Top
Image Alt

المقطع “syllable” و النبر في العربية

  /  المقطع “syllable” و النبر في العربية

المقطع “syllable” و النبر في العربية

. المقطع في العربية:

المقطع والنبر متلازمان في الدرس الصوتي؛ ذلك أن المقطع حامل النبر، والنبر أمارة من أمارات تعرُّف المقطع، ومن هنا كان الكلام عليهما معًا بإلقاء شيء من الضوء على خواصِّهما، ووظيفتهما في البناء الصوتي للغة العربية وإِنْ في إيجاز.

أ. بناء المقطع:

من اللافت للنظر أنه ليس هناك حتى الآن تعريفٌ واحدٌ متفَقٌ عليه، يمكن أخذه منطلقًا لدراسة المقطع الصوتي وأنماطه، وكيفيات تركيبه في كل اللغات، ومع ذلك يمكن القول بشيء من التجوّز: إن المقطع الصوتي من حيث بناؤه المثالي أو النموذجي أكبر من الوحدة الصوتية أو أكبر من الصوت، وأصغر من الكلمة، وإن كانت هناك كلمات تتكوّن من مقطع صوتي واحد، كقولنا: “مِن” أو “مَن”، والكلمة التي تتكون من مقطع صوتي واحد تسمى “أحادية المقطع”، في حين التي تتشكل من أكثر من مقطع يُطلق عليها “متعددة المقاطع الصوتية”.

ب. صعوبة تعريف المقطع فُنُولُوجيًّا:

والملاحظ أن المعجمات العربية، قديمها وحديثها، قد أهملت هذا النهج الذي من شأنه أن يعين المتعلِّم على تعرُّف مقاطع الكلمة صوتيًّا وتعرُّف حدود هذه المقاطع، ومع ذلك فما زال تعريفُ المقطع الصوتي تعريفًا علميًّا عامًّا يمثل صعوبةً ظاهرةً أمام الدارسين، ينبئ عن هذه الصعوبة اختلافُ العلماء إلى حدٍّ ملحوظ في هذا الشأن، فمنهم من نَحَا نحوَ الجانب الصوتي المحض –أي: النطقي الفعلي- وآخرون اعتمدوا الجانب الفُنُولُوجي معيارًا للحكم –أي: الجانب الوظيفي للمقطع- ودوره في بناء الكلمة في اللغة المعينة.

الفريق الأول الآخذ بالجانب الصوتي المحض: سلك أصحابه في تفسير معيارهم هذا ثلاثة مسالك، اعتمد نفرٌ منهم على العامل الفسيولوجي أو العضوي للنطق، فعرّفوا المقطع بأنه خفقةٌ صدريةٌ، على أساس أن الإنسان عند النطق قد يشعر بنوعٍ من الضغط أو التأكيد عند النطق بالمقطع الصوتيّ، ولكن هذا المعيار إن صَلُحَ نظريًّا لا يصلُح للأخذ به عند اتصال المقاطع الصوتية بعضها بالبعض في سلسة الكلام.

وفريقٌ ثانٍ من الآخذين بالجانب الصوتي بنواحيه المختلف، آثروا الاعتمادَ في تعريف المقطع وتحديده على الجانب السمعي للكلام: قرّر هؤلاء أن المقطع عند النطق يبدو أوضحَ وأكثرَ تأثيرًا على السمع؛ إذ هو يمثِّل قمة الوضوح لاشتماله عادةً على الحركة “Vawel”، والحركة- كما هو مقرر ومعروف- تمثل قمة الوضوح السمعي بالنسبة لسائر الأصوات اللغوية، وقد رئي أن هذا المسلك السمعي أيضًا لا يمكن الاعتماد عليه في كل الحالات؛ إذ قد يخلو مقطع من المقاطع الصوتية في بعض اللغات من الحركات، كما أن بعض الأصوات الصامتة قد تكوِّن مقطعًا بذاتها، كما في بعض الكلمات الإنجليزية مثل كلمة: Bottle و Batten.

