع الوقت للكلام عن مشروعيتها، وتاريخها قديمًا وحديثًا، ولا لبيان شروطها؛ وإنما تكفيني الإشارة إلى أهدافها، وأنواعها، ثم انقضاؤها.

أهداف المعاهدات:

فقد عرفَت الأمم والدول القديمة والحديثة المعاهدات والأحلاف والاتفاقيات، لتحقيق أهداف عديدة. كان تحقيق السلم بين الدول والشعوب والقبائل من الأهداف الرئيسة للمعاهدات. كما توجد أهداف أخرى تسعى لها الدّوَل من خلال عقد المعاهدات. ومع اتساع العلاقات الخارجية، وتداخلها بين الدول، وانتشار حالة السلم بينها، دخلت أهداف جديدة ومتنوّعة دعَت إليها الحاجة. وقد أدّى ذلك إلى وجود أهداف جديدة لم تكن معروفة من قبل. وكانت الدول الإسلامية من أبرز الدول التي تنوّعت أهداف المعاهدات فيها بين السلم والحرب، وتبادل المصالح، وغيرها…

ولذا فإننا نستطيع أن نحدِّد بعض الأهداف للمعاهدات في الشريعة الإسلامية، ومن أهمِّها بإيجاز ما يلي:

  1. إنهاء حالة الحرب، وتسوية الصراع الذي يكون قائمًا بين الدول: فتُعقد المعاهدات التي تُنهي الحرب، وتنظِّم العلاقات بين الطرفيْن.
  2. تسوية الآثار التي تخلِّفها الحرب: كالمعاهدات التي تنظّم شئون أسْرى الحرب، وفداءهم، وتبادلهم، وكذلك مشكلات الرهائن، وغير ذلك…
  3. درء الأخطار التي قد تحيط بالدول: فتسعى إلى عقد المعاهدات لدفع الأخطار التي تحيط بها، حتى تتجنّب الدول مشكلات يمكن تجنّبها بالمعاهدات.
  4. تحقيق المصالح بين الدوَل: فقد أدّى تداخل الدوَل، واتصالها ببعضها، وتنوّع المصالح بينها، إلى قيام علاقات بينها يتمّ تنظيمها من خلال المعاهدات، كمعاهدات تبادل السفراء، وهو ما يعرف بـ”اتّفاقيات تبادل التمثيل الدبلوماسي”، وكذلك المعاهدات الثقافية، وغيرها من صوَر المعاهدات التي تنظّم المصالح في العصر الحديث…
  5. تنظيم العلاقات المشتركة: فحين تكون هناك دولتان متجاورتان تنشأ بينهما علاقات وقضايا مشتركة، كرسم الحدود وتنظيمها، وكذلك المعاهدات التي تنظّم الملاحة والمراعي المشتركة بين الدول، والأنهار التي تمر في أكثر من دولة، وغيرها من العلاقات المشتركة.
  6. تنظيم العلاقات التجارية التي قد تُعدّ من المصالح: إلاّ أنها لكثرتها وأهميتها أصبحت هدفًا مستقلًا.
  7. تنظيم شئون مواطني الدول لدى الدول الأخرى: مثل: الأقليات. فقد انتقلت أعداد كبيرة من بعض الدول، واستقرت في دول أخرى، وأصبحت حالة خاصة ليس لها حقوق المواطنين، ولا يمكن أن تبقى بلا نظام ينظّم شئون حياتها؛ ولذلك فإنّ المعاهدات يمكن أن تقوم بتنظيم شئون مواطني الدولة الأخرى.

طرف من أنواعها، وأغراضها من وجهة الفكر الإسلامي:

تتعدّد المعاهدات بحسب أهدافها المقصودة منها. فقد يكون الغرض منها: تنظيم التجارة، أو نشر الإسلام، أو الثقافة، أو لأغراض اجتماعية وإنسانية كتبادل الأسرى، ومعالجة المرضى، وتسليم جثث القتلى ودفْنهم، أو لأهداف سياسية إمّا لإنهاء الحرب، أو لتقرير السلم والأمن وتثبيت دعائمه، أو لدعم روابط الجوار والتعاون مع المجاورين.

أمّا المعاهدات التجارية لتنظيم المبادلات التجارية الخارجية، فمشروعة في الإسلام، تأييدًا للأصل العام في علاقات المسلمين بغيرهم، وهو: حرية التجارة، وتوفير الموارد الضرورية، بدليل: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما كان مِن حِلْف في الجاهلية، فإنّ الإسلام لم يزدْه إلاّ شدة))، يريد: المعاقدة على الخير، وتأمين موارد الحجيج، ونصرة الحق. وستأتي أدلة أخرى في بحث الحياد.

