Top
Image Alt

المنهج الذي انتهجه علماؤنا العرب

  /  المنهج الذي انتهجه علماؤنا العرب

المنهج الذي انتهجه علماؤنا العرب

موقع العرب من هذه المناهج:

لقد أخذت بعضُ المآخذ على المنهج الذي سلكه علماء العربية في ملاحظاتهم لظواهر العربية، ولكن كانت الإشادة بما انتهجوه أكثرَ وأبلغَ، لقد كان منهج العرب في البداية منهجًا وصفيًّا كما يرى العلم الحديث، وبخاصة في جانب الدراسة الصوتية، حيث استطاع علماء العربية الأول -وعلى رأسهم الخليل وسيبويه- اكتشاف النظام الصوتي للغة العربية عن طريق الملاحظة القوية، والتذوق الدقيق، والتجربة الصادقة، وخلصوا إلى نتائج أقرها العلم الحديث بما أوتي من أجهزة وإمكانات، حتى قال العالم الألماني “برجستراسر” معترفًا بفضل العرب في مجال الصوت: لم يسبق الغربيين في هذا العلم إلا قومان؛ أهل الهند -يعني: البراهمة- والعرب.

وانتهج علماء العرب أيضًا هذا المنهج الوصفي في جمعهم للغة، واتسموا بدقة التحري في روايتها، ولكن قبل الانتقال إلى الحديث عن المنهج الذي اتبعوه في جمع اللغة، وتتمة للحديث عن النهج الذي انتهجوه في دراسة الأصوات، أقول: إن أسلوبَ العربي في هذا المجال الصوتي كان أسلوبًا صحيحًا يتمشَّى مع طبيعة المادة حين انتهجوا الملاحظة الذاتيةَ وابتعدوا عن التأويلات والافتراضات، وجُلُّ ما قاموا به من ذلك النوع يدخل فيما يسمى في العلم الحديث بـ”الفنولوجيا” أو علم وظائف الأصوات، حيث جاء هذا العمل مركزًا على الوحدات الصوتية من صوامت وحركات، ولم يهملوا المادة الحقيقية للأصوات، كما جاء نظام الكتابة في العربية نظامًا مثاليًّا، من حيث وضع رمز واحد مستقل لكل وحدة صوتية، فللباء رمز، وللتاء آخر، وللثاء ثالث، وهذا يتمشى مع أحدث منهج في التفكير الصوتي الذي يهدف فيما يهدف إلى تأسيس نظم كتابية للغات، خالية من الاضطراب والتعقيد.

ومن أهم مميزات هذه النظم: أن تكون على وفق المبدأ المشهور: “رمز مشهور لكل فونيم أو وحدة صوتية”، فهناك في اللغة العربية ثمانية وعشرون صوتًا صامتًا “Constants” وهناك بإيذائها ثمانية وعشرون رمزًا، خُصص كل رمز منها لصوت معين لا يتعداه، وقد اتبع هذا المبدأ نفسه بالنسبة للحركات “voles” فللفتحة رمز، وللكسرة رمز آخر، وللضمة رمز ثالث، ثلاثة أصوات وثلاثة رموز، وقد أشير إلى القِصر والطول في هذه الحركات الثلاث بتعديل بسيط في شكل الرموز، فجاءت رموز الحركات القصيرة على صورت مصغرة لرموز الحركات الطوال، فهذا النهج القويم قد خلص الكتابةَ العربية من الخلط والاضطراب الذي نلاحظه في أبجديات بعض اللغات، فهناك في اللغة الإنجليزية -مثلًا- يصور الصوت الانفجاري المهموس الذي يخرج من أقصَى الحنك “K” مرة بالرمز “K” كما في نحو: “Kill” وأخرى بالرمز “C” كما في مثل: “Cat”.

وكذلك يرسم الصوت الشفوي الأسناني الاحتكاكي المهموس “F” مرة بالرمز “F” وبالرمزين “ph” معًا مرة أخرى، مثل: “Fat” أو “philosophy”.

وهكذا يشير هذا الأسلوب العربي في وضع أبجديتهم إلى مَدَى إدراكهم لطبيعة الأصوات وخواصها، وإلى قدراتهم الفائقة على التمييز بينها، بالرغم مما بين بعضها من تشابه كبير كالتمييز بين السين والصاد، أو الثاء والزاي، حيث ينحصر الفرق في الترقيق والتفخيم بين السين والصاد، وفي الهمس والجهر بين الثاء والزاي، مع اتفاق كل صوتين من هذه الأصوات في بقية الخواص.