وفريق ثالث من هؤلاء: يأخذ بالجانب الأكوستكي في تحديد المقطع وتعرُّفه، وذلك بالاعتماد على ما يحدثه نطق المقطع الصوتي من ذبذبات ذات سمات خاصة في الهواء، وواضح أن هذا المعيار من الصعب الاعتماد عليه؛ إذ إن ذبذبات الهواء التي يحدثها النطق متداخلةٌ ومتصلةٌ بعضها ببعض إلى درجةٍ عاليةٍ، وإن كان في الإمكان تعرُّف آثار الحركات “Vawels” لاتسامها ولاتصافها- بطبيعتها- بشدة الوضوح السمعي، ولكن هذا التعرف لا يغني في تحديد المقطع؛ لهذا كله لجأ الثقات من الدارسين إلى معيار آخر أدق وأقرب منالًا إلى تعرف طبيعة المقطع الصوتي، وهذا المعيار هو ما يعرف بالمعيار الفُنُولُوجي، وقوام هذا المعيار أمران:

الأمر الأول: النظر في المقاطع من حيث بنيتها، ومكوناتها، وكيفيات تتابعها؛ إذ هي في العادة تمثل حِزمًا أو عناقيدَ في سلسلة الكلام.

الأمر الثاني: أن يتم ذلك في كل لغة على حدة؛ حيث إن لكل لغة خواصها ومميزاتها في تتابع هذه الحزم أو العناقيد ومكوناتها، على ما هو ثابت مقرر في الدراسة التركيبية للغات.

جـ. مفهوم المقطع، واستخدامه عند العرب:

وقد ورد مصطلح “المقطع الصوتي” أو “المقطع” وجمعه “المقاطع” في التراث العربي، وإن كان ذلك بمعانٍٍ مختلفة، نشير إلى اثنين منها لشهرتهما واتساع دوائرهما:

المعنى الأول: من كلام ابن جني عند حديثه عن مخارج الحروف أو الأصوات، وكيفيات مرور الهواء عند النطق بها:

اعلم أن الصوت عَرَضٌ يخرج مع النفس مستطيلًا متصلًا، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنِيهِ عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أيضًا أينما عَرَضَ له حرفًا، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها.

فالمقطع أو المقاطع- كما هو واضح من هذا النص- إنما تعني قطع الهواء، أو وقوفه كليًّا كما في الأصوات أو الوقفات الجزئية، كما في الأصوات الاحتكاكية، حتى يتكون الحرف، ويتحقق قطعه من مخرج معين، أو عند مقطعه حسب عبارة ابن جني، ومن هنا تختلف صفات الحروف أو مخارجها وفقًا لاختلاف مقاطعها، وغنيٌّ عن البيان أن هذا المفهوم للمقطع مفهوم خاص، لا يتصل من قريب أو من بعيد بمفهوم المقطع الصوتي في الدرس الصوتي الحديث.

أما المعنى الثاني فصاحبه الفارابي يقول في كتابه (الموسيقى الكبير): “وكل حرف غير مصوِّت –أي: صامت- أُتْبِعَ بمصوِّت قصير- أي: حركة قصيرة- قرن به، فإنه يسمى المقطع القصير. والعرب يسمُّونه الحرف المتحرك؛ من قبل أنهم يسمون المصوتات القصيرة حركاتٍ، وكل حرف لم يُتْبَع بمصوِّت طويل فإنَّا نسميه المقطع الطويل”.

وهذا النص- بخلاف سابقه نص ابن جني- ينبئ بوضوحٍ كاملٍ عن أن الفارابي يدرك فكرة المقطع بصورة تشبه أو تماثل في مضمونها تصوّر المحدَثين للمقطع الصوتي، فعلى الرغم من أنه لم يقدِّم لنا تعريفًا للمقطع أو تحديدًا لمفهومه نظريًّا، فقد انصرف بأمثلته إلى الإفصاح عن خواصِّ المقطع الصوتي من حيث التركيب والبناء، أي: كونه أشبه بحزمة أو عنقود من الأصوات المتتابعة على وجه مخصوص.

هذا بالإضافة إلى قصر أمثلتَه الواردة على اللغة العربية، فكأنه يسير حذو النَّعل بالنعل سيرَ الآخذين بالمنهج الفُنُولُوجي الذي ينظر إلى المقطع الصوتي، ويتعرّفه من حيث بنيته ومكوناته في سلسلة الكلام.

