Top
Image Alt

المقاييس التي وضعها النقد القديم للتعامل مع المعاني

  /  المقاييس التي وضعها النقد القديم للتعامل مع المعاني

المقاييس التي وضعها النقد القديم للتعامل مع المعاني

نتحدث-بمشيئة الله وتوفيقه- عن نقد المضمون:

 مقاييس نقد المضمون في النقد الحديث، ومضمون الشعر يتمثل في المعاني والعواطف، المعاني التي مصدرها الفكر، والعواطف التي مصدرها الشعور، هذه المعاني والعواطف تمتزج وتتفاعل في نفس الشاعر في عقله ووجدانه؛ بسبب مؤثر من المؤثرات، أو موقف من المواقف، أو خاطر من الخواطر، وتنصهر هذه الأجزاء: الخاطر، أو الموقف، أو المثير مع المعاني الصادرة من الفكر الناتجة عن التفكر والتأمل مع العواطف الناتجة عن الإحساس والشعور، وهذا التفاعل والانصهار يسمى التجربة الشعورية.

فإذا ما استطاع الشاعر أن يصوغ هذه التجربة الشعورية المتألفة من المعاني والعواطف في صورة تعبيرية، في ألفاظ وأساليب وصور وموسيقى وصلنا إلى التجربة الشعرية.

فالتجربة الشعورية: ما يعتمل في نفس الشاعر، في وجدانه، وعقله، وخياله، ويتفاعل الأفكار، والعواطف، والمثيرات، والخواطر، والذكريات، كل ذلك في نفسه، في حالة تفاعل يسمى تجربة شعورية. إذا تحولت هذه التجربة الشعورية إلى مادة لغوية من الألفاظ والأساليب والصور والموسيقى أصبحت تجربة شعرية، أصبحت قصيدة؛ ولذلك جاء هذا التفريق بين الشكل والمضمون.

 فالمضمون إذًا هو هذه المعاني وهذه العواطف التي تحملها الألفاظ والأساليب، ولا يمكن أن نحكم على هذا المضمون إذا ظل حبيسًا في نفس صاحبه فهو غيب لا يمكن لناقد ولا لمتذوق ولا لقارئ أن يطلع عليه، لا يمكن للناقد أو المتذوق أو القارئ أن يعرف هذا المضمون إلا إذا خرج من نفس الشاعر وتحول إلى صورة تعبيرية، ومن خلال هذا التعبير يتعامل القراء ويتعامل النقاد مع هذا المضمون. يحكمون على المعاني، ويحكمون على العواطف من خلال هذه الصورة التعبيرية التي تسمى “قصيدة”.

النقد العربي القديم تعامل مع المضمون بمقاييس احتكم إليها في النظر إلى المعاني، ومقاييس احتكم إليها بالنظر في النظر إلى العاطفة، لا يتصور كلام أدبي لا يحمل معنى، أو لا يحمل فكرة، ومن هنا كان الاهتمام بالمعاني بوصفها مضمونًا مهمًّا يحمله الأدب، وليس المقصود من الأدب وليس من وظيفة الأدب أن يحمل إلينا نظريات أو فلسفات، أو أن يأتي إلينا بالحقائق جافة أو موضوعية، وإنما المراد من الأدب ووظيفة الأدبتتمثل في أن يأتي بالأفكار والمعاني والحقائق كما يراها الشاعر، كما تفاعلت معها نفسه، كما أنضجتها تجربته، وتأتي هذه الأفكار، أو هذه المعاني، أو هذه الحقائق مختلطة وممتزجة بإحساس الشاعر وشعوره وعاطفته.

والمقاييس التي وضعها النقد القديم للتعامل مع المعاني تتمثل فيما يلي:

أولًا: مقياس الصحة والخطأ: فهم يطلبون في المعنى أن يكون صحيحًا، لا خطأ فيه من ناحية الحقائق، أو واقع الحياة، أو المدلول اللغوي للفظ. ومن هنا كان من الشعراء من يقع في الخطأ الناتج عن جهل بالحقائق، أو جهل بواقع الحياة، أو عدم اختيار اللفظ الصحيح للدلالة على المعنى المراد.