وكانت هناك معاهدات تجارية متعدّدة بين العرب وغيرهم. ومعلوم: أنّ التجارة كانت من أسباب نشر الإسلام في شرق آسيا وإفريقيا؛ لكن وضعت بعض القيود على المبادلات التجارية لِمنع إخراج الأسلحة ووسائل الحرب من بلاد المسلمين، وحظْر شراء واستيراد الخمور والخنازير وسائر المنكرات، سواء من مسلم أو من غير مسلم. وما عدا ذلك، يجوز تبادله حتى في أثناء الحرب، كالأطعمة ووسائل الأقوات والثياب والقماش والأخشاب، والمواد الخام غير المعدنية، والمواد الكيماوية، والمنتجات الزراعية، والصناعية غير الحربية، ونحو هذا…

وأما المعاهدات السياسية فهي: إمّا دائمة أو مؤقّتة، ويحدّد ذلك طرف المعاهدة وليس موضوعها؛ فالمعاهدة مؤقّتة بمدة معلومة: إن كانت مع عدد محصور فهو: “الأمان”، وإن كانت مع عدد غير محصور لغاية محدّدة فهي: “الهدنة”.

و”الأمان”: إمّا خاص أو عام. والخاص هو: ما يكون للواحد أو لعدد قليل كعشرة فما دون. وأُفضِّل تسميته “عهدًا”، لا “معاهدة”.

فقد أصبحت المعاهدات في وقتنا هي: المعقودة بين الدول أو المنظمات الدولية.

و”الأمان العام” هو: ما يكون لجماعة كثيرة محدّدة تقريبًا، كأهل ولاية. ونظام الأمان في الإسلام يتّسع لكلِّ أنواع الحماية والرعاية المعروفة حديثًا، للشخص الأجنبي ومالِه في بلاد الإسلام، أو لعقد الصلات السلمية وغيرها. وكانت فكرة الأمان من الأسس المهمّة لتدعيم السلام.

فمثلًا: كان إعطاء الأمان للوفود المسيحية في الحروب الصليبية نتيجة التسامح الإسلامي يُعتبر كأساس للمعاملات الدولية. والأصل في مشروعية الأمان هو قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

قال ابن كثير في تفسيرها: “والغرض: أنّ مَن قدِم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلَب من الإمام أو نائبه الأمان، أعطي أمانًا ما دام متردِّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى داره ومأمنه ووطنه”.

وأضاف القرطبي: “وقد كان المشركون يطلبون لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم”.

ولا بأس من أن نشير في هذا المقام إلى تأمين الرسل والسفراء في الإسلام، حتى نمهّد الكلام عن التمثيل السياسي أو الدبلوماسي وموقف الإسلام من ذلك كلِّه.

أنواع الحصانات في الإسلام، وانقضاء المعاهدات:

لقد كفل الإسلام للرسل والسفراء مختلفَ أنواع الحماية والرعاية والحصانة والتكريم -حتى وإن أساءوا للمسلمين- ليتمكّنوا من أداء مهمّتهم، ويحقِّقوا الخير والسلام للعالَم؛ وذلك بنص القرآن الكريم؛ قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

وأيضًا بالسُّنّة القولية العملية؛ فلم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم رُسُل مسيلمة الكذّاب، وقال: ((لو كنتُ قاتلًا رسولًا لقتلْتُكما)). قال عبد الله بن مسعود: “فمضَت السُّنة أنّ الرسل لا تُقتل”. و”ردّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا رافع مبعوث قريش إليهم، بالرغم من إعلان إسلامه بمجرّد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((إنِّي لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرود -أي: الرسل-. ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجِعْ)).

وأجمع الفقهاء على مشروعية الأمان، وحماية الرُّسل والسفراء. وأجازوا للمبعوث السياسي: أن يَدخل بلاد المسلمين بدون حاجة إلى عقد أمان. ولم يُجيزوا الغدر برُسل العدو، حتى لو قَتل الأعداء رهائن المسلمين الموجودين عندهم، فلا تُقتل رسُلهم، لقول بعض الصحابة: “وفاء بغدْر، خير من غدْر بغدْر”.

وقد كان الصليبيون يَقتلون رسُل المسلمين، ولا يعاملهم صلاح الدين بالمِثْل تمَسُّكًا بعوامل الإسلام. 