نعود إلى ما يتصل بجمع اللغة:

لقد انتهج العلماء العرب المنهج الوصفي في جمعهم للغة، واتسموا بدقة التحري في روايتها، حتى ليقول قائلهم معبرًا عن قاعدة مهمة في أصول الجمع اللغوي، وأخذ العينات من المتكلمين: إذا أردتَ أن تنتفع بالأعراب فاستلغهم.

لقد رحل القدماء إلى الصحراء متجشمين الصعاب والمخاطر، وشافهوا العربَ الخُلَّص الذين لم تفسد سليقتهم، ولم تتغير عربيتهم، ولم يختلطوا بغيرهم من أصحاب اللغات المجاورة، لقد حددوا القبائل والأماكنَ التي يحتج بلغة أبنائها، والتي لا يحتج بلغة أصحابها، وأخذوا اللغة عمن يوثق بلغتهم بالتلقي والمشافهة، والرواية الأمينة الصادقة، وبعد أن تمت عملية الجمع طبقوا أسسَ المنهج الوصفي بمفهومه الحديث، فأخذوا يحللون بنيةَ اللغة تحليلًا واقعيًّا، يلمحون الظاهرة ويتتبعونها في واقع العربية، فإذا ما كانت مستمرة مطردة فهي القاعدة، وهي جزء من النظام العام للعربية، وبذلك استطاعوا أن يكتشفوا النظام النحوي، والنظام الصوتي، والنظام الصرفي، والنظام الدلالي للغة. لقد استخدموا المنهج الوصفي بمنهجية كاملة، حتى قَرَّرَ بعضُهم -كما قلت-: إذا أردت أن تنتفع بالأعراب أو بالعرب فاستلغهم، أي: استمع إلى حديثهم، واجعلهم يتكلمون لغتهم على سجيتهم وطبيعتهم، واعْرِفْ كيف يتكلمون بعد ذلك، من هذا الواقع اللغوي البعيد عن التكلف والاصطناع.

إن هذه الطريقة على الرغم من إيجابيتها في الدراسة بما تحققه من السرعة وتوفير الجهد، إن الدراسات العملية للغة جعلت المحدثين يعدون المادةَ اللغوية التي يقوم عليها البحث اللغوي إعدادًا غيرَ طبيعي، وإنهم يعمدون إلى الكلام المصنوع فيقدمون أمثلة لغوية أو مادة لغوية يعدونها إعدادًا، ثم يطلبون من أشخاص التجربة نطقها، ثم يدرسون هذه الصور النطقية بعد تسجيلها بالأجهزة المعروفة، ومن خلال هذه الدراسة يستنبطون قواعدهم وأحكامهم. إن هذه الطريقة الحديثة على الرغم من إيجابيتها في الدراسة بما تحققه من السرعة وتوفير الجهد، غير دقيقة الدقة العملية المطلوبة، بناء على ما في الكلام المصنوع من مجانبة لتصوير الواقع اللغوي، فليس دائمًا يكون نطق أشخاص التجربة الذين يوضعون في جو نفسي غير عادي نطقًا طبيعيًّا، وإنما غالبًا ما يكون نطقًا متكلفًا، قد حرصَ فيه الأشخاص على تنميق نطقهم، وبذلك تكون النتائج التي اعتمدت على النوع أو على هذا النوع من المادة اللغوية المنطوقة، نتائج غير دقيقة.

ومن هنا فإن الدراسات اللغوية يعوزها هذه الدقة المطلوبة، وعلماء اللغة يبحثون عن البديل فيفضلون الاعتماد على الكلام التلقائي، وذلك بأن يقوم الباحث بتسجيل مادته اللغوية من الناطقين دون أن يعرفوا مقصده، ومن غير أن يدركوا في داخلهم أنهم يجيبون عن أسئلة معينة، وقد لجأ اللغويون إلى هذه الطريقة على الرغم مما تتطلبه من وقت وجهد؛ لأن نتائجها غالبًا ما تكون صادقةً بدرجةٍ كبيرة. وقد أدرك القدماء في دراستهم للعربية أهميةَ هذا الأمر، فاعتمدوا بإدراكهم الدقيق، وفَهمهم العميق، ومنهجيتهم الصحيحة، على الأخذ عن الأعراب الخلص دون أن يسألوهم، أي: أنهم اعتمدوا على الكلام التلقائي، ولم يلجئوا لحظة واحدة إلى الكلام المصنوع، ولا إلى إخبار من أخذوا عنهم اللغة بمقاصدهم التي يدرسونها ويبحثون عنها، ومن ثم فإنك كثيرًا ما تجد في كتب القدماء ما يؤكد صدقَ هذا المنهج، حيث يقول الواحد منهم: “وسمعنا مَن يقول كذا، وأنشدني فلان كذا، والعرب تقول كذا، وهذا ليس من لغة العرب، ولم أسمع من العرب من يقول هذا… إلى آخر هذه العبارات.