ومن المقاييس التي يحكمون بها على المعنى كذلك: مقياس الطرافة أو الابتكار أو التجديد أو الندرة أو الغرابة: فليس مطلوبًا من الشاعر أن يردد ما سبقه إليه السابقون، وإنما يحسب للشاعر أن يكون في معانيه وأفكاره ابتكار وتجديد، والابتكار والتجديد لا نجده كثيرًا، ولا نجده إلا عند الشعراء الكبار الذين يمتازون بسعة العقل، وعمق الثقافة، وعمق التفكير، وبالإضافة إلى هذا رزقوا إحساسًا وشعورًا، ووفقوا في الوقوع على الصورة التعبيرية التي تتسق مع شعورهم ومع فكرهم.

ومن المقاييس التي ذكرت أيضًا للحكم على المعنى: مقياس الوفاء بالمعنى: فقد يعبر الشاعر عن معنى فيأتي هذا التعبير قاصرًا، ويأتي المعنى نتيجة لذلك ناقصًا؛ ولذلك إذا أردنا أن نذكر بعض الأمثلة في نقد المعاني نجدهم مثلًا عابوا على ذي الرمة قوله:

ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى

* ولا زال منهلًا بجرعائك القطر

قالوا: إن ذا الرمة أراد أن يدعو لدار صاحبته مي بالسلامة، فقال: ألا يا اسلمي، وأراد أن يدعو لها بأن يظل المطر منهلًا عليها ومنصبًّا؛ لأن المطر فيه الحياة، وكان العرب يعتمدون على المطر بوصفه المصدر الوحيد أو الأساس للمياه، لكنهم عابوا على ذي الرمة دعاءه باستمرار هذا المطر: “ولا زال منهلًا بجرعائك القطر”، وقالوا: لأن القطر إذا كان دائمًا فسدت الحياة، فالشاعر هنا لم يتم معناه، وفضلوا عليه قول طرفة بن العبد:

فسقى ديارك غير مفسدها

* صوب الربيع وديمة تهمي

فطرفة دعا بالسقيا، لكنه قال: “غير مفسدها”، فهذا فرق في المعنى، ومما يعاب مثلًا به الشاعر: أن يأتي بفكرة خاطئة أو معنى غير صحيح، فمثلًا البارودي في قصيدته التي قالها في رثاء زوجه يريد أن يعبر عن حزنه الشديد على زوجه؛ فقال في هذه القصيدة:

جزع الفتى سمة الوفاء

* وصبره غدر يدل به على الأحقاد

فهذه الفكرة ليست صحيحة؛ لأن الجزع ليس سمة، أو ليس دليلًا على الوفاء، والصبر كذلك لا يدل على الأحقاد.

ومن المقاييس التي احتكموا إليها أيضًا في نقد المعنى: مقياس الوضوح والغموض: وهذا مرتبط بطبيعة البيان العربي التي كانت لا تحب الغموض المستغلق الذي يحول بين القارئ أو السامع والتأثر بالشعر؛ لأنه لا يفهم منه شيئًا، لكن الغموض المستحب الذي يحوج العقل إلى شيء من التفكر والتأمل والمعنى الذي لا يعطي نفسه جملة واحدة للقارئ وإنما يعطيه شيئًا، ثم يعطيه شيئًا آخر، فهذا من الشعر الجيد، وهذا مما أشاد به القدماء، لكن إذا لفت المعاني في ثوب غامض، وقامت بين القارئ والمعاني حواجز كثيفة تحجب المعنى عن القارئ فذلك غموض معيب في نظر النقد العربي القديم.

وهذه المقاييس أيضًا نالها ما نالها من المذاهب النقدية والأدبية الحديثة، فلم تعد هذه المقاييس في كثير من الأحيان من المحاور التي يدور عليها النقد الأدبي الحديث، خاصة مقياس الوضوح والغموض، فعند الرمزيين وعند السرياليين لا قيمة للوضوح عندهم، وإنما القيمة كلها في الشعر عندهم للغموض، فهذا أمر يجب التنبه إليه في الفرق بين المقاييس العربية القديمة والمقاييس الحديثة التي يحتكم إليها في نقد مضمون الشعر.

error: النص محمي !!