التمثيل السياسي في الإسلام:

قديمًا كانت الدبلوماسية مؤقّتة أو متقطّعة؛ لأنّ الحرب كانت سائدة بين الأمم في أغلب الأحايين، والعلاقات بين الشعوب فاترة ضعيفة. وكان للمبعوثين السياسيِّين حقّ الإقامة المؤقّتة في غير بلادهم، قبل ظهور التمثيل السياسي الدائم في القرن السابع عشر. ولا مانع شرعًا من قبول مبدأ التمثيل السياسي الدائم، عملًا بفكرة تجدّد الأمان المعطَى للممثّل السياسي بطريق صريح أو ضمنيّ حتى تنتهي مهمّته بحسب الحاجة، لأنه لا يحتاج إلى تأمين خاص -كما أشرْنا من قبْل.

وأجاز فقهاء الحنابلة إعطاءَ الأمان لكلٍّ من المستأمِن والرسول السياسي لمدّة مُطلقة دون تقييد بزمن معيّن. ويؤكِّد جواز ذلك: القول بأنّ الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو: السِّلم، لا الحرب، لا سيما وأنّ مبدأ المقابلة أو المعاملة بالمثْل هو أساس فكرة التبادل الدبلوماسي.

وقد أقرّ العرف الدّولي للمبعوثِين السياسيِّين والقناصل امتيازات خاصة لتمكينهم من مباشرة وظائفهم، وأداءِ عملهم بدون عائق، ورعاية لمبدأ المساواة والتبادل في الاحترام لهؤلاء.

وهذه الحصانات أو الامتيازات ثلاثة:

  1. الحصانة الشخصية.
  2. الحصانة القضائية.
  3. الحصانة المالية.

والحصانة القضائية: من شأنها حماية المبعوث من الملاحقات المدنية والجنائية، والإقليمية الإدارية.

أما الحصانة المالية: فهي تشمل الإعفاء من الضرائب والرسوم، على أساس المعاملة بالمثْل.

موقف الإسلام من هذه الحصانات:

أولًا: الحصانة الشخصية: يُقرّها الإسلام عملًا بمقتضى الأمان، والأمان يمنع التّعرض لشخص الرسول السياسي، ومالِه، وأسرته، وأتباعه، وحاجاته، بل ورسائله السياسية. ولا يمنع من تمتّعه بهذه الحصانة، قصده التجسس أو الحصول على معلومات مهمة لصالح بلده؛ لأن الفقهاء قرّروا ألاّ يكون محض عمل الشخص هو التجسس.

والتمثيل السياسي الدائم يحقِّق فوائد متماثلة عن طريق تبادل الممثِّلين الدائمين. ويُقرّ الإسلام مثل هذا العمل، لتحقيق مصالح كثيرة لتفوّق بعض ما قد يلحق الدولة من ضرر بناءً على القاعدة الأصولية التي تقضى: بأنه يُرتكب أخفّ الضّرريْن لإزالة أشدِّهما، والحكم يتبع المصلحة الراجحة.

ثانيًا: الحصانة القضائية: يختلف الفقه الإسلامي فيها مع الأعراف الدولية الحاضرة؛ لأنّ الفقهاء يقرِّرون مسئولية المستأمن والرسول السياسي مدنيًّا وجنائيًّا عمّا يرتكبانه من أعمال في بلاد المسلمين؛ لأنّ المستأمِن مُلزَم بأحكام الشريعة بطلب الأمان، وإقامته في دار الإسلام، فيعاقَب دفعًا للفساد؛ ودفع الفساد واجب، ملزم لكلّ من يقيم بين المسلمين ولو مؤقتًا.

ولا يصلح المجرم لأداء وظيفته، ولا يستحق الحماية، وتسامح أبو حنيفة في هذا الشأن فأعفى المستأمِن من المسئولية الجنائية المتعلِّقة بحق الله، غير الحق العام كالزنا والسرقة ونحوهما…

كما يُعفى -في تقديري- من تطبيق العقوبات التعزيرية التي لم يَرِدْ فيها نص شرعي، مراعاة للأعراف الحاضرة؛ لأنّ تقدير هذه العقوبات من حق وليّ الأمر.

إنّ النظر الذي اتّجه إليه جمهور الفقهاء في تطبيق العقوبات على الذِّمِّي والمستأمن، والأسلم والأكثر اتساقًا مع المبادئ الدينية؛ لأنه يتّفق مع ما ينبغي أن تكون عليه أمور الدولة الإسلامية مِن مَنْع الفساد، ومن كمال السيادة على كل من يقيم في ربوعها.

وإنّ إقامة الحدود التي تسمّى في عرف فقهاء المسلمين: حقوقًا لله تعالى، هي لدفع الفساد؛ وإنه بالبداهة من يدخل ديار الإسلام يلتزم بترك الفساد، وإنه لغريب أشد الغرابة: أن يدخل ويسرق، ويزني، ولا يُعاقَب بعقوبة هذه الجرائم.