وفي أمثلة الفارابي إنباء صريح عن أن المقطع الصوتي في العربية- مهما كان نمطه- لا بد أن يشتمل على حركة قصيرة أو طويلة على سواء، وفي ذلك كله تأكيد على أن الفارابي قد أتى في قضية المقطع بما يضارِع ما أتى به ويأتي به المحدثون من علماء الأصوات، واكتفاؤه بمثالين لما سماهما المقطع القصير والمقطع الطويل لا يعني- والرأي للدكتور كمال بشر- عدم إدراكه لبقية الأنماط المقطعية للغة العربية، إنه أورد هذين المثالين على ضربٍ من التمثيل لكيفيات تركيب المقاطع وبنائها، والنعت بالقصير والطويل دليلٌ على استيعابه فكرةَ اختلاف المقاطع الصوتية باختلاف مكوناتِها، وإن جرى العرف الحديث على تسمية ما نعته بالمقطع الطويل بالمقطع المتوسط، فلعل تسميته هذه إنما جاءت تأثُّرًا بما انتظمه المقطع من حركة طويلة.

د. وصف البناء المقطعي في اللغة العربية:

فإذا انتقلنا إلى وصف البناء المقطعي في اللغة العربية، كما يخبرها قرّاء القرآن الكريم وأهل الاختصاص في مصر، فإن السبيل في تقديم الترتيب المقطعي للعربية المنهج الفُنُولُوجي، الذي يعتمد على النظر في تتابعات الوحدات الصوتية، وكيفيات تكوينها على شكل حِزَم أو عناقيدَ مميزةٍ في سلسلة الكلام، وهذا لا يعني إهمال الجانب الصوتي إهمالًا تامًَّا؛ إذ العود إليه قد يصبح ضرورةً لتحديد أبعاد هذه الحِزَم أو العناقيد على وجهٍ صحيحٍ، وهذا النهج يؤكد ما تقرر من أنه لا يمكن الفصل بين الفُنُولُوجي والفونيتيك  فصلًا تامًّا؛ إذ هما متلازمان من البداية إلى النهاية.

وبداية العمل في رسم التشكيل المنطقي أو النطقي لأية لغة، تنطلق هذه البداية إلى تسجيل أهم الخواص، والسمات العامة للمقطع الصوتي في اللغة المعينة؛ وذلك بوصف هذه الخواص والسمات قوام التحليل الفُنُولُوجي الذي يعتمد في الأساس في تحديده للمقاطع وطرائق تكوينها على طبيعة كل لغةٍ على حدة.

ويرى الدكتور كمال بشر أن المقطع الصوتي في العربية ينماز بمجموعة من الخواص العامة، أهمها ما يأتي:

1. المقطع في العربية يتكون من وحدتين صوتين، أو أكثر إحداهما حركة، فلا وجود لمقطع من صوتٍ واحدٍ، ولا وجودَ لمقطع يخلو من الحركة.

2. المقطع الصوتي لا يبدأ بصوتين صامتين، كذلك لا يبدأ بحركة، وإن كان يلاحظ وقوع الصورة الأولى في بعض اللهجات العامية الحديثة، كما في لهجة عالية لبنان في قولهم: استعد.

3. لا ينتهي المقطع بصوتين صامتين إلا في سياقات معينة، أي: عند الوقف أو إهمال الإعراب.

4. غاية تشكيل المقطع أو تكوينه أربع وحدات صوتية بحسبان الحركة الطويلة وحدةً واحدةً.

هـ. أنواع المقاطع في اللغة العربية:

بهذا التحديد الضابط للخواص العامة المميزة للمقطع الصوتي في اللغة العربية، يمكن الوصول إلى تعيين ستة أبنية أو أنماط للمقطع الصوتي في هذه اللغة، وقد صنَّف الدكتور كمال بشر هذه الأنماط إلى ثلاث طوائف، هي: القصيرة، والمتوسطة، والطويلة:

المقطع القصير يتكون من صوت صامت وحركة قصيرة، ويرمز إليها برمز “ص” و”ح” في العربية، فالصاد مختصر صامت، والحاء رمز للحركة، على ضرب من الاختصار، أو بالرموز الأكثر شيوعًا في الدرس الصوتي العالمي؛ وفقًا للاختصار أيضًا المصطلح في اللغة الأوربية “C” “V” فـ”C” اختصار “Consonant” و”V” اختصار “Vawel”، ومثاله ثلاثة المقاطع في كلمة “كَ/تَ/بَ” فكل مقطع من هذه المقاطع الثلاثة يعد مقطعًا قصيرًا: الكاف صامت ثم الفتحة حركة، والتاء صامت ثم الفتحة حركة، والباء صامت ثم الفتحة حركة؛ وبذلك يعدُّ منه كل فعل ماضٍ ثلاثي خالٍ من حروف المد.

