Top
Image Alt

الموازنة بين نموذج ونموذج آخر من الشعر

  /  الموازنة بين نموذج ونموذج آخر من الشعر

الموازنة بين نموذج ونموذج آخر من الشعر

والنموذج الذي سقناه أو الرواية التي مرت عن الحكومة بين امرئ القيس وعلقمة الفحل رواية وردت في الموازنة بين نموذج ونموذج، وهي موازنة استوفت أركان الموازنة الصحيحة؛ حيث اشترطت هذه المرأة أن يقول كلٌّ منهما قصيدة في موضوع واحد، وذات روي واحد، ومن بحر واحد.

والموازنات التي ذُكرت في حكومة النابغة بين الأعشى والخنساء وحسان بن ثابت هي موازنة، لكنها موازنة عامة ليست بين قصائد متحدة في الموضوع، ولا متحدة في الروي، ولا متحدة في البحر.

والحكومة التي وردت عن ربيعة بن حذار أيضًا فيها موازنة بين أشعار عامة لشعراء مختلفين، فكل هذه الألوان من النقد كانت فيها الموازنات على اختلاف في النمط الذي اتخذته الموازنة.

وقد نمت الموازنة الشعرية نموًّا مطردًا فيما تلا العصر الجاهلي من عصور، حتى وجدنا مؤلفات تخلص لهذا النوع من النقد، وتقتصر على الموازنات، ومن أشهر هذه الكتب (الموازنة بين أبي تمام والبحتري)، وذلك يدلنا على أن الخطوات الأولى التي وردت روايات عنها من النقد الجاهلي، أفادت في المراحل المتأخرة في تاريخ النقد العربي، وكانت لبنات مهمة بنى عليها النقاد اللاحقون.

الاتجاه الثالث الذي سار فيه النقد الجاهلي، هو ما يسمى بالتناسق في النغم:

وهذا الاتجاه معنيّ كغيره من الاتجاهات السابقة بالشعر الجاهلي أيضًا، ومعلوم أن النغم ألزم للشعر وألصق به من النثر؛ لأن الشعر يتألف من الوزن والقافية، فالقصيدة تجري على وزن واحد، وتلتزم قافية متحدة في حرفها الأخير، والشعر الجاهلي سار على هذا النظام من وحدة الوزن والقافية، ومثّلت القافية مع الوزن وسيلة من وسائل التعبير، ووسائل الجمال الذي يسيطر على المشاعر والأحاسيس في الشعر الجاهلي.

وحديثهم عن التناسق في النغم نجده مبكرًا، حينما يتحدثون عن قصائد اضطرب فيها الوزن اضطرابًا شديدًا؛ فقد تحدثوا عن عبيد بن الأبرص، وهو شاعر جاهلي قديم، ذكر ابن سلام عنه أنه: قديم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، وذكروا له قصيدته التي مطلعها:

أقفر من أهله ملحوب

*فالقطبيات فالذنوب

والنقاد يقولون: إن هذه القصيدة مضطربة الوزن، وغير متناسقة في النغم، ويمكن أن تكون الرواية هي سبب اضطراب هذه القصيدة، لكن كلامهم عن اضطراب الوزن في هذه القصيدة يأتي في مجال اهتمامهم بالتناسق النغمي.

ومن هذا أيضًا وقوف النقد الجاهلي عند بعض عيوب القافية، فقد ذكرت الروايات أن الجاهليين لما سمعوا النابغة الذبياني ينشد قصيدته التي مطلعها:

من آل مية رائح، أو مغتدي

*عجلان ذا زاد، وغير مزودِ

وقال بعد هذا البيت:

زعم البوارح أن رحلتنا غدا

*وبذاك خبرنا الغُدَاف الأسودُ
 

أخذوا عليه اختلاف رَوِيّ البيت الثاني عن البيت الأول؛ لأن البيت الأول ينتهي بالدال المكسورة، والبيت الثاني ينتهي بدال مضمومة، وهذا العيب يسمى الإقواء، وهو من عيوب القافية، والرواية تقول: إنهم لما سمعوا ذلك عابوه عليه، وأسمعوه بعض الجواري يغنين البيتين؛ ليتنبه إلى ما فيه من عيب في القافية، فلم يعد النابغة إلى هذا الإقواء بعد ذلك.

وقد رُويت رواية تذكر أنهم عابوا على بشر بن أبي خازم هذا العيب في القافية أيضًا؛ فقد ورد في (العمدة) عن ابن قتيبة: ومن عيوب الشعر: الإقواء والإكفاء، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الإقواء: اختلاف الإعراب في القوافي، وذلك أن تكون قافية مرفوعة وأخرى مجرورة، كقول النابغة:

قالت بنو عامر: خالوا بني أسد
 
*يا بؤس للدهر ضرّارًا لأقوام

تبدو كواكبه والشمس طالعة

*لا النور نور، ولا الإظلام إظلام

وهكذا يذكر للنابغة موضعان للإقواء في شعره، والبيتان الأخيران رُويا لبشر بن أبي خازم، وعيب عليه الإقواء فيهما.

