Top
Image Alt

المعتزلة وتفسير القرآن

  /  المعتزلة وتفسير القرآن

المعتزلة وتفسير القرآن

موقف المعتزلة من تفسير القرآن الكريم:

أقام المعتزلة مذهبهم على الأصول الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن المعلوم أن هذه الأصول لا تتفق ومذهب أهل السنة والجماعة الذين يعتبرون أهم خصومهم؛ لهذا كان من الضروري لهذه الفرقة -فرقة المعتزلة- في سبيل مكافحة خصومها أن تقيم مذهبها وتدعم تعاليمها على أسس دينية من القرآن، وكان لا بد لها أيضًا أن ترد الحجج القرآنية لهؤلاء الخصوم، وتضعِف من قوتهم، وسبيل ذلك كله هو النظر إلى القرآن أولًا من خلال عقيدتهم، ثم إخضاعهم عبارات القرآن لآرائهم التي يقولون بها، وتفسيرهم لهذه الآيات تفسيرًا يتفق مع محنتهم وعقيدتهم.

ولا شك أن مثل هذا التفسير الذي يخضع للعقيدة يحتاج إلى مهارة كبيرة، واعتماد على العقل أكثر من الاعتماد على النقل؛ حتى يستطيع المفسر الذي هذا حاله أن يلوي العبارة إلى جانبه، ويصرف ما يعارضه عن معارضته له وتصادمه معه، والذي يقرأ تفسير المعتزلة يجد أنهم بنوا تفسيرهم على أسسهم؛ من التنزيه المطلق والعدل وحرية الإرادة وفعل الأصلح، ونحو ذلك ووضعوا أسسًا للآيات التي ظاهرها التعارض، فحكّموا العقل؛ ليكون الفيصل بين المتشابهات، وقد كان مَن قبلهم يكتفون بمجرد النقل عن الصحابة أو التابعين، فإذا جاءوا إلى المتشابهات سكتوا وفوّضوا العلم لله.

إنكار المعتزلة لما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون): ثم إن هذا السلطان العقلي المطلق قد جرّ المعتزلة إلى إنكار ما صحّ من الأحاديث التي تناقض أسسهم وقواعدهم المذهبية، كما أنه نقل التفسير الذي كان يعتمد أولًا -وقبل كل شيء- على الشعور الحي والإحساس الدقيق والبساطة في الفهم وعدم التكلف والتعمق؛ نقلوا التفسير من هذا إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية، مما يشهد للمعتزلة -رغم اعتزالهم- بقوة العقل وجودة التفكير، ومع أن هذا السلطان العقلي المطلق كان له الأثر الأكبر في تفسير المعتزلة للقرآن، حتى اضطرهم في بعض الأحيان إلى رد ما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة.

رغم هذا، فإنا لا نستطيع أن نقول كما يقول صاحب (التفسير والمفسرون): إن المعتزلة كانوا يقصدون الخروج على الحديث، أو عدم الاعتراف بالتفسير بالمأثور؛ وذلك لأن حالهم بإزاء التفسير بالمأثور وتصديقهم له يظهر بأجلى وضوح من حكم النظّام على استرسال المفسرين من معاصريه، وكان النظام مُعتبَرًا في مدرسة المعتزلة من الرءوس الحرة الواسعة الحرية، وقد ذكر تلميذه الجاحظ قوله الذي قاله في شأن هؤلاء المفسرين، وهذا نصه: قال الجاحظ: كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصّبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا في كل مسألة، فإن كثيرًا منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلما كان المفسِّر أغرب عندهم كان أحب إليه، وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن سليمان وأبو بكر الأصم في سبيلٍ واحدة، وكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18]: إن الله عز وجل لم يعنِ بهذا الكلام مساجدنا التي نصلي فيها، بل إنما قصد الجباه، وكل ما سجد الناس عليه من يدٍ وغير ذلك من أعضاء السجود.

ادعاؤهم أن كل محاولاتهم في التفسير مرادةٌ لله:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون): ثم إن المعتزلة بناءً على رأيهم في الاجتهاد من أن الحكم ما أدى إليه اجتهاد كلِّ مجتهد.

رفضوا أن يكون للآية -التي تحتمل أوجهًا- تفسير واحد، لا خطأ فيه، وحكموا على جميع محاولاتهم التي حاولوها في المسائل الموجودة في القرآن بأنها مرادةٌ لله تعالى، وغاية ما قطعوا به هو عدم إمكان التفسير المخالف لمبادئهم وآرائهم، وبدهيٌّ أن الذي ذهب إليه المعتزلة يخالف مذهب أهل السنة من أن لكل آية من القرآن معنًى واحدًا مرادًا لله تعالى، وما عدَاه من المعاني المحتمَلة فهي محاولات واجتهادات يُراد منها الوصول إلى مراد الله بدون قطع، غاية الأمر: أن المفسر يقول باجتهاده، والمجتهد قد يخطئ ويصيب، وهو مأجور في الحالتين، وإن كان الأجر على تفاوت.