أما المقطع المتوسط فهو ذو نمطين عند الدكتور بشر:

النمط الأول: صامت + حركة قصيرة + صامت، أي: “ص ح ص” أو “C V C” ومثاله المقطع الأول في “يَكْـ/تُبُ” أو الثاني أيضًا.

النمط الثاني:

صوت صامت + حركة طويلة (ص ح ح) أو [c v v] ومثاله المقطع الأول في كاتب [kaa/ ti/ bn] ومنه المقطع في كل اسم فاعل من الفعل الثلاثي.

المقطع الطويل، وهو عند الدكتور بشر له ثلاثة أنماط:

النمط الأول: صامت، وحركة، وصامت وصامت، ويرمز له بـ “ص ح ص ص”، أو “C V C C”، ومثاله “برٌّ” بفتح الباء، أو كسرها أو ضمها، وهذا المقطع مشروط وقوعُه بالوقف أو عدم الإعراب، يعني: لا يقال: بَرٌّ أو بِرٌّ أو بُرٌّ، وإنما يقال: “بَرّ” “بِرّ” “بُرّ”.

النمط الثاني: يتكون من صوت صامت، ثم حركة طويلة، ثم صامتان “ص ح ح ص ص”، أو “C V V C C” ومثاله المقطع الثاني في نحو كلمة “مَهَامّ” وهذا المقطع مشروط وقوعُه أيضًا بالوقف وعدم الإعراب.

النمط الثالث: يتكون من صوت صامت، ثم حركة طويلة، ثم صوت صامت، ويرمز له بـ”ص ح ح ص” أو “C V V C” ومثاله المقطع الأول في كلمة “ضَالِّين” وهذا المقطع مشروط وقوعُه بواحدٍ من اثنين: أن يكون الصوت الصامت الأخير مدغمًا في مثله كما في “ضَالِّين”، أو في حال الوقف أو عدم الإعراب كالواو في “يَقُول” في حال الوقف.

ولكنْ هناك تصنيف آخر للمقاطع الصوتية في اللغة العربية في رأي الدكتور محمود فهمي حجازي، فهو يرى أن المقاطع في اللغة العربية خمسة أنواع، ويعتمد هذا التصنيف على أمرين: الطول والقصر، وأن هناك اختلافًا بين المقطع الذي ينتهي بحركة والمقطع الذي ينتهي بصامت؛ فالمقطع الذي ينتهي بحركة يعدّ مقطعًا مفتوحًا، والمقطع الذي ينتهي بصامت يعد مقطعًا مغلقًا، ووفقًا لعنصر الطول هناك الطويل، وهناك المديد وهو أطول من سابقه.

النوع الأول: يسمى قصيرًا مفتوحًا، فهو يبدأ بصامت، وينتهي بحركة قصيرة كالفتحة، أو الضمة، أو الكسرة؛ مثل قولنا: “كَتَبَ” أو “كُتِبَ” ف(ك) الكاف صامت، ثم الضمة حركة قصيرة، والتاء صامت ثم الكسرة حركة قصيرة، ثم الباء صامت، والفتحة حركة قصيرة: “كُتِبَ”، فهذه المقاطع الثلاث كلها ينطبق عليها أنها قصيرة مفتوحة.

النوع الثاني: طويل مفتوح، وهذا يتكون من صامت وحركة طويلة، كالمقطع الأول من كلمة “كَا/تِب” أو من كل اسم جاء على صيغة “فاعل” في مقطعه الأول، فهو يبدأ بصامت وينتهي بحركة طويلة.

النوع الثالث: طويل مغلق، وهو يبدأ بصامت وينتهي بصامت أيضًا، وبين الصامت الأول والصامت الثاني حركة قصيرة.

وبالطبع عندما نتحدث عن أمثلة النوع الثاني وهو الطويل المفتوح، فالفرق بينه وبين النوع الثالث الطويل المغلق فرق في النهاية، فالمفتوح طويل والمغلق طويل، لكن المفتوح ينتهي بحركة والمغلق ينتهي بصامت، والحركة في الطويل المفتوح طويلة، والحركة في الطويل المغلق قصيرة، ومثال النوعين:

النوع الأول الطويل المفتوح كما ذكرنا المقطع الأول من كل اسم فاعل جاء على صيغة “فاعل”، وكذلك مثلًا الكلمات كلمة “بَا/بَا” أو “مَا/مَا”… أو يمكن أن تكون الحركة ضمة طويلة أو كسرة طويلة مثل: “نو/نو” أو “سو/سو” أو “في/في” أو “مي/مي”… أو غير ذلك.