وإذا كان الكلام عن عيب الإقواء في القافية -والذي أخذ على النابغة كما تقول الرواية- يدل على اهتمام العرب في الجاهلية بمسألة التناسق في النغم، فإن الكلام عن قصيدة عبيد بن الأبرص: “أقفر من أهله ملحوب” يأخذنا إلى الكلام عن طفولة الشعر الجاهلي؛ لأن عبيد بن الأبرص هذا شاعر قديم، فهل كان العرب في طفولة الشعر لا يهتمون بمسألة التناسق النغمي؛ ولذلك قبلوا قصيدة عبيد على ما فيها من اضطراب في الوزن؛ لأنهم يروون أن أبا العلاء المعري أشار إلى ذلك في قوله:

وقد يخطئ الرأي امرؤ وهو حازم

*كما اختل في وزن القريض عبيد

فكأنما كان عبيد مشتهرًا باختلال النظم؟

وبين هذا الأمر، وهو قبول الذوق الجاهلي لقصيدة عبيد المضطربة الوزن، ورفضه لوقوع النابغة في خطأ من أخطاء القافية وهو الإقواء، نجد أنفسنا كما يذكر أستاذنا الدكتور عبد الرحمن عثمان -عليه رحمة الله- فيقول: “ولم نجد عربيًّا في الجاهلية أنكر على شعر عبيد عدم استوائه على لحن واحد، وخروجه على ما يقتضيه النسق المطّرد في انسجام النغمة، وتوافق النبرة، فهل كان ذلك حقًّا -كما يقول الجاحظ وغيره- أثرًا من آثار طفولة الشعر العربي، بحيث لم تحدث نبوة في أذن الجاهلي، الذي لم يتح له بعدُ أن يميز بين تآلف الأنغام واضطرابها؟

وانقطاع الرواية فيما يتصل بهذا الشأن يحجزنا عن مناقشة هذا الموضوع”، فالرواية وانقطاعها تمثل مشكلة في تاريخ النقد الجاهلي، كما تمثل مشكلة في تاريخ الشعر والأدب الجاهلي أيضًا.

يقول الدكتور عبد الرحمن: “وحسبنا أن نشير أن عبيد بن الأبرص كان ثالث ثلاثة سلكوا بالشعر سبيلًا، لم يكن له عهد بها من قبل، فلماذا وقع الاضطراب في شعره وحده، ولم تقع منه نماذج مماثلة لشعر زميليه: المهلهل بن ربيعة وامرئ القيس الكندي؟! فهل لعبت الرواية في اضطراب شعر عبيد دورًا، لم تلعبه في شعر امرئ القيس وشعر المهلهل بن ربيعة؟ أم أن الجاهليين في الفترة التي يسمونها طفولة الشعر العربي، كانوا يمكن أن يتسامحوا في مسألة التناسق النغمي على نحو لم يفعلوه بعد ذلك في عهد النابغة مثلًا، مع أن العهدين أيضًا لا تفصل بينهما مدة زمنية بعيدة، فهي عشرات السنين؟” أي: لا يعدو الفرق أن يكون عشرات، وليس مئات من السنين.

يقول الدكتور عبد الرحمن عثمان: “والذي يمكن أن نستخلصه من هذين الأمرين أن الجاهليين لم يفطنوا إلى اضطراب الوزن الشعري عند الشاعر عبيد، وقد كان فيهم أمثال مهلهل وامرئ القيس، وكان قد سبقهم إلى ارتياد هذا الفن الموسيقي كثيرون وكثيرون من الشعراء، فزهير يقول:

ما أرانا أن نقول إلا معارًا
 
*أو معادًا من لفظنا مكرورا”
.

ويضيف: وقد لا يكون في قوله ذلك حجة لنا؛ لأنه قصر المعار والمعاد على الألفاظ التي قد لا تنهض وحدها بتحديد ما نفهمه من لغة الشعر، ولكن عنترة العبسي يختار مطلعًا لمعلقته؛ ليقرر به حقيقة لا ينكرها جاهلي على عصره؛ يقول عنترة:

هل غادر الشعراء من متردم؟
 
*أم هل عرفت الدار بعد توهم؟

ومعنى بيت عنترة: أن الشعراء السابقين لم يتركوا للاحقين، يقصد عنترة نفسه ومن معه في عصره؛ وهي: أن السابقين عليهم لم يتركوا لهم شيئًا يمكن إصلاحه في طريق الشعر إلا وقد فعلوه، فلم يترك السابقون للاحقين شيئًا، وعنترة في هذا المطلع لم يدع قولًا لقائل من أن الجاهليين كانوا سذجًا في فهم لغة الشعر، تلك اللغة التي يتميز بها عن النثر لا من جهة ما تجري عليه من اتفاق النغم في الوزن والقافية فحسب، وإنما بسبب ما يكمن في هذه اللغة الشاعرة من سحر يأسر النفوس ويملك الوجدان.