المبدأ اللغوي في التفسير، وأهميته لدى المعتزلة:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون): كذلك نجد المعتزلة قد حرصوا كل الحرص على الطريقة اللغوية التي تعتبر عندهم المبدأ الأعلى لتفسير القرآن، وهذا المبدأ اللغوي يظهر أثره واضحًا في تفسيرهم للعبارات القرآنية التي لا يليق ظاهرها عندهم بمقام الألوهية، أو العبارات التي تحتوي على التشبيه، أو العبارات التي تصادم بعض أصولهم، فنراهم يحاولون أولًا إبطال المعنى الذي يرونه مشتبهًا في اللفظ القرآني، ثم يثبتون لهذا اللفظ معنى موجودًا في اللغة يزيل هذا الاشتباه ويتفق مع مذهبهم، ويستشهدون على ما يذهبون إليه من المعاني التي يُحمِّلون ألفاظ القرآن عليها بأدلة من اللغات والشعر القديم؛ فمثلًا: الآيات التي تدل على رؤية الله تعالى كقوله سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة} [القيامة: 22- 23]، وقوله تعالى: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون} [المطففين: 23] نجد المعتزلة ينظرون إليها بعينٍ غير العين التي ينظر بها أهل السنة، ويحاولون بكل ما يستطيعون أن يطبقوا مبدأهم اللغوي حتى يتخلصوا من الورطة التي أوقعهم فيها ظاهر اللفظ الكريم، فإذا بهم يقولون: إن النظر إلى الله معناه الرجاء والتوقع للنعمة والكرامة، واستدلوا على ذلك بأن النظر إلى الشيء في العربية ليس مختصًّا بالرؤية المادية.

تصرف المعتزلة في القراءات المنافية لمذهبهم:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون): أحيانًا يحاول المعتزلة تحويل النص القرآني من أجل عقيدتهم إلى ما لا يتفق وما تواتر من القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثلًا: ينظر بعض المعتزلة إلى قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، فيرى أن مذهبه لا يتفق وهذا اللفظ القرآني؛ حيث جاء المصدر مؤكدًا للفعل رافعًا لاحتمال المجاز، فيبادر إلى تحويل هذا النص إلى ما يتفق ومذهبه، فيقرؤه هكذا: “وكَلَمَ الله موسى تكليمًا” بنصب لفظ الجلالة على أنه مفعول ورفع موسى على أنه فاعل، وبعض المعتزلة يبقي اللفظ القرآني على وضعه المتواتر، لكنه يحمِله على معنى بعيد حتى لا يبقى مصادمًا لمذهبه، فيقول: إن كَلَمَ من الكلم بمعنى: الجرح، فالمعنى: وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن، وهذا ليفر من ظاهر النظم الذي يصادم عقيدته ويخالف هواه، ويقولون: إن معنى “وكَلَمَ الله موسى تكليمًا” أي: جرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن.

هذا، وإن المعتزلة في كثير من الأحيان يعتمدون في طريقتهم التفسيرية على الفروض المجازية، فمثلًا: إذا مروا بآية من الآيات التي تبدو في ظاهرها غريبة مستبعدة كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الآية، وقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} الآية [الأحزاب: 72] نجد أنهم يحملون الكلام على التمثيل أو التخييل، ولا يقولون بالظاهر، ولا يحومون حوله اللهم إلا للرد على ما يقول به ويجوّز حصوله. انتهى.

تفسيرهم للقرآن على ضَوْء ما أنكروه من الحقائق الدينية:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون): وكذلك نجد المعتزلة قد وقفوا تجاه بعض الحقائق الدينية الثابتة عند جمهور أهل السنة موقفَ المعارضة، فأهل السنة يقولون بحقيقة السحر، ويعترفون بما له من قوة التأثير في الإنسان، حتى ينشأ عن ذلك المسّ والصرع، ويقولون بكرامات الأولياء وما إلى ذلك، ولكن المعتزلة الذين ربطوا التفسير بما شرطوه من جعلِ العقل مقياسًا للحقائق الدينية، وقفوا ضد هذا كله، وجعلوه من قبيل الخرافات والتصورات المخالفة لطبيعة الأشياء، وكان من وراء ذلك أن تمردَ المعتزلة في حرية مطلقة من كل قيدٍ على الاعتقاد بالسحر والسحرة، وما يدور حول ذلك، وبلغ بهم الأمر أن أنكروا أو تأولوا ما صحّ من الأحاديث التي تصرِّح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سُحِر، ولم يقفوا طويلًا أمام ما يعارضهم من سورة الفلق، بل تخلصوا بتأويلات ثلاثة، ذكرها الزمخشري في كشافه.

