Top
Image Alt

المنهج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

  /  المنهج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

المنهج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ننتقل إلى المنهج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعندما نطالع هذا العهد الكريم نجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم توجيهاتٍ سديدة في سبيل نقل سنته على نحوٍ من الضبط والحفظ والعدالة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه آنفًا: ((نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فربَّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيهٍِ)). فهذا أساس مكين بل أسس مكينة في نقل سنته صلى الله عليه وسلم وشَكلت المناهج التي اتبعت في أَخْذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أدائه، أو في روايته، فقد أشار هذا الحديثُ الشريف إلى الحفظ والضبط عندما يحمل أحدٌ سنتَه صلى الله عليه وسلم وأكد على هذا الحفظ والضبط، بحيث تؤدى السنة كما هي دون تحريف أو تبديلٍ، وفي روايةٍ لهذا الحديث: ((ثم أداها كما سمعها)).

ثم بين الحكمة في هذا النقل الذي به استمرارية السنة في الأمة، وهو الاستفادة منها والاستنباط من الأحكام وغيرها، فلن يعدم أن يكون المتلقي للسنة ذا وعي وذكاءٍ وخبرة، بحيث يستطيع الاستفادة والاستنباط منها، وهذا التوجيه الكريم كان له الأثر في منهجية المحدثين حيث حرصوا على أن يُتوافر في نقل الأحاديث الحفظ والضبط والإتقان لِمَا يحمل، وما يؤدَّى، وكذلك الصدق في النقل.

وقد حظي الصدق بحديثٍ آخر أشد إثارةً وتنبيهًا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذَبَ عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار)) واستفاد المحدثون كثيرًا من هذا، وذهبوا إلى أبعد مِن المعنى المتبادَر من الكذب المتعمد، ورفض روايات الكذَّاب، ذهبوا إلى أن الخطأ إنما هو نوع من أنواع الكذب، كما حذَّروا من نقل أحاديث الكاذبين؛ تطبيقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن حدَّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)).

قال الإمام مسلم قبل رواية هذا الحديث: ودلت السنة على نفي رواية المُنكر من الأخبار، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، كما أرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طريق نقل سنته، وهي أن تكون بالسماع منه، ثم بسماع بعضهم من بعض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تسمعون، ويُسمع منكم، ويُسمع مِمَّن يَسمع منكم)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغ الشاهدُ الغائبَ، رب مبلَّغ أوعَى من سامعٍ)).

ومن هنا نشأت رواية الأحاديث بالأسانيد، وكان أقوى وجوه تحمل الحديث هو السماعُ والأداء بصيغٍ تثبت هذا السماع، كقولهم: حدثنا وسمعت، وأمثال ذلك.

واتصال السند هو شرط من شروط الحديث الصحيح، يعني: في غالب الأمر أن كل راو من الرواة في سند الحديث قد التقَى بمن فوقه وأخذ منه الحديث سماعًا، أو قراءةً عليه، هذا ما هو متفق عليه. وانقطاع السند يعني: أن الراوي في سند الحديث لم يسمع ممن فوقه الحديث.

وهكذا لم ينته العهد النبوي حتى وضعت أسس توثيق السنة، ووضعت مناهج حفظها، وحمايتها، ونقلها لأجيال المسلمين جيلًا بعد جيلٍ، ويتمثل ذلك في التبين والتثبت في الأخبار، وتمييز الأخبار الصادقة من غيرِها، وقبول أخبار العادلين، وعدم قبول غيرهم، ويتمثل ذلك أيضًا في ضَبْط الأحاديث، ووعيها، وحفظها، وأدائها كما سُمعت عند تحملها وأخذها، ونقل الأحاديث بأسانيدها، واتصال رواة الأحاديث بعضهم ببعض، وتبليغ كل من يحمل سنةً إلى غيره كما أرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!