والإنصاف يوجب علينا أن نقول: إنّ أبا حنيفة سار وراء الحرية الدينية إلى أقصى المدى، ولكن رأيه لا يتّفق مع النظام العام للدولة، ولا مع السيادة الكاملة.

وإننا لا نرى من هذا الاستقراء والتتابع: أنّ أحدًا من فقهاء المسلمين رأى أن يُعفى المستأمنون -هم الذين يعبر عنهم في عصرنا الحاضر بالأجانب- من التقاضي أمام القاضي المسلم بقانون الإسلام، ويحاكَمون أمام قاضٍ من دولتهم وبمقتضى قانونهم؛ فإنّ ذلك لم يَقُلْه أحد, وإذا كان أبو حنيفة قد ترخّص لهم في بعض الأحكام.

ففي حدود ضيِّقة لا تتّسع إلى عقوبتيْن أو ثلاث، وما ترك الأمر لهم في القصاص يَقتلون أو يَعتدون ولا يحاكمهم القاضي المسلم بقانون الإسلام. ولا خطر من محاكمة أيّ مجرم في بلاد الإسلام، لأنّ العدل والحق سِمة بارزة في القضاء؛ قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ} [المائدة: 8].

والدّول الحالية تُبلغ دولة الموفَد لمحاكمته، ولها أن تعتبره شخصًا غير مرغوب فيه، وتطلب استدعاءه أو ترحيله؛ بل لها في الجرائم الخطيرة أن تَطرده وأن تقبض عليه، إذا كان ذلك ضروريًّا للمحافظة على سلامتها.

وأمّا الحصانة المالية التي أساسها المعاملة بالمثْل في العرف الدّولي، فهي مقرّرة أيضًا في الفقه الإسلامي؛ ففقهاؤنا أقرّوا إعفاء المستأمن من الضرائب التي كانت معروفة لديهم، فقالوا: يُعفَى الرسل والسفراء من العشور أو الرسوم الجمركية، ولهم نصوص صريحة بذلك. ونلاحظها في الإعفاء المذكور معاملة المِثْل بالمثْل، كما هو المقرّر في العرف الدولي بالنسبة لأعضاء السلك الدبلوماسي و القنصلي.

أمّا ضريبة الخراج، فيعود أمرها للحاكم أو وليّ الأمر؛ فله حقّ تقدير طرحها وإعفاء مَن يرى منها؛ لا سيما إذا أُعفِي منها المسلم المستأمن في دار الحرب.

وقرّر الفقهاء أيضًا: عدم التزام المستأمن بضريبة الجزية إلى ما دون السّنة، عند أكثر الفقهاء غير الحنابلة، أو طوال إقامته في بلاد الإسلام حتى تنتهي حاجاته عند الحنابلة. ولا مانع شرعًا -في تقديري- من المقابلة بالمثْل فيما لو أُعفي سفراؤنا من الضرائب الشخصية المباشرة، كما جرتْ بذلك عادة الدولة الحديثة، من باب المجاملة؛ لأنّ المعاملة بالمثْل أساس لكثير من الضرائب التي فرضها المسلمون على غيرهم؛ وهو مبدأ مقرر في الإسلام.

بقي أن نشير إلى انقضاء المعاهدات؛ فقد تنقضي المعاهدة في القانون الدولي بالاتفاق أو بغير الاتفاق. أما انقضاؤها بالاتفاق فيكون بمقتضى نص وارد فيها ينصّ على سريانها لأجَل محدّد، أو شرط فاسخ، فتنقضي المعاهدة بحلول الأجل أو بتحقيق الشرط. وأما انقضاؤها بغير اتّفاق -أي: بإرادة منفردة- فيكون في أحوال الفسخ، وتغيّر الظروف، والحرب.

والفسْخ يكون بإعلان الدولة عدم التزامها بما ورد فيها، إذا ما أخلّ الطرف الآخَر بالتزاماته المقرّرة في المعاهدة.

وتغيّر الظروف يحصل نتيجة طروء تغيّر أساسي في الظروف المادية والأساسية التي عقد من أجلها المعاهدة.

والحرب قد توقِف تطبيق بعض المعاهدات بالنسبة للدول المتحاربة حتى انتهاء الحرب، وهي المعاهدات الجماعية التي تُعقد بين أكثر من دولتيْن. وتقوم الحرب بين بعض الأطراف فقط.

وقد تنقضي بعض المعاهدات بقيام حالة الحرب، وهي المعاهدات الثنائية التي تربط بين الدولة المحاربة، كمعاهدات الصداقة، والتحالف، ومعاهدات التجارة.

