Top
Image Alt

المقاطعة العامة ونتائجها

  /  المقاطعة العامة ونتائجها

المقاطعة العامة ونتائجها

أ. اتفاق بني هاشم وبني عبد المطلب على حماية النبي:

لما رأى أبو طالب أن الكفار والمشركين اشتدت عداوتهم لنبينا صلى الله عليه وسلم وأنه لن ينتهوا عن مكائدهم إلا إذا تخلصوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ذلك جمع أبناء عبد مناف -وهم بنو أمية- وبنو عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وبنو هاشم، وعرض عليهم خطورة الأمر، وعرض عليهم التكاتف الاتحاد في مواجهة عدوان كفار مكة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الذروة من بني هاشم ومن قريش حسبًا ونسبًا؛ فوافق بنو هاشم، وبنو المطلب، وأخذوا على أنفسهم الميثاق على حماية النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تسليمه للكفار أبدًا… اتفقوا على ذلك مسلُمهم وكافرُهم، ولم يشذ من هذين البطنين إلا أبو لهب؛ فإنه انحاز إلى كفار مكة ضد نبينا صلى الله عليه وسلم ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((كنا وبني المطلب معًا في الجاهلية والإسلام)).

في هذه الفترة وقعت أربع حوادث ضخمة بالنسبة للمشركين، وكان وقوعها خلال شهر واحد أو في أقل من ذلك: إسلام حمزة، ثم إسلام عمر رضي الله عنهما ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه العروض، وألقيت بين يديه المساومات؛ فرفض ذلك كله، ثم أنه توافق بنو المطلب وبنو هاشم على حياطة النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه.

ب. مقاطعة عامة ضد بني هاشم وبني عبد المطلب:

اجتمع المشركون في خيف بني كنانة من وادي المحصب؛ فتحالفوا هم على بني هاشم وبني المطلب ألا ينكاحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق ألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل…

وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة؛ فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب، انحاز مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبعٍ من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في مقاطعة شديدة شنيعة استمرت بهم ثلاثة أعوام، اشتد فيها الأمر على بني هاشم وبني المطلب حتى أكلوا ورق الشجر وحوصروا في شعبهم لا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم؛ للتعامل مع وفود الحج والعمرة.

ج. نقض بنود الصحيفة التي تنص على المقاطعة:

ومضت على ذلك ثلاثة أعوام كاملة حتى بلغوا المحرم سنة عشر من النبوة؛ فنقضت تلك الصحيفة، وفك ذلك الإصر والميثاق، وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن لؤي، وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيًا بالليل… يصلهم بالطعام، فاجتمعوا عند الحجون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، وقال زهير: أنا أبدؤكم؛ فأكون أول من يتكلم.

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة؛ أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل -وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تُشق. فقال زمعة الأسود: أنت والله أكذب؛ ما رضينا كتابتها حيث كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تُشُووِر فيه بغير هذا المكان! وأبو طالب جالس في ناحية المسجد؛ إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله على هذه الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة؛ فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل فأخبر بذلك عمه.

فخرج عمه إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا؛ فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه؛ وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا؛ قالوا: قد أنصفت. وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها؛ فوجد الأرضة قد أكلتها إلا “باسمك اللهم”، وما كان فيها من اسم الله؛ فإنها لم تأكله، ثم نقضت الصحيفة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأى المشركون آية عظيمة من آيات نبوته؛ ولكنهم كما أخبر الله عنهم: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مّسْتَمِرّ} [القمر: 2].

