Top
Image Alt

(الموازنة بين الطائَّيين) للآمدي

  /  (الموازنة بين الطائَّيين) للآمدي

(الموازنة بين الطائَّيين) للآمدي

وأما الكتاب الثالث فهو كتاب (الموازنة بين الطائيين) للآمدي، ومؤلف الكتاب هو أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، ولد بالبصرة، ولما بلغ سن الشباب تركها متوجهًا إلى بغداد، فحضر مجالس العلم والأدب فيها، وحصَّل كثيرًا من علوم اللغة والنحو والأدب، حتى ظهر تفوقه وذاع صيته، وجمع إلى الثقافة العربية ألوانًا من الثقافة الأجنبية التي كانت الفلسفة أحد فروعها؛ وبذلك صار الآمدي صاحب ذوق مثقف، وملكة أدبية مدربة جعلته من أكبر نقاد الأدب في القرن الرابع الهجري.

وكتاب (الموازنة بين الطائيين) وضعه الآمدي في الموازنة بين شعر البحتري وشعر أبي تمام، وقد كانت هناك خصومة كبيرة وواسعة حول هذين الشاعرين، فكان للبحتري أنصار يفضلون شعره، ويذكرون أنه محافظ على طريقة العرب في الشعر، وأنه يمثّل عمود الشعر العربي، وكان في مقابل هؤلاء أنصار لأبي تمام يستحسنون مذهبه الجديد ويفضلونه على البحتري، وكان كل فريق يغضُّ من شأن الشاعر الذي يعتبرونه غير مفضل عندهم.

وحاول الآمدي في هذا الكتاب أن يقف موقفًا محايدًا، وأن يكون قاضيًا عادلًا، وأن يوازن موازنة فنية بين شعر كلٍّ منهما، فجاءت هذه الموازنة الموضوعية لتكون بمثابة الحكم العادل، من ناقد ناضج ومثقف.

أما منهج الآمدي في هذا الكتاب فقد سلك فيه عدَّة خطوات؛ درس من خلالها أبعاد الصراع الأدبي المحتدم بين أنصار البحتري وأنصار أبي تمام، وهذه الخطوات تتمثل فيما يلي:

بدأ الآمدي موازنته بتحقيق النصوص الشعرية التي نُسبت لكل من الشاعرين، وحاول أن يوثّقها ويتأكد من صحة نسبتها إلى كل منهما، مبينًا ما يمكن أن يكون فيها من اضطراب أو خطأ في الأوزان، ثم قام الآمدي باستعراض آراء النقاد في الشاعرين، وراح يردُّ آراء المتعصبين لهما.

ويناقش حجج كل فريق في تفضيل صاحبه، فيتوصل إلى أن من يفضلون أبا تمام ويناصرونه ويتعصبون له، يفضلونه لأنه أسبق زمنًا والبحتري تلاه وأخذ عنه.

ولأن جيده خير من جيد البحتري، ولأن جيد أبي تمام كثير كما أنه تفرد بمذهب شعري جديد اخترعه وصار إمامًا فيه، وهو مذهب الصنعة، ولأن أبا تمام جمع بين الشعر والعلم.

أما أنصار البحتري فإنهم يفضلونه؛ لأنه في اعتقادهم لم يأخذ من أبي تمام شيئًا، ويذهبون إلى أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف وشعر البحتري شديد الاستواء، وأن أبا تمام لم يكن مبتدعًا في مذهبه.

وإنما كان مسبوقًا وهو مذهب البديع، فقد سبقه إليه مسلم بن الوليد، وأما عن الجمع بين الشعر والعلم وهو ما قيل: إنه ميزة لأبي تمام عند من يناصرونه، فإن أنصار البحتري يقولون: هذا ليس بفضيلة؛ لأن شعر العلماء دون شعر الشعراء، أي: أقل منه جودة.