ولا تؤثر الحرب في المعاهدات التي تُنظّم حالة الحرب نفسها، كمعاهدات لاهاي سنة (1907)، ومعاهدات جنيف سنة (1949)، ولا في المعاهدات التي تنظم حالة دائمة، كحالة الحياد الدائم، أو معاهدات الحدود، فتظلّ هذه المعاهدة نافذة.

وأمّا في الفقه الإسلامي، فتنتهي المعاهدة بناء على رغبة أحد الأطراف المتعاقدة في التحلل من أحكامها، وذلك يُسمى نقضًا، يقابل حالة الفسخ في القانون الدولي.

وقبل أن نطوى صفحة الكلام عن المعاهدات والصلح، وكل مظاهر السلم في العلاقات الدولية، أحبّ أن أشير فقط إلى مسألة الحياد في العلاقات الدولية، وكيف عُرف هذا المبدأ قديمًا؟ وأشار إليه القرآن الكريم في الآيتين رقم (89، 90) من سورة (النساء)، والتي أوجَب القرآن في الآية الثانية منهما احترامَ حياد من لا يريد من غير المسلمين “بالطبع” أن يقاتل مع المسلمين ولا مع خصومهم. وإنما قلت: “بالطبع”؛ لأن الأمر يختلف إذا كان النزاع بين دولتيْن إسلاميتيْن؛ فلا يصح الوقوف على الحياد في هذه الحال. وكذلك إذا كان الصراع بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية. أما إذا كان القتال بين دولتيْن غير إسلاميتيْن، فالحُكم يختلف حسب موقف الدولة الإسلامية منهما، أو من إحداهما، إذا كانت بينهما هدنة مؤقّتة، أو عهد، أو ذمّة، أو حِلف يوجب النصرة، أو لا يوجد شيء من ذلك.

وعمومًا فهذه لمحة لِما يُمكن بحثه في موضوع الحياد في العلاقات الدولية.

أمّا عن العلاقات الدولية في وقت الحرب؛ فإنّ الحرب ظاهرة اجتماعية بين البشر في كلّ زمان، كما يؤكِّد التاريخ القديم والحديث. يقول ابن خلدون في (مقدّمته): “الحرب أمر طبيعي في البشر، لا تخلو عنه أمّة ولا دين”.

ب. الباعث على الحرب في الإسلام، وآدابه فيها:

لم يكن مقصد الجهاد في الإسلام هو الحصول على الأموال والغنائم، وإنما -كما قال الفقهاء- المقصود الأعظم من الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، والذّبّ عن المِلّة؛ والغنائم تابعة. فلم يكن المسلمون يومًا يهدفون في حروبهم إلى غرض دنيوي، أو يَشنّون حروبًا اقتصادية للسيطرة على مناطق الثروة والنفوذ، والأسواق الخارجية في العالَم، كما حصل في الحرب العالمية الأولى، أو لتوسّع في المُلك، أو لإشباع رغبة التفضيل العنصري، كما هو هدف أغلب الحروب الحديثة، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94].

فليس من شأن الإسلام أن يسوغ الغاية بالوسيلة، فيقرّ الاستعمار الممقوت، أو يحكِّم القوّة لأغراض دنيوية، أو يشجِّع على النهب والسلب والتدمير أو الاستغلال، لتحريم ذلك بنصّ القرآن كما قال تعالى: {تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ} [القصص: 83]، وقوله مُحدِّدًا غاية الفتح: {الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} [الحج: 41].

وأما تعرّض المسلمين لقافلة أبي سفيان القادمة من الشام، والتي كانت سببًا مباشرًا في غزوة بدر الكبرى، فهو مشروع بسبب قيام حالة الحرب، وهو حصار اقتصادي جائز حتى اليوم.

وكان المسلمون يقصدون أخْذ نظير أموالهم التي تملّكها أو صادرها القرشيون في مكة بعد الهجرة، قال تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ} [الشورى: 41].

وممّا يدل على أنّ الإسلام لا يقصد من فتوحاته جلْبَ المغانم: ما قاله عمر بن عبد العزيز رحمه الله لبعض ولاته: “إن الله بعث محمدًا بالحق هاديًا، ولم يَبْعثه جابيًا”، أي: إنّ الهدف هو: الهداية لا الجباية، وتحقيق المساواة لا القهر والغلبة.

وقال علي بن الأشتر النخعي: “ولْيكن في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأنّ ذلك لا يُدرَك إلاّ بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمرُه إلاّ قليلًا”.

وقال ربعي بن عامر -مبعوث سعد بن أبي وقاص إلى الفُرس- لرستم قائد الفُرس قُبيْل موقعة القادسية: “إنا لم نأتِكُم لطلب الدنيا. ووالله لإسلامكم أحبّ إلينا من غنائمكم!”. 

