Top
Image Alt

المواساة بين الجيران من خلال السنة الشريفة, وأقوال العلماء

  /  المواساة بين الجيران من خلال السنة الشريفة, وأقوال العلماء

المواساة بين الجيران من خلال السنة الشريفة, وأقوال العلماء

لعلنا حين نستعرض بعض ما جاء في السنة المشرفة -وهو كثير بحمد الله- يتضح لنا المراد بهذا الإحسان الذي ذكرته آية “النساء”, ومن هذه الأحاديث الشريفة نستطيع أن نعرف كيف يكون التغاضي عن الجار, وكيف تكون المواساة بين الجيران.

يروي الإمام البخاري, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يمنع جارٌ جارَهُ أن يغرس خشبة في جداره)), ثم يقول أبو هريرة: “ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم”.

وهذا الحديث يعني: أن الجار عليه ألا يمنع جاره أن يغرس خشبة في جداره؛ فلعل هذه الخشبة يقيم عليها شيئًا أو يعلّق عليها شيئًا، أو أن يعرش عليها شيئًا، فهي لا تؤثر في حائط جاره، وليس فيها من ضرر، فحق الجوار يقتضي أن يأذن له في ذلك، وألا يمنعه من هذا الذي يصنع.

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علّمه الله القرآن, فهو يتلوه آناء وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أُوتيتُ مثلما أوتي فلان، فعملتُ مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثلما يعمل)).

هكذا يكون الحال بين الجيران في أن الجار يحاول أن يقتدي بجاره في الخير، فهذا الرجل الذي علمه الله القرآن, فهو يتلو هذا القرآن آناء الليل وآناء النهار، وجاره يتمنى أن يكون كذلك. وأيضًا هذا جار يرى جاره ينفق في سبيل الله وفي سبيل الحق وفي سبيل نصرة الحق ما ينفق من مال كثير؛ فيتمنى أن يكون كذلك؛ هكذا يكون ما بين الجيران.

ويروي الإمام النسائي, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوّذوا بالله من جار السوء في دار المقام؛ فإن جار البادية يتحول عنك)) جار البادية هذا: الذي يكون في البادية, ويقيم في خيمة وينتقل من مكان إلى مكان فأمره سهل، لكن الجار الذي يكون بجوارك أقام له بيتًا وأنت بجواره في بيتك, هذا جوار مستمرّ مستقرّ قد يمتد إلى أجيال فيما بين الأبناء والأحفاد. فإذا كان الجوار جوار سوء كان فيه من المشاكل والآلام والأحداث ما ينغّص الحياة، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونصح المسلمين أن يستعيذوا بالله من جار السوء.

ويروي أحمد بسنده, عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، قالوا: ومن ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه، قيل: وما بوائقه؟ قال: شره)). فانظر كيف نفى الإيمان المرة تلو المرة عن هذا الإنسان، الذي يجعل جاره في حال من الخوف من شره. ومعنى نفي الإيمان: أنه إيمان ناقص، وليس معناه: أنه خرج من الإسلام ومن الإيمان، فمن الذي يقبل أن يصل به الحال إلى أن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله يؤمن…)).

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة: في سبيل الله، وابن السبيل، ورجل كان له جار فتصدق عليه فأهدى له)), وهذا معناه: أن على الجار أن ينظر إلى حال جاره ليتصدق عليه، وليقدم له ما يستطيع من ألوان الهدية التي تجمع بين القلوب.

ويروي الإمام أحمد عن سلمة بن سلامة بن وقش -وكان من أصحاب بدر- قال: “كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل -قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا، علي بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي- فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان, لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به لودّ أن له بحظّه من تلك النار أعظم تنُّور في الدنيا، يحمونه ثم يدخلونه إياها، فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النار غدًا، قالوا له: ويحك! وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًّا فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار, حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو -أي: هذا اليهودي- حي بين أظهرنا، فآمنّا به وكفرَ به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى, وليس به”.