د. موت أبي طالب والسيدة خديجة بعد عشر سنوات من البعثة:

شاء الله -تعالى- أن يتعرض نبينا صلى الله عليه وسلم لحزنٍ شديد؛ فبعد مضي عشر سنوات من بعثته يموت عمه أبو طالب وتموت زوجه الرءوم خديجة بعده بأيام قليلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجد من كل منهما العون والمساعدة؛ فلقد قام عمه بحمايته والتصدي لأعدائه، وتحمل من أجل ذلك ومعه بنو هاشم وبنو المطلب مقاطعة قريش العامة وقد كان من ورائها كبير الضرر…

هـ. الاستعانة بغير أهل مكة:

وحاول نبينا صلى الله عليه وسلم أن يستعين بغير أهل مكة؛ لا سيما بعد وفاة عمه فقام بمحاولتين داعيًا إلى الله:

الأولى: ذهب إلى ثقيف في الطائف مصطحبًا معه زيد بن حارثة مولاه رضي الله عنه، والطائف بلدة كثيرة الثمر معتدلة المناخ مرتفعة عالية على مكة، ذهب إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجتمع بسادة ثقيف، يدعوهم إلى الله -تبارك وتعالى- ويعرض عليهم نفسه؛ فما كان منهم إلا أن ردوه ردًّا منكرًا وأغروا بهم سفهاءهم وأطفالهم؛ فرموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه صلى الله عليه وسلم وقصته مع أهل ثقيف مشهورة معروفة.

الثانية: عرض نفسه على القبائل في المواسم في مواسم الحج، وفي ملتقياتهم، وأسواقهم، ومنتدياتهم، يدعوهم إلى الله، ويسألهم أن يمنعوه حتى يبلغ دعوة الله عز وجل وعلا- يفعل ذلك وقريش تتبعه… وقريش تؤذيه… وقريش تغري السفهاء به.. وذلك منه صلى الله عليه وسلم في محاولة لكسر ذلك الطوق الذي فرضه أهل مكة على الدعوة إلى الله، تبارك وتعالى…

و. زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة:

بعد وفاة خديجة رضي الله عنها تزوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة؛ فعقد على عائشة رضي الله عنها ودخل بها في المدينة، وتزوج سودة بنت زمعة رضي الله عنها ودخل بها في مكة، وأما أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها فعقد عليها وهي في الحبشة، ودخل بها بعد عودتها إلى المدينة بعد الهجرة.

عائشة وأم زمعة رضي الله عنهما:

والصحيح أن عائشة رضي الله عنها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم أولًا وإن لم يبنِ بها، وقد قال البخاري في باب تزويج عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((أريتك في المنام مرتين؛ أرى أنك في سرقة من حرير ويقول: هذه امرأتك…)) والمقصود بقوله ((ويقول)): أي: الملك ((…فأكشف عنها، فإذا هي أنتِ؛ فأقول: إن يكُ هذا من عند الله يمضه)) والسرقة: هي القطعة من الشيء؛ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أريها في المنام أنها زوجته.

وقد روى البخاري أيضًا عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: ((توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين؛ فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين)).

وهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عقده عليها وهي ابنة ست وأن بناءه بها وهي ابنة تسع، وهذا مما لا خلاف عليه بين المؤرخين. وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحوٍ من ثلاث سنين؛ ففيه نظر وتأمل؛ لماذا؟

لأن عائشة رضي الله عنها قالت: ((تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة، وأنا ابنة سبع أو ست سنين؛ فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مجممة؛ فهيئنني وصنعنني، ثم أتين بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة تسع سنين)).

فقولها في هذا الحديث: ((متوفى خديجة)) يقتضي أنه على إثر ذلك قريبًا، وهذا يدل على أن العقد على عائشة رضي الله عنها لم يكن بينه وبين وقت وفاة خديجة زمن طويل.

وقد ورد أنه: ((جاءت خولة بنت حكيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ألا تزوج؟ قال: ومن؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال: ومن البكر؟ ومن الثيب؟ قالت: أما البكر؛ فابنة أحب خلق الله إليك: عائشة. وأما الثيب؛ فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك. قال: فاذكريهما عليَّ)) وذكر هذا الحديث؛ ففيه بيان تقدمي خطبة عائشة على زواجه صلى الله عليه وسلم بسودة بنت زمعة -رضي الله -تعالى- عنهن.