فغاية الفتح الإسلامي إذًا ليس ضمّ البلدان إلى ديار الإسلام لِمطمع اقتصادي، إنما التمكين لقبول الدعوة الإسلامية بصدِّ الاعتداء -كما هي غاية الحرب من الفُرس والرّوم- أو لتفريق الرّوم وتخليص المستضعَفين من ظلم الروم -كالحرب في مصر وشمال إفريقيا.

أولًا: الباعث على الحرب في الإسلام:

  1. نشْر دعوة الإسلام، وحماية حرية العقيدة.
  2. دفع الاعتداء عن ديار الإسلام وأموالهم وأعراضهم.
  3. حماية النظام العام للدولة الإسلامية.
  4. حماية الأقلِّيّات المسلمة التي تعيش خارج حدود دولة الإسلام.
  5. الحفاظ على العهود والمواثيق.

ثانيًا: الاستعانة بالله، والثقة في نصره وطاعته.

ثالثًا: عدم القتال في الأشهر الحُرُم وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرّم.

رابعًا: طاعة رئيس الدولة أو وليّ الأمر فيما يراه من أمْر الحرب.

خامسًا: الدهاء والحكمة في الحرب؛ فالحرب خدعة.

سادسًا: إعلان الحرب على العدو.

سابعًا: وجوب المحافظة على أسرار الجيش.

ثامنًا: وجوب الثبات وعدم الفرار، إلاّ متحرِّفًا لقتال أو متحيِّزًا إلى فئة.

تاسعًا: عدم جواز قتْل النساء والأطفال والشيوخ ونحوهم… ممّا وردت النصوص بشأنهم.

عاشرًا: عدم التمثيل بالقتلى، والتعذيب للجرحى.

الحادي عشر: الوفاء بتأمين المحارب، وعدم الضّرر به: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

الثاني عشر: عدم التخريب والتدمير، وقتْل الحيوانات، والإضرار بالبيئة.

التحليل لأهم هذه الآداب:

إنّ الحرب أبغض الأشياء للنفس المؤمنة، وذلك أنّ قوام الحرب قتْل النفس البشرية، والمؤمن لا تسوغ له نفسه أن يَهدم ما بناه الله تعالى؛ ولذلك ذكَر القرآن الكريم أنّ الحرب أمر مبغَض للمؤمنين لا يُحبّونه، ولا يرتضونه لذاته، ولكن قد يَقبلونه إذا أمَر الله تعالى به، وكتبه عليهم لأنه خير لهم. يقول تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ} [البقرة: 216].

وإنّ هذا الأمر المبغَض قد تقتضيه الرحمة الإنسانية ذاتها؛ فإنّ ترك الطغيان يتحكّم في الضعفاء لا يُعدّ ذلك من الرحمة في شيء. والرحمة الحقيقية توجب دفع الطغيان وإزالة الفساد. وإنّ الرحمة الإنسانية العامة التي دعا إليها النبيّون وخصوص النبيّين محمد صلى الله عليه وسلم لَتوجب أن لا تُترَك الرذيلة تعتدي على الفضيلة، ولا الشرّ يطغى على الخير؛ بل إنّ الرحمة توجب نصْر الحق والفضيلة وردّ الشر.

فالحرب في الإسلام ضرورة أوجبها قانون الرحمة العادل، وقانون الأخلاق والسلوك الإنساني المستقيم.

أولًا: الباعث عن الحرب في الإسلام:

إنّ الباعث على القتال نأخذه من نصوص القرآن والسُّنة، ومن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معاملة الذين وجّه دعْوته إليهم. وعندما نتّجه بتفكيرنا هذا الاتّجاه، نجد كلّ نصوص القرآن تمنع الاعتداء ابتداءً، وتمنع الاعتداء في أثناء القتال، وقبل القتال. ثم نَجِد نصوص القرآن كلّها تتّجه إلى بيان أنّ القتال المطلوب هو: دفْع قتال المشركين، يقول تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] ويقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ} [البقرة: 193]، ويقول أيضًا: {الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} [البقرة: 194].

ونجِد الآية التي تبيح قتال العرب كافة تنصّ على: أنّ ذلك في مقابل اعتدائهم على المسلمين: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} [التوبة: 36].

والنصوص القرآنية أيضًا تمنع الاعتداء وتَنهَى عنه؛ بل إنها تأمر بالصبر إذا أمكن ردّ الاعتداء من غير قتال، وذلك الأمر المبغض أو البغيض في الإسلام، والذي لا يُباح إلا لضرورة مُلجِئة إليه لا تَقبل التأخير.