فالكُتاب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة يفضلون البحتري؛ لصحة عباراته، ووضوح معانيه، وحسن تخلصه، ووضعه الكلام في موضعه، أما أنصار أبي تمام فيفضلونه؛ لأنه أسبق زمنًا، ولأنه مخترع -كما يقولون- مذهب البديع، ولأنه جمع من المعاني العميقة ما لم يجتمع في شعر البحتري، وأصحاب الفلسفة والفكر هم الذين يفضلون شعر أبي تمام.

ثم عرض الآمدي في كتابه للسرقات الأدبية عند الشاعرين، فذكر سرقات أبي تمام وردَّها إلى أصولها، ووقف في كثير منها إلى جانبه مبينًا خطأ من اتهمه بالسرقة فيها؛ لأنها من المعاني العامة والمشتركة بين الناس، ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان سرقات البحتري.

فإذا فرغ من ذلك قام بدراسة أخطاء أبي تمام، التي رآها تنحصر في الألفاظ والمعاني، والإسراف في استعمال البديع، وكثرة الزحافات، واضطراب بعض الأوزان.

أما أخطاء البحتري فلم يقف عندها طويلًا؛ لأنها أقل من أخطاء أبي تمام الذي خرج عن المنهج العربي، المتمثل في عمود الشعر الذي التزمه البحتري، وتمسك به.

ويختم الآمدي حديثه في هذا الصراع باستعراض محاسن كلٍّ من الشاعرين، متوخيًا في ذلك الإنصاف والعدالة.

 فيقول: “وأنا أبتدئ بذكر مساوئ هذين الشاعرين؛ لأختم بذكر محاسنهما، وأذكر طرفًا من سرقات أبي تمام وإحالته، وغلطه، وساقط شعره، ومساوئ البحتري في أخذ ما أخذه من معاني أبي تمام، وغير ذلك من غلطه في بعض المعاني”.

ثم يقوم الآمدي بإجراء موازنة بين الشاعرين، يتناول فيها أشعارهما معنًى معنًى ولفظًا لفظًا.

ولا يقنع في هذه الموازنة بالأحكام العامة ولا بالنظرة الكلية، بل يوازن بين القصيدتين، أو بين المعاني الجزئية الموجودة في أبيات القصيدة؛ حتى يتمكن من تحديد مواطن الاختلاف بين الشاعرين.

ويقول: “ولست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر تفضيلًا مطلقًا، ولكني أقارن بين قصيدتين من شعرهما إذا اتفقتا في الوزن والقافية، وبين معنى ومعنى، فأقول: أيهما أشعر في تلك القصيدة أو في ذلك المعنى، ثم احكم أنت”.

ومن أهم القضايا النقدية التي تضمنها كتاب الآمدي (الموازنة بين الطائيين): أن الناقد المتخصص هو صاحب الحكم وحده على الشعر.

فالآمدي يدعو إلى مبدأ التخصص، ويذكر أن كل صناعة لها أهل هم الأقدر على الفهم فيها، والحكم بمقتضى مقاييسها.

وحدد الآمدي رأيه في صنعة الشعر، عندما قال: “وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام.

ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه والمستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير نافرة؛ فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف”.

ومن أهم القضايا التي وردت في هذا الكتاب أيضًا: قضية الاهتمام بالأسلوب الشعري، وإيثار المطبوع من الشعر على المصنوع.

وإلى الأسلوب المعتدل يشير بقوله: “عليك أن تجتنب السوقي والوَحْشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني، وفي الاقتصاد بلاغ”.

من ذلك أيضًا: احتكام الآمدي في نقده إلى عمود الشعر العربي؛ إذ دعا إلى تحكيم طريقة العرب في الشعر، ومضى على ذلك في موازنته بين البحتري وأبي تمام في الألفاظ والمعاني.

ومن أهم ما تميز به الآمدي في هذا الكتاب:

الإنصاف والحياد، وإن كان هذا الإنصاف لم يمنعه من أن يذكر رأيه في تفضيل أحد الشاعرين على الآخر، عندما يرى في ذوقه مبررًا لهذا التفضيل، ويمتاز الكتاب بالدقة والطريقة التطبيقية المفصّلة؛ وهو بسبب ذلك كله من أهم كتب النقد الأدبي في العصر العباسي.

error: النص محمي !!