في هذا الحديث الشريف نرى أن هذا الجار من اليهود في بني عبد الأشهل, كان يعرف أن محمدًا قد قرُب زمانه، هكذا قرأ في التوراة كما قال تعالى: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] إلى آخر الآية الكريمة، فهذا جار جاء إلى جيرانه أخذ ينصحهم, ولكن حسده غلب عليه، فلم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

يروي الإمام أحمد عن مطرف بن عبد الله قال: “بلغني عن أبي ذر حديثه، فكنت أحب أن ألقاه فلقيتُهُ, فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث, فكنت أحب أن ألقاك فأسألك عنه، فقال: قد لقيتَ فاسأل، قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ثلاثة يحبهم الله عز وجل، وثلاثة يبغضهم الله عز وجل)) قال: نعم، قال: فما خالني أن أكذب على خليلي محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثًا يقولها، قال: قلت: من الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل؟ قال: رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدو مجاهدًا محتسبًا, فقاتل حتى قُتل, وأنتم تجدون في كتاب الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف: 4]، ورجل له جار يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه, حتى يكفيه الله إياه بموت أو حياة، ورجل يكون مع قوم فيسيرون حتى يشق عليهم الكرى أو النعاس، فينزلون في آخر الليل فيقوم إلى وضوئه وإلى صلاته. قال: قلت: من الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور} [لقمان: 18]، والبخيل المنان، والتاجر والبياع الحلاف -أي: الذي يُكثر من الحلف”.

فهذا الحديث فيه ما نرى من هؤلاء الثلاثة، وهذا الرجل الذي له جار يؤذيه, فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يكفيه الله إياه بموت أو حياة. فما أعظم هذه الأخلاق التي نصحنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أيضًا، نستطيع أن نلتقط من كنوز السنة المشرفة, من خلال ما ذكره صاحب (الترغيب والترهيب) في قوله: “الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه”، حيث يذكر لنا عدة أحاديث؛ منها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت))، وفي رواية لمسلم: ((ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليحسن إلى جاره)).

ففي هذا الحديث: إكرام الضيف والإحسان إلى الجار من علامات إيمان المؤمن، فمن علامات إيمان المؤمن أن يمنع الأذية عن جيرانه.

وأيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا ر سول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)) وبوائقه هي شره، وفي رواية لمسلم: ((لا يدخل الجنةَ من لا يؤمن جارُهُ بوائقه)).

وعن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: يا رسول الله، لقد خاب وخسر، من هذا؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه؟ قال: شره)).

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره -أو قال: لأخيه- ما يحب لنفسه)) رواه مسلم.

وروي عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: ((أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله, إني نزلت في محلة بني فلان، وإن أشدهم إلي أذى أقربهم لي جوارًا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليًّا} يأتون المسجد, فيقومون على بابه فيصيحون: ألا إن أربعين دارًا جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه)).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه)).

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنةَ عبدٌ لا يأمن جاره بوائقه)).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل قسّم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيدي لا يسلم عبدٌ حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قلت: يا رسول الله، وما بوائقه؟ قال: غُشمه وظلمه، ولا يكسب مالًا من حرام فينفق منه فيبارك فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)).

وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ((جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، قال: اطرح متاعك على طريق، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لقيت من الناس، قال: وما لقيت منهم؟ قال: يلعنونني، قال: قد لعنك الله قبل الناس، فقال: إني لا أعود. فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارفع متاعك فقد كفيت)).

وأيضًا روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره, فقال له: اذهب فاصبر، فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق، ففعل؛ فجعل الناس يمرون ويسألونه، فيخبرهم خبر جاره فجعلوا يلعنونه، ففعل الله به وفعل، وبعضهم يدعو عليه، فجاء إليه جاره، فقال: ارجع, فإنك لن ترَ مني شيئًا تكرهه))، وهذا بمعنى الحديث السابق.

وروي عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أغلق بابه دون جاره؛ مخافة على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدتَ عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزّيته، وإذا مات تبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقُتار ريح قِدْرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهدِ له، فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده)).

يقول الإمام الحافظ المنذري: “رواه الخرائطي من (مكارم الأخلاق)”، قال الحافظ: “ولعل قوله: “أتدري ما حق الجار؟” إلى آخره من كلام الراوي غير مرفوع، لكن قد روى الطبراني عن معاوية بن حيدة قال: ((قلت: يا رسول، ما حق الجار عليّ؟ قال: إن مرض عدته، وإن مات شيّعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعوز سترته))” فذكر الحديث.