وإنّ الذي نراه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيرة الراشدين بَعْده، أو لِنَقُلْ: إننا من خلال النصوص.

ومن السياق التاريخي للدعوة الإسلامية منذ مراحلها الأولى، ننتهي إلى: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قاتَل لأمريْن:

الأمر الأوّل: دفْع الاعتداء: وقد وقع الاعتداء على الأنفس والأموال بالفعل، وما كان صلى الله عليه وسلم وهو الذي يدعو إلى الحق الذي لا ريب، أن يترك الباطل يستغلظ ويقوى، ويستخذي هو ويستسلم،؛ فلا بد أن يضرب الباطل ممثّلًا في الحكّام المستبِدِّين الظالمين. وكان ماضيًا إلى يوم القيامة ما بقي الشر ينازع الخير، فقال صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة)) لأنّ اعتداء الخير على الشر ماضٍ إلى يوم القيامة.

الأمر الثاني: تأمين الدعوة الإسلامية: لأنها دعوة الحق، وكلّ مبدأ سامٍ يتّجه إلى الدفاع عن الحرية الشخصية يهمّ الداعي إليه أن تخلو له وجوه الناس، وأن يكون كلّ امرئ حرّ فيما يعتقد، يختار من المذاهب ما يراه بحرية كاملة، ويختار ما يراه أصلح وأقرب إلى العقل. فإذا وقف طاغية أو ملِك قد أرهق شعْبه من أمْره عسرًا، وحال بينه وبين الاستماع إلى الدعوات الصالحة، فإنّ حق صاحب الدعوة إذا كانت في يده قوّة أن يُزيل تلك الحُجز بينه وبين دعوته، ليصل إلى أولئك المستضعفين كي يروْا نور الحقائق، ليعلنوا اعتناقها إن رأوْا ذلك وآمنوا به، وإن لم يؤمنوا فمَن اهتدى فلنفسه ومَن كفر فعليها. ولكنّ محمدًا -النبي الأمين الرحيم- لم يلجأ إلى ذلك ابتدءًا حتى لا يظن الجهلاء أنه فعَل ذلك ابتداءً ليفرض دِينه. بل إنه دعا هؤلاء الطغاة أولًا، ثم ترَكهم ليرى ماذا يفعلون؛ فاضطهدوا الذين آمنوا؛ فكان لا بد من القتال لتأمين دعوته ممّن اعتدوا عليها فعلًا، ومنعوها، ولم يكن المنع احتمالًا يفترض، ولكنه أمر واقع. 

لقد قرّر الإسلام أنه لا إكراه في الدِّين. وإن ذلك المبدأ يجب أن يتقرّر لأتباع محمدصلى الله عليه وسلم كما تقرّر لغير أتباعه. وإذا كانت معه قوّة، فذلك يلزمه بأن يتّخذ الأسباب لحماية مَن يختارون دِينه، ولا يكون ذلك إلاّ بإزالة حكْم الطغاة.

إنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى كلّ الملوك الذين يحيطون به قد تحرّكوا ليَفتنوا أتباعه في اعتقادهم. وما كان لينتظر حتى يراهم قد هاجموه بالفعل، أو أخذوا يفتنون الجماعات بالفعل؛ بل لا بد أن يحتاط للدعوة، وأن يتّخذ الأسباب لمنْع هذه الفتنة، استجابة للنص القرآني الذي يدعو إلى القتال حتى لا تكون فتنة. ومع ذلك، ما كان يأمر المسلمين بالاندفاع في القتال، حتى لا يكون منهم رغبة في القتال لذاته؛ بل إنه كان يدعوهم إلى التّأنِّي، فيقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ((لا تَتَمنّوْا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا)).

ومع ذلك أيضًا، إذا كان القتال أمرًا لا بدّ منه، فلا بد مِن قبْله أن يخيِّرهم القائد بين أمور ثلاثة: إمّا الإسلام ليكونوا مع المسلمين بقلوبهم، وإمّا العهد ليأمن المسلمون جانبهم ولِيؤمِّن الإسلام دعوته، وإمّا القتال. وإنّ ذلك التخيير لكي لا يأخذهم على غِرّة.

ويعلن أنه لا يريد أرضًا يستعمرها، ولا أنفسًا يستعبدها، ولكن ليكون كلّ إنسان له حريته فيما يعتقد.

