Top
Image Alt

المنهج الأمثل في التفسير، وقانون الترجيح عند احتمال النص أو التعارض

  /  المنهج الأمثل في التفسير، وقانون الترجيح عند احتمال النص أو التعارض

المنهج الأمثل في التفسير، وقانون الترجيح عند احتمال النص أو التعارض

1. المنهج الأمثل في التفسير: من القواعد والأساسيات في التفسير أن يعرف المفسر المنهج الأكمل الذي يجب عليه أن يسلكه عند التفسير. هذه القواعد إذا التزم بها المفسر فإن منهجه يكون صحيحًا وتفسيره يكون محل القبول والرضا بمشيئة الله تعالى، أهم هذه القواعد في المنهج الأمثل والأكمل ما يلي: أولًا: أن يبدأ المفسر بتفسير القرآن بالقرآن؛ فما أجمل منه في موضع فقد فصل في موضعٍ آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في مكانٍ آخر. ثانيًا: إذا لم يجد تفسيره للقرآن في القرآن، بحثه في السنة؛ فإن السنة فيها أشياء كثيرة شارحة للقرآن مفصلة له، وقد ذكر -جل وعلا- أن السنة مبينة للكتاب كما جاء في النص المحفوظ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44]، وقد أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث الذي مضى في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) يعني: السنة. ثالثًا: إذا لم يجد التفسير في السنة رجع إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم لأنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائن وأحوال نزوله، ولما تميزوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ولا شك أن هناك من الصحابة: عبد الله بن عباس، عبد الله بن مسعود، أبي بن كعب، علي بن أبي طالب، الخلفاء الأربعة، وكثير وكثير من صحابة رسول اللهصلى الله عليه وسلم عندهم من الأقوال، وعندهم من تفسير الآيات ثروة كبيرة، وكلها معروفة مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستفادة من حياتهم؛ لأنهم عاصروا نزول القرآن، وعايشوا ملابساته. رابعًا: فإذا لم يجد المفسر التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا في أقوال الصحابة؛ فإنه بوسعه أن يرجع إلى أقوال التابعين؛ فقد رجع كثير من الأئمة إلى أقوال التابعين -كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، والحسن البصري، وغيرهم من الأئمة الذين كانوا أسس التفسير وأعمدته الأولى بعد أو في عصر الصحابة؛ مدرسة الإمام ابن عباس بمكة، ومدرسة الإمام عبد الله بن مسعود في الكوفة، ومدرسة الإمام أبي بن كعب في المدينة، وغيرهم من المدارس التي ضمت عددًا وصفوةً من خيار التابعين، وكان لهم أثر كبير في التفسير؛ فإذا عجز المفسر عن هذا، ولم يجد لا في القرآن ولا سنة ولا أقوال الصحابة ولا أقوال التابعين، ولم يجد فبإمكانه أن يجتهد، ويستعمل رأيه وعقله، مستندًا إلى القواعد والشروط التي يجب توافرها فيه، وأن يكون تفسيره قائمًا على أساس قواعد الشرع الصحيحة وأصول اللغة العربية الفصيحة أيضًا. خامسًا: لا بد أن يهتم المفسر بمطابقة التفسير لِلْمُفَسَّرِ من غير زيادة لا يتطلبُها المقام، ولا نقصٍ يخل بالمعنى وتوضيح الكلام. سادسًا: لا بد من مراعاة المعنى الحقيقي، وتقديمه على المعنى المجازي، وحمل الكلام على ما يقتضيه المقام. سابعًا: لا بد من مراعاة التآلف والترابط بين الآيات، وربط السابق باللاحق، ومراعاة الغرض الذي سيق له الكلام، والمقصد الذي ترمي إليه الآيات من غير فصلٍ بين الكلمات وبين الآيات. ثامنًا: على المفسر أن يرجع إلى أسباب النزول، وخاصة الصحيحة قبل الشروع في تفسير الآية، وأن يتعرف على سبب النزول؛ لأن في ما يتعلق بأسباب النزول نرى كثيرًا من المفسرين أو من كتب التفسير جمعت كثرةً من الأسباب، ربما في آياتٍ يريدون عدة أسباب، ولا يصح في الآية إلا سبب واحد، فعند ذلك ينبغي على المفسر أن يتحرى وأن يبحث عن السبب الصحيح، وأن يجعله أمامه، وأن يرجع إليه في تفسير الآية، ثم يذكر ما صح من ذلك بعد ذكر المناسبة، والربط، أو قبل ذكر المناسبة إن توقف فهم المعنى والربط على سبب النزول. طبعًا الأئمة فيما يتعلق بتقديم سبب النزول أو المناسبة لهم في ذلك كلام؛ يقول العلامة الزركشي: واعلم أنه قد جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول، ووقع البحث؛ أيما أولى البداءة به؛ بتقديم السبب على المسبب أو بالمناسبة المصححة لنظم الكلام وهي سابقة على النزول؟ والتحقيق بين أن يكون وجه المناسبة متوقفًا على سبب النزول كالآية {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا} [النساء: 58]، فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب؛ لأنه حينئذٍ ينبغي بتقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة، هذه أمور لا بد من مراعاتها. تاسعًا على المفسر أن يبين معاني المفردات واشتقاقها وإعرابها، وما يتعلق بها من البلاغة والبيان، ثم يختم بذكر المعنى العام وذكر ما ترشد إليه الآيات من هدايات، وما يؤخذ منها من أحكام واستنباطات؛ لأن ذلك كله من هدايات القرآن الكريم التي ينبغي أن نوضحها وأن نبينها؛ حتى يكون التفسير كاملًا يؤدي غرضه بإصلاح الناس أجمعين. عاشرًا: يجب على المفسر أن يتجنب الخوض فيما استأثر الله تعالى بعلمه من أمور الغيب والمتشابهات، وفي ما أجمله القرآن، أو طوى ذكره في القصص القرآني ولم يرد على التفصيل فيه دليل؛ لا داعي أن يخوض المفسر ويتقعر ويبحث عن أشياء أجملها أو أبهمها أو ترك ذكرها القرآن الكريم، فالبحث وراء ذلك قليل الجدوى. الحادي عشر: أن يتجنب الدخيل والموضوعات والإسرائيليات التي ترد في تفسير الآيات، عليه أن يعرف ذلك وأن يتجنبه؛ لأن الأحاديث الموضوعة كثيرة، والإسرائيليات، وما يسمى بالدخيل في التفسير بأنواعه -دخيل النقل، ودخيل الرأي- بأنواع هذا وذاك، كل هذه الأشياء التي لا تصح تعتبر حاجبًا وحاجزًا تمنع أنوار القرآن وهدايته عن القلوب، وربما تصرف الناس عن التدبر والاعتبار في الآيات القرآنية. الثاني عشر: رعاية قانون الترجيح بين الأقوال والآراء، فالذي يشتغل بالتفسير لا بد أن يكون لديه المقدرة على الترجيح بين الأقوال والآراء عند تعددها أو عند احتمال الآية لأكثر من معنى، وهذا القانون ذكره علماء التفسير، وله قاعدة ثابتة نذكرها الآن. 2. قانون الترجيح عند احتمال النص أو التعارض: تفسير القرآن الكريم يتطلب فطنةً وذكاءً، واستخراج المعاني واستنباط الأحكام يحتاج إلى الفقه الواعي والصفاء -صفاء الذهن- بيد أن بعض الآيات تحتمل أكثر من معنًى، أو يرد في شرحها أكثر من رأيٍ، وعند ذلك يجب على المفسر أن يدرس ذلك بعناية، وأن يرجح ما يراه راجحًا -حسب قانون الترجيح الذي اصطلح عليه جمهور المفسرين. هذا القانون اعتنى به العلماء؛ ذكره العلامة الإمام الزركشي، ونقله عنه الإمام السيوطي، وتناقله علماء التفسير من بعدهما، يقول العلامة الزركشي في هذا القانون -قانون الترجيح؛ إذا كان اللفظ يحتمل معاني عدة، أو للعلماء فيه آراء كثيرة- يقول: كل لفظ احتمل معنيينِ فصاعدًا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الدلائل والشواهد دون مجرد الرأي؛ فإن كان أحد المعنيين أظهر وأوضح وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد هو الخفي، وإن استويا والاستعمال فيهما حقيقة، لكن في أحدهما -يعني: هذا الاستعمال في أحدهما- حقيقية لغوية أو عرفية، وفي الآخر -احتمال الآخر- حقيقية شرعية، فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على إرادة الحقيقية اللغوية، كما في قوله تعالى: {وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ} [التوبة: 103]، فهذا الإرادة اللغوية هي المرادة. وإن كان في أحدهما الحقيقة عرفية وفي الآخر الحقيقية لغوية، فالحمل على العرفية أولى؛ فإن اتفقا في ذلك أيضًا فَإِنْ تنافي اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما من اللفظ الواحد -كالقرء- يطلق على الحيض وعلى الطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو مراد الله في حقه، وإن لم يظهر له شيء؛ فهل يتخير في الحمل على أيهما شاء، أو يَأْخُذُ بالأغلظ حكمًا أو بالأخف حكمًا؟ أقوال للعلماء. وأن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة، إلا إِنْ دل دليل على إرادة أحدهما. انتهى كلام العلامة الزركشي في (البرهان في علوم القرآن).

error: النص محمي !!