أما المقطع الطويل المغلق فيمكن أن يكون أحادي المقطع كما في “مِنْ” و”عَنْ” و”لَنْ” و”كَي” فكل هذه الكلمات كل منها يعد مقطعًا واحدًا طويلًا مغلقًا، يبدأ بصامت وينتهي بصامت، وبين الصامتين حركة قصيرة، كذلك كلمة “مَكْتَب” بالوقوف على الباء “مَكْ” ميم فتحة كاف، يعني: صامت حركة قصيرة صامت، “تَ” فتحة “بْ” “تَبْ” أي: صامت حركة قصيرة صامت.

النوع الرابع: مديد مغلق بصامت، وهو يتكون من صامت، ثم حركة طويلة، ثم صامت، ومثاله كلمة “نَار” بالوقوف على الراء… أو “فِيل” بالوقوف على اللام، أو “فُول” بالوقوف على اللام، فهو يتكون من صامتين بينهما حركة طويلة، وهذا النوع من المقاطع ربما تطرأ عليه بعض التغيرات الصوتية- على ما سنعرف بالتحديد.

النوع الخامس: مديد مغلق بصامتين، أو على حد تعبيره “مُغرِق في الطول مغلَق بصامتين” وهذا يتكون من صامت، ثم حركة قصيرة، ثم صامت وصامت، وأفضل مثال لهذا النمط المقطع الثاني من كلمة “دِمَشْق” “دِ/مَشْق”، “مَشْق” ميم ففتحة فشين فقاف، يعني: صامت، ثم حركة قصيرة وهي الفتحة، ثم صامتان وهما الشين والقاف.

2. النبر في العربية:

أ. مفهوم النبر لغةً واصطلاحًا:

النبر في اللغة بشكل عام معناه: البروز والظهور، ومنه: المنبر في المساجد ونحوها، وهذا المعنى العام ملحوظ في دَلالته الاصطلاحية، فهو في الدرس الصوتي يعني: نطق مقطع من مقاطع الكلمة بصورة أوضح وأجلى نسبيًّا من بقيّة المقاطع التي تجاوره، ومعلوم أن الكلمة تتكوّن من سلسلة من الأصوات المترابطة المتتابعة التي يُسلِم بعضها إلى بعض، ولكنّ هذه الأصوات تختلف فيما بينها قوةً وضعفًا بحسب طبيعتها ومواقعها، فالصوت أو المقطع الذي يُنْطَق بصورة أقوى مما يجاوره يسمى صوتًا أو مقطعًا منبورًا: “اسْتِرِسْت سِلَبُول”، ويتطلب النبر عادة بذل طاقة في النطق أكبر نسبيًّا، كما يتطلب من أعضاء النطق مجهودًا أشدّ، لاحظْ مثلًا الفرق في قوّة النطق وضعفه بين المقطع الأول والمقطعين الثاني والثالث في كلمة “ضَرَبَ” تجد أن “ضَ” المقطع الأول يُنْطَق بارتكاز أكبر من زميليه في الكلمة نفسها، وهذا ما يلاحظ أيضًا في المقطع “كَاتِب” فالمقطع الأول “كَـ” منبور، وفي المقطع الثاني من كلمة “مَضْرُوب” أي: “رُوب” نلاحظ عليه أيضًا ضغط، أي: هو مقطع منبور.

ب. هل النبر وحدة صوتية في العربية؟

والنبر بهذا المعنى ملمح صوتي من ملامح الكلمة، أو هو عنصر من عناصرها التي تميزها عن غيرها، وتحيلها كلًّا متكاملًا من حيث البناء والطلاء، وقد عدّه بعضهم فونيمًا ثانويًّا؛ تأكيدًا لقيمته النسبية في بنية الكلمة، وحسبه آخرون- كـ”فيرث” ومدرسته- ضربًا من التطريز، وهو تطريز لا يعنى مجرد التجويد والتزيين، وإنما يعني إلى جانب ذلك أنه عنصر يُكْسِب بنية الكلمة تكاملها ويمنحها قوامًا متميزًا خاصًّا بها، الأمر الذي يجعل من الكلمة وحدة متكاملة متسقة البناء والطلاء في آنٍ واحد.