فهل نستطيع أن نؤكد بعد هذين المثالين من شعر الجاهلية -مثال عنترة ومثال زهير- أن العرب حينذاك لم يكن لديهم الاستعداد النفسي لتلقّي لغة الشعر، التي تعتمد على اضطراب الوزن واتحاد القافية في القصيدة الواحدة؟ فإذا كان من فهمهم للقصيدة أن تصاغ على أكثر من بحر شعري كما جاءت به قصيدة عبيد بن الأبرص، وإذا كان من فهمهم كذلك لقصيدة أن تلتزم قافية واحدة كما عابوا على شعر النابغة، فالموغلون إذًا في الجاهلية يُسيغون الاضطراب في الوزن الشعري، والجاهليون من بعدهم -وليس بينهم وبين أسلافهم إلا بضع عشرات من السنين- لا يسيغون أن تختلف القافية في القصيدة الواحدة، أليس معنى هذا أن الذين أنكروا على النابغة أن يقوي في شعره هم الجاهليون الذين فهموا لغة الشعر، بما تشتمل عليه من موسيقى في الوزن والقافية؟

وإذا لم يكن الأمر كما قررنا، فمن هؤلاء الذين كانوا ينشدهم عنترة قوله: “هل غادر الشعراء من متردم؟”؟ إن عنترة أنشد قصيدته التي لم يضطرب وزنها كما اضطرب الوزن في قصيدة عبيد، ولم يعب قافيتها إقواء كما عابوا على النابغة في داليته، ألا يصلح ذلك دليلًا على أن الجاهليين كانوا يفهمون من مدلول الشعر اتساقه في النغم وزنًا وقافية؟! إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نعلل التزام الشاعر عنترة في معلقته الوزن والقافية؟!

وشيء آخر يمكن أن يقال، فقد اختار الجاهليون النابغة ناقدًا لشعرائهم في عكاظ، وهذا الاختيار يؤكد أنه بلغ في الشعر مرتبة جمعت إلى الموهبة ثقافة الذوق الذي يستشرفون إليه؛ لأنه كان يختلف إلى المناذرة والغساسنة في الحيرة والشام، فبعد هذا كله يختلّ شعره بهذا العيب الذي يفطن إليه أهل المدينة، فيلفتون الشاعر إلى الإقواء على لسان مغنية غنّت أمامه بهذا الشعر المعيب؟ وحينئذٍ فقط يتنبه النابغة، وهو المطبوع على موسيقى الشعر إلى أنه قد خالف بين القافية، فلم يعد إلى الإقواء مرة أخرى.

وعلامات التعجب وعلامات الحيرة، ومبررات الشك تلوح في هذا الكلام حول بعض الروايات التي وردت عن النقد الجاهلي في مجال تناسق النغم، والرواية مشكلة بالنسبة للنقد، وبالنسبة للأدب الجاهلي عمومًا، وحسبنا أن في هذه الروايات إشارات إن لم تكن كلها صحيحة، فإنه يمكن أن يكون بعضها صحيحًا، وتلقي الضوء على طبيعة الجاهليين في تعاملهم مع الشعر واهتمامهم به، ومحاولتهم الوصول به إلى مراقي الكمال، والتدرج به في مدارج النضج، حتى أتت العصور التالية للعصر الجاهلي فأضافت إلى هذا الخطوات، وعمقتها حتى وجدنا للنقد العربي مجرى واسعًا وعميقًا في العصر الأموي والعصر العباسي، ابتدأ هذا المجرى في العصر الأموي، وكان ذلك كله -بناء على هذه الاتجاهات التي وُجدت في العصر الجاهلي- يمثل بدايات هذا الفن، والبدايات في كل فن وفي كل علم لا بد أن يكتنفها شيء من هذا الغموض الذي أشار إليه الدارسون، والذي يكتنف المذهب النقدي في العصر الجاهلي؛ ومع هذا الغموض فإن الاتجاه النقدي يمثل الجلال في الفن الشعري على نسق مؤتلف من السليقة، والذوق المطبوع.

وإذا كانت النصوص النقدية شحيحة أو مضطربة، فإن تمييزها يحتاج إلى وعي ومثابرة، وعلى مقدار هذين تتحقق المتعة الفنية في ظل هذا الأدب الجليل.

هكذا يرى الدكتور عبد الرحمن عثمان، معلقًا على الروايات التي وردت فيما يتعلق بنقد القافية، أو ما يتعلق بالتناسق النغمي في القصيدة الجاهلية، وما يكتنف هذا الاتجاه من الغموض الناتج عن اضطراب الروايات، وتظل الروايات في حاجة إلى تمحيص وإلى دأب في دراستها، وتظل هذه الروايات دالة على الخطوات الأولى في تاريخ هذا الفن؛ أي: فن النقد الأدبي، وهذه البدايات تتمثل في هذه الخطوات التي خطاها هذا الفن في العصر الجاهلي.

error: النص محمي !!