ولكن كان دخوله على سودة بمكة؛ أما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية من هجرته، صلى الله عليه وسلم.

وقد روى ابن إسحاق من طريق يونس بن بكير: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد خديجة ودخل بها في مكة قبل الهجرة ولم يصب منها ولدًا، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ما رأيت من امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة… ويورد ابن كثير قصة زواجه بسودة وعائشة، ويبين زواجه صلى الله عليه وسلم من عائشة على زواجه من سودة رضي الله عنهما.

وفي هذا حديث الإمام أحمد: عن عائشة قالت: ((لما كبرت سودة وهبت يومها لي؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بي بيومها مع نسائه، قالت: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي)).

وقد ورد: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبها كانت مصبية)) أي: لها خمسة صبية أو ستة من بعلٍ لها مات، ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يمنعك مني؟ قالت: والله -يا نبي الله- ما يمنعني منك ألا تكون أحب البرية إليَّ، ولكني أكرمك أن يضغوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشيًّا)) ((يضغوا)) أي: يصيحوا ويضجوا، ((قال: فهل منعك مني شيءٌ غير ذلك؟ قالت: لا والله. قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل: صالح نساء قريش، أحناه على ولدٍ في صغر، وأرعاه على بعلٍ بذات يده)). وهي التي وهبت يومها رضي الله عنها وذلك حين كبرت وتقدمت في السن.

مكانة السيدة عائشة وفضلها:

وأما عائشة رضي الله عنها فكانت بكْرَه صلى الله عليه وسلم، فهي الوحيدة من بين أزواجه التي تزوجها بكرًا، وكانت تظهر من فضلها على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تلك الشجرة التي لم يُرتع منها، يعني: لم يتزوجها أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد مكثت عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة، رضي الله عنها.

وفي فضلها قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يقرئها السلام.

وقد اختصها الله -تعالى- من بين سائر الزوجات بنزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في فراشها، وقد قال صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأم سلمه: ((يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها)).

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليخفي محبته لعائشة ولم تكن محبته صلى الله عليه وسلم لعائشة لتخفى على المسلمين؛ حتى إنهم كانوا يتحرون اليوم الذي يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة؛ فيتعمدونه ويتقصدونه بالهدية في يومها وفي ليلتها؛ ليسروا قلبه صلى الله عليه وسلم بهذه الهدية وهو عند أحب النساء إليه.

يدل على ذلك ما ثبت في (الصحيح): أنه صلى الله عليه وسلم “سئل عن أحب الناس إليه فقال: ((عائشة. قيل: من الرجال؟ قال: أبوها)). ثم إن الله عز وجل اختصها بخصيصة لم تكن لأحد من سائر الزوجات: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قُبِض بين سَحْرها ونَحْرها كما كانت تقول رضي الله عنها لأنه صلى الله عليه وسلم لقي ربه وهو في حجرها وكان آخر عهده أن بل ريقُها ريقَه الشريف رضي الله عنها.

أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها:

أما الزوجة الثالثة؛ فهي أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي، وفارقته بعدما تنصر وارتدَّ فعقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة، وأنكحها النجاشيُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة دينار ذهبًا، ودخل بها صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد أن عادت من هجرتها. وهي رضي الله عنها التي عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الزواج بأختها عزة بنت أبي سفيان؛ ((فعجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال: أو تحبين ذلك؟ قالت: نعم)) ثم إنها عللت ذلك ((فقالت: لست لك بمخْلِية…)) أي: بتاركة ولا زاهدة، ((وأحب من شاركني في الخير أختي)) فرد عليها صلى الله عليه وسلم: ((إن ذلك لا يحل لي)) وإنما عقد النبي على أم حبيبة تكريمًا لها وتقديرًا لتمسكها بالإسلام وتعويضًا عما لحقها من الأذى بمفارقة زوجها بعد فراقه دين الإسلام.

error: النص محمي !!