ومن المقرر أن الكلمة إذا انتظمت أكثر من مقطع كان أحد هذه المقاطع منبورًا، وقد تتلقّى الكلمة الواحدة أكثر من نبرٍ، وإن بدرجات مختلفة قوةً وضعفًا.

جـ. أنواع النبر في اللغة ووظيفته:

والنبر عند غالبة الدارسين ثلاث درجات: قوي، ووسيط، وضعيف:

وللقوي عندهم علامته أو الرمز الذي يشير إليه، وهو شرطة مائلة، ويوضع هذا الرمز في بداية المقطع المنبور مباشرة إلى أعلى، كما في المقطع الأول من كلمة “ضَرَبَ” أو “قَرَأَ” أو “كَتَبَ”.

والوسيط رمزه أيضًا خط مائل، ويوضع في بداية المقطع المنبور إلى أسفل، كما في المقطع الأول من “قَاتِلُوهُم”.

أما النبر الضعيف فيُترك عادةً بدون رسم كتابيٍّ.

وغالبًا ما يصحب النبرة القوية إشاراتٌ أو حركاتٌ جسميِّةٌ، كالإشارة باليد، ورفع الصوت، كما يصحبه أيضًا اختلافٌ في درجة الصوت، وربما في النغمة كذلك.

ويصنف الأمريكان البناويُّون النبرَ إلى: الأساسي، والثانوي، والضعيف، ويقومون بتحليل هذا التصنيف تحليلًا فونيميًّا تساوقًا مع منهجهم في حسبان النبرة في عمومه فونيمًا ثانويًّا، على خلاف ما حسبه آخرون بأنه ضرب من التطريز الصوتي، أو ملمح من ملامح الكلمة، وهذا الملمح يكون مكملًا لبنيتها وهيأتها الخاصة بها.

وللنبر قيم صوتية نطقية وأخرى فُنُولُوجية وظيفية، فهو من الناحية النطقية ذو أثر سمعي واضح، يميز مقطعًا من آخر أو كلمةً من كلمة أخرى. أما من الناحية الوظيفية فإن النبر يقود إلى تعرّف التتابع المقطعي في الكلمات ذات الأصل الواحد، عند تنوع درجات نبرها ومواقعه؛ بسبب ما يلحقها من تصريفات مختلفة، فالنبر في “كَتَبَ” يكون على المقطع الأول، ولكنه يقع على المقطع الثاني في “كَـ/تَبْ/تُ” “كَتَبْتُ”، ويقع على المقطع الثالث في “كَتَبْتُهُ”.

هذا التنوع في النبر في الكلمة الواحدة قد يكشف عن لَكْنَةٍ أو نطقٍ صوتيٍّ خاصٍّ، كما نلاحظ ذلك مثلًا في نطق بعض جهات الصعيد مقارَنًا بما يجري على ألسنة سكّان الوجه البحري أو المناطق الساحلية.

أما على مستوى الجملة فإن للنبر وظائفَ بالغة في الأهمية؛ إنه عند تنوع النبر ودرجاته يفيد التأكيد أو المفارقة؛ حيث ينتقل النبر القوي من كلمة إلى أخرى، وذلك قصدًا إلى بيان هذا التأكيد أو الكشف عن هذه المفارقة.

د. النبر على مستوى الكلمة والجملة والمعنى:

وللنبر على مستوى الكلام المتصل وظيفة مهمة، ترشد إلى تعرف بدايات الكلمات ونهاياتها، فمن المعلوم أن الكلمة في سلسة الكلام قد تفقد شيئًا من استقلالها عندما يتصل هذا الكلام، وقد تتداخل مع غيرها، أو تفقد جزءًا من مكوناتها، أو تدغم أطرافُها في بدايات كلمة لاحقة، وهنا يبرز النبر عاملًا من عوامل تعرّف الكلمة، وتعرّف بداياتها ونهاياتها، وبخاصة في اللّغات ذات النبر الثابت الجارية على قوانين منضبطة مطردة، كما هو الحال مثلًا في اللغة العربية، فهي قوانين وإن كانت متشعبةً تشعبَ صور تصنيفات الكلمة ومكوناتها ومكانتها، تمكِّن العارف من التنبؤ بمواقع النبر ودرجاته.