ولنتّجه إلى الهدي النبوي لنستخلص منه المعنى والمقصد والهداية فيما نقول عن آداب الإسلام وأخلاقياته قبل الحرب وأثناءها إذا تعيّنت.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على منْع القتال حتى عند أخذ الأهبة لذلك؛ فهو يقول لمعاذ بن جبل وقد أرسله قائدًا مع طائفة من المؤمنين لفتح اليمن: ((لا تقاتلوهم حتى تَدْعوهم، فإنْ أبَوْا فلا تقاتلوهم حتى يَبْدءوكم. فإن بدءوكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلًا. ثم أروهم ذلك، وقولوا لهم: هل إلى خيْر من هذا سبيل؟ فلأن يهدي الله على يديك رجلًا واحدًا خير ممّا طلعت عليه الشمس وغربت)).

وهنا نجد أنّ نيّة السِّلم قائمة حتى عندما تلاقى الجيشان؛ فهو لا يقاتلهم إلاّ بعد أن يَدْعوَهم إلى العهد الذي يكون فيه تأمين حرية الدعوة، ثم مع ذلك لا يبدأ بالقتال، بل يتركهم يَبدءون بالقتال. حتى بعد هذا البدء لا يقاتلهم حتى يَقتلوا فعلًا. ثم يُبيِّن لهم العبرة في ذلك الدم الذي أراقوه ظلمًا وعدوانًا. فإن لم يتّخذوا منه عبرة، لم يَبقَ إلاّ السيف ليحكم بأمْر الله بينه وبينهم، والله خير الفاصلين.

فإذا أقيمت المعركة، فهو نبيّ الرحمة، ونبيّ الملحمة أيضًا؛ ولذلك كان يقول لِجُنْده وقد أرسلهم: ((تألّفوا الناس، وتأنَّوْا بهم، ولا تُغِيروا عليهم حتى تَدْعُوهم؛ فما على الأرض من أهل مدَر ووَبر، إن لم تأتوني بهم مسلمين، أحبّ إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم، وتقتلوا رجالهم)). إذًا هي حرب رفيقة تتّسم بالتأليف لا بالتقتيل، وبالمحافظة على الأنفس لا باستباحتها من غير ضرورة. وهي تمنع الإتلاف في الأنفس والأموال إلا لضرورة تُلجئ.

وبين أيدينا وصيّة منه صلى الله عليه وسلم لجنوده يقول فيها: ((انطلقوا باسم الله وبالله وعلى بركة رسول الله. لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا امرأة. ولا تغُلّوا، وضمّوا غنائمكم. وأصلحوا، وأحسنوا؛ إن الله يحبّ المُحسنين)).

وفي معنى هذه الوصية أيضًا يقول: ((سيروا باسم الله، في سبيل الله. وقاتلوا أعداء الله. ولا تغُلّوا -أي: لا تخونوا- ولا تغدروا، ولا تنفِّروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا)).

ويقول صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: ((لا تقتُلْ ذرّية، ولا عسيفًا)) أي: عاملًا.

ووصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأحد أمراء جيش الشام، وهو يزيد بن أبي سفيان، قال له وهو يمشي، ويزيد راكبًا، فقال يزيد: إمّا أن تركَب، وإمّا أن أنزل. فقال الصِّدِّيق: “ما أنا براكب، وما أنت بنازل. إني أحتسب خُطاي في سبيل الله”. ثم قال له: “إني موصيك بعشْر: لا تقتلنّ امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا. ولا تقطعنّ شجرًا مثمرًا، ولا نخلًا، ولا تحرقنّها. ولا تخربنّ عامرًا، ولا تعقرنّ شاة ولا بقرة إلاّ لمَأكلة. ولا تَجْبن، ولا تغلل”. فمن خلال وصايا النبي صلى الله عليه وسلم ووصايا خليفته التي اقتبسها من نوره، نستطيع أن نعرف ما يَحِلّ في القتال، وما لا يَحِلّ.

ونرى من هذه الوصايا: أنّ الباعث على القتال يحدّ خطوط القتال في ميدانه؛ فإن الباعث -كما أشرنا-: ردّ الاعتداء، وتأمين المؤمنين مِن أن يُفتنوا في دينهم. ونرى هذا الباعث يحكم الحرب، فلا يبيح قتْل مَن لا يُقاتل ولا يشترك في الحرب بأي نوع من أنواع الاشتراك، وقصرها على الميدان لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يكون فيه اعتداء على الحرية الدينية بأيّة صورة من صوَر الاعتداء.

ولعلّ أوضح مظهر للمحافظة على الحرية الدينية: معاملة رجال الدِّين ومنْع قتْل الصبيان والنساء والشيوخ والعمال، فضلًا عن منع التخريب.

وأكتفي بهذه الإطلالة على طرف من العلاقات الدولية الإسلامية في وقت الحروب، لنقفز إلى مسألة انتهاء الحرب في الإسلام، لننتقل من خلالها مع موضوع: أحكام الأسرى في الإسلام.

error: النص محمي !!