بهذا المنهج الوصفي الدقيق جمع اللغويون العربية، وصنفوا معاجمها، ووضعوا نحوها على غير مثال يُحتذَى، ومارسوا جميع الدراسات اللغوية من صرفية، وصوتية، وصرفية، وبلاغية، وغيرها.

كذلك أشاد المحدثون بعلماء العربية حين ربطوا بين الكلام ومقامه، وعلى رأس هؤلاء العلماء علماء البلاغة، وإن كان قد أخذوا عليهم مآخذ تتصل بفقدان وحدة المنهج، فظهر عندهم عدم التكامل المنهجي، فللأصوات منهج، وللصرف منهج، وللنحو منهج، وأخذ عليهم أيضًا تأثرهم بالفلسفة والمنطق، وبخاصة علماء اللغة المتأخرين في دراستهم للنحو والصرف، وذلك بعد ترجمة منطق “أرسطو” وآثار اليونان، فحل القياسُ محلَّ الوصف والاستقراء، وطارد التعليل والتأويل والافتراضُ الاستنباطَ والاستشهادَ، وظهر هذا جليًّا منذ القرن الرابع الهجري الذي كثرت فيه المناظرات والجدل وعلم الكلام، وما تلا هذا القرن.

أمثلة توضح تأثر النحاة بالفلسفة وعلم الكلام:

لقد كان علي بن عيسى الرماني نَحْويًّا متكلمًا من أصحاب الاعتزال، ووضع ابن جني كتابه (الخصائص) لبيان أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، وجعل عللَ النحويين أقربَ إلى علل المتكلمين، وقد ذكر في خصائصه في الجزء الأول منه بابًا ذكر فيه علل العربية الكلامية، متسائلًا: أكلامية هي أم فقهية؟

ورتب السيوطي كتابه (الاقتراح في أصول النحو) على نظام أصول الفقه، والمعروف: أن علم أصول النحو هو علمٌ يعرف به القياس وتركيبه وأقسامه من قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الطرد، إلى غير ذلك، على حد أصول الفقه، والمناسبة بينهما ظاهرة؛ لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول كما يقول الأنباري في كتابه (نزهة الألباء).

وإن أردت أمثلةً لتأثر هذا الصنف من الدراسة اللغوية بالفلسفة، فاقرأ حديثَ الزجاجي في كتابه (الإيضاح) عن العلة التي قَسَّمها إلى تعليمية وقياسية وجدلية ونظري، واقرأ حديثَ ابن جني عن العلل الأوائل، والثواني، والسوالف، وما يليها، وصلاتها بعلم الكلام الذي يقوم على الجدل والفلسفة، على غَرْو، فابن جني معتزلي الاعتقاد، فقيه حنفية، والمعروف تأثر علماء المعتزلة والأحناف بالفلسفة. واقرأ أيضًا حديثَهم واختلافهم في قضية العامل، حيث أرجَع بعضهم مواقع الكلمات في الجمل والتراكيب إلى عواملَ لفظية ومعنوية تظهر آثارها على الكلمات، وأرجعها بعضُهم للمتكلم، وأرجعها ابنُ مضاء الأندلسي في كتابه (الرد على النحاة) إلى الله  وإنما تنسب إلى الإنسان كما تنسب إليه سائر أفعاله الاختيارية.

واقرأ أيضًا حديثهم عما يقوم على العلل، وهو القياس، فهو يتكون من أصل وفرع وعلة وحكم، وقد ثار بعض العلماء على تلك الفلسفات، ومنهم “ابن مضاء” الأندلسي، الذي ألف كتابه (الرد على النحاة) وحَرَّمَ فيه الخَوْض في العلل والاجتهاد فيه، كما بَرِمَ بالعلل كل من الجاحظ، وابن سنان الخفاجي، ومَالَ المحدثون أيضًا إلى هذا الرأي، ورأوا أنها لا تفيد اللغة وغيرَ المختص فيها أي فائدة، ودعا بعضهم بدعوة “ابن مضاء” إلى إلغاء العوامل النحوية، ودعا آخرون إلى الأخذ بالمفيد منها في فَهم مدلول اللغة والمعنى الدقيق.

كما أخذ على علماء العربية أيضًا إهمالهم عاملَ الزمن، مما ترتب عليه إهمال مقارنة العربية بأخواتها الساميات، وترتب عليه أيضًا إغلاقُ باب البحث بعد عصر الاستشهاد، حيث حددوا فترةَ زمنية للاستشهاد بالشعر والنثر، مما حرَمَ العربية من الدراسة اللغوية التاريخية بخلاف الدراسات المتصلة بالأدب وفنونه.

error: النص محمي !!