وهناك لغات أخرى نبرها أشدّ ثباتًا واستقرارًا بلزومه مقطعًا أو مقاطع بذاتها من الكلمة، كاللغات الفنلندية والبولندية؛ في هذه اللغات ونحوها يرشدنا النبر بطريق ضمنية إلى بدايات الكلمات ونهاياتها، ولكن الاعتماد على النبر ومواقعه في تحديد الكلمات، وذلك في الكلام المتصل، لا يمكن تطبيقه على اللغة الإنجليزية؛ إذ ليس بها نظام ثابت للنبر، إنها لغة من ذوات النبر الحرِّ؛ حيث ينتقل النبر فيها من مكان إلى آخر في الكلمة، أي: في الكلمة الواحدة.

وقد صنّف الدارسون اللغات في عمومها إلى صنفين رئيسين، من حيث ثبات النبر ولزومه مقطعًا معينًا، فنعتوا الصنف الأول بـ”اللغات ذوات النبر الثابت” ونعتوا الصنف الثاني بـ”اللغات ذوات النبر الحر” أو القابل للحركة، ومن أمثلة الصنف الأول اللغة العربية.

وخلاصة القول في النبر الثابت: أنه نبر يخضع لقوانينَ مرسومةٍ مطردةٍ، يلزم بمعيارها مقطع أو مقاطع معينة لا يبرحها، بحسب بنية الكلمة، ومكوناتها المقطعية، وكيفيات تتابعها.

وتعد اللغة الإنجليزية من اللغات ذوات النبر الحر.

وللغات تصنيف آخر: “لغات نبريّة” و”لغات غير نبريّة”:

أولًا: “اللغات النبرية”: هي تلك التي يعتمد المعنى فيها بأي صورة من الصور على نوع النبر ودرجاته، وعلى مواقعه من الكلمة، ومن أمثلة ذلك: اللغة الإنجليزية، والألمانية، والأسبانية، فالكلمة الواحدة في اللغة الإنجليزية مثلًا قد يلحقها شيء من تغير المعنى بتغير درجات النبر ومواقعه؛ بحيث يعد النبرُ هنا وحدةً صوتيّةً يؤدي تغيرها إلى تغير المعنى.

ثانيًا: “اللغات غير النبرية”: فمن أمثلتها اللغة اليابانية، واللغة العربية، فالنبر في العربية مثلًا على مستوى الكلمة له قوانين ثابتة مطردة، لا تحتمل أي تنوع في درجاته أو مواقعه؛ ومن ثم لا يعيبها أي تغير دَلالي على أي مستوًى من مستويات اللغة.

وللغات النبرية توظيف ملحوظ للنبر على مستوى الجملة، نظير ذلك بوجه خاصٍّ اللغة الفَرنسية، وتشترك اللغة الفَرنسية مع غيرها من اللغات النبرية جميعًا في استخدام النبر، ومواقعه، ودرجاته، على مستوى الجملة في أغراض بيانية خاصة، كقصد التأكيد، أو التركيز، أو المفارقة.

وقد وُجِدَ بالنظر الدقيق أن الكلمات ذات الأهمية النسبية في الجملة العربية في المواقف العادية الحيادية هي التي تنتمي إلى الأجناس الصرفية: الأسماء، والصفات، وأسماء الإشارة، والمكملات: الحال، أو التمييز، أو الظرف، والأفعال الرئيسية. ومعني هذا أن الحروف، وكثيرًا من الأدوات والضمائر الشخصية، وأسماء الموصول، كلها من الأجناس التي لا يصاحبها نبر واضح في الحالات الحيادية في الكلام المتصل، ولا يعني هذا بحال أن هناك تفضيلًا بين كلمةٍ وأخرى، وإنما ما نريد أن نقوله: أن هناك أهمياتٍ نسبيةً للكلمات بحسب المقامات المختلفة.

ومن مظاهر هذا الاهتمام توزيع النبر ودرجاته المختلفة، توزيعًا يعدل درجة الاهتمام بهذه الكلمة أو تلك، فالكلمات ذات النبر العادية يلحقها نبر أقوى وأشدّ، والكلمات غير المنبورة في الحالات العادية تتحمل نبرًا من نوع معين، وفقًا لمقتضى كل حالة من الحالات.

error: النص محمي !!