كذلك تمرد بعض أعلام المعتزلة كالنظَّام على الاعتقاد بوجود الجن، وثار بعضهم كالزمخشري ضد مَن يقول: بأن الجن لها قوة التأثير في الإنسان، مع الاعتراف منه بوجودها في نفسها، فأولوا ما يصادمهم من الآيات القرآنية وأنكروا أو تأولوا ما صح من الأحاديث النبوية؛ كالحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري؛ وفيه أن شيطانًا من الجن عرض للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة يريد أن يشغله عنها، فأمكنه الله منه، وكالحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: ((ما مِن مولود يُولد إلا والشيطان يمسّه حين يولد، فيستهل صارخًا من مسّ الشيطان إياه إلا مريم وابنها)).

كذلك تمرد المعتزلة على الاعتقاد بكرامات الأولياء، واعتمدوا في تمردهم هذا على قول الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26- 27]، يقول صاحب (التفسير والمفسرون): ونرى الزمخشري يستنتج من هذه الآية أنه تعالى لا يُطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى، وفي هذا إبطال للكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم -وإن كانوا أولياء مرتضين- فليسوا برسل، وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم؛ لأن أصحابهما أبعدُ شيء من الارتضاء وأدخله في السخط.

وبعد، فإن المعتزلة لم يقفوا هذا الموقفَ الذي لا يتفق مع معتقداتِ أهل السنة، ولم يُعطوا العقل هذا السلطان الواسعَ في التفسير إلا من أجل أن يُبعدوا -كما يزعمون- كل الأساطير الخرافية عن محيط الحقائق الدينية؛ وليربطوا بين القرآن وبين عقيدتهم التي قامت على التوحيد الخالص من كل شائبة، وهذا التصرف من المعتزلة أثار عليهم خصومهم أهل السنة، واستعداهم عليهم؛ فرموهم بالعبارات اللاذعة واتهموهم بتحريف النصوص عن مواضعها، تمشيًا مع الهوى وميلًا مع العقيدة.

رأي علماء أهل السنة في المعتزلة:

أولًا: نقد ابن قتيبة لهذا المسلك الاعتزالي في التفسير:

لقد أغضبَ هذا المسلك الاعتزالي في التفسير وأهاجه على المعتزلة، فانتقدهم انتقادًا مرًّا لاذعًا في كتابه (تأويل مختلف الحديث)، الذي غضب من هذا المسلك هو ابن قتيبة، قال أبو محمد: وقد فسّروا -أي: المعتزلة- القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذهبهم، ويحمّلوا التأويل على نحلتهم، فقال فريق منهم في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255] أي: علمه، فهم يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيًّا أو سريرًا ويجعلون العرش شيئًا آخر، والعرب لا تعرف من العرش إلا السرير، وما عرُشَ من السقف والآبار، يقول الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف: 100] أي: السرير، وقال فريق منهم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24] إنها همّت بالفاحشة، وهم هو بالفرار منها أو الضرب لها، والله تعالى يقول: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟ وليس يجوز في اللغة أن تقول: هممتُ بفلان وهم بي، وأنتَ تريد اختلاف الهمَّين حتى تكون أنت مهمٌّ بإهانته، ويهم هو بإكرامك، وإنما يجوز هذا الكلام إذا اتفق الهمّان.

وقالوا في قوله عز وجل: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] إنه ذهب مغاضبًا لقومه؛ استيحاشًا من أن يجعلوه مغاضبًا لربه مع عصمة الله، فجعلوه مغاضبًا لقومه حين آمنوا، ففروا إلى مثل ما استقبحوا، وكيف يجوز أن يغضب نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم على قومه حين آمنوا، وبذلك بُعث وبه أُمر؟ وما الفرق بينه وبين عدو الله إن كان يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون، ولم يخرج مغاضبًا لربه ولا لقومه؟

وقالوا في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] إن اليد ها هنا النعمة؛ لقول العرب: لي عند فلان يد، أي: نعمة ومعروف، وليس يجوز أن تكون اليد ها هنا النعمة؛ لأنه تعالى قال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} معارَضة عما قالوه فيها، ثم قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، ولا يجوز أن يكون أرادَ غُلّت نعمهم، بل نعمتاه مبسوطتان؛ لأن النعم لا تُغل؛ ولأن المعروف لا يكنى عنه باليدين، كما يكنى عنه باليد، إلا أن يريد جنسين من المعروف، فيقول: لي عنده يدان ونعم الله أكثر من أن يُحاط بها.

error: النص محمي !!