وروى أبو القاسم الأصبهاني, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطِه)) فذكر الحديث بنحوه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المؤمن الذي يشبع, وجاره جائع)).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا رسول الله اكسني، فأعرض عنه فقال: يا رسول الله، اكسني، فقال: أما لك جار له فضل ثوبين؟ قال: بلى غير واحد، قال: فلا يجمع الله بينك وبينه في الجنة)) رواه الطبراني في (الأوسط).

وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من جارٍ متعلق بجاره يقول: يا ربِّ، سل هذا: لِمَ أغلق عني بابه ومنعني فضله؟)) وهذا إنما يكون في يوم القيامة.

وعن عبد الله بن عمرو, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)).

وقد سبق هذا الحديث في أول الأحاديث, التي ذكرها الإمام الحافظ المنذري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يأخذ عني هذه الكلمات, فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيده فعد خمسًا، فقال: اتقِ المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)).

وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار, حتى ظننت أنه سيورّثه))؛ وذلك لعظم حق هذا الجار.

هذه إذًا جملة من الأحاديث نقلتها لكم؛ لتروا كيف يكون التعامل والإكرام والإحسان إلى الجار والقيام بحق هذا الجار, فالجار يجب أن يواسي جاره وأن يقوم بحقه وألا يمنع عنه خيره، حيث إن الجيران يمثلون وحدة من وحدات هذه الأمة، ولو صلحت هذه الوحدات لصلح المجتمع الإسلامي كله، ولشاع الودّ والحب والأمان والسلام بين الناس. ولو أن كل جار منع شره عن جاره, بل وتعدى هذا إلى أن يحسن إلى جاره، فليس المطلوب هو أن يمنع بوائقه أو أن يمنع شره، فالذي يكون فيه الشر لجيرانه نقص إيمانه لدرجة خطيرة، وإنما نتحدث عن جارٍ يتخطى هذا القدر إلى إكرام جيرانه والقيام بحقهم, والبحث عما يحتاجون ليقف بجوارهم، فهذه الصورة المشرفة المنيرة, المشرقة بتعاليم الله وتعاليم رسوله, تجعل أمة الإسلام أمة جديرة بالخيرية التي أراد الله لها أن تكون هكذا, حين قال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].

يقول الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: “حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به, بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتفقد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه… إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه؛ حسية كانت أو معنوية، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه، وهي مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار، وأن إضراره من الكبائر”.

قال: “ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع إرادة الخير له وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه ويرغّب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضًا، ويستر عليه زلـله عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فيه وإلا فيهجره قاصرًا تأديبه على ذلك، مع إعلامه بالسبب…” إلى آخر ما قال.

وقد أورد الإمام البخاري في باب “حق الجوار في قرب الأبواب”، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا)), قال في (الفتح): “أي: أشدهما قربًا، قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من الملمّات؛ ولا سيما في أوقات الغفلة”.

قال ابن أبي جمرة: “الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا”.

ويؤخذ من الحديث: أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى، وفيه تقديم العلم على العمل.

واختلف في حق الجوار؛ فجاء عن علي رضي الله عنه: “من سمع النداء, فهو جار”، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد, فهو جار. وعن عائشة: “حد الجوار أربعون جارًا, من كل جانب”.

ويذكر الإمام الغزالي -عليه رحمة الله- في حقوق الجوار: أن الجوار يقتضي حقًّا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أحسن مجاورة من جاورك؛ تكن مسلمًا))، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليكرم جاره))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد, حتى يأمن جاره بوائقه))، ثم يقول: “واعلم أنه ليس حق الجوار كفّ الأذى فقط، بل احتمال الأذى؛ فإن الجار أيضًا قد كف أذاه، فليس في ذلك قضاء حق، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف. إذ يقال: “إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة, فيقول: يا رب، سل هذا: لِمَ منعني معروفه وسد بابه دوني؟”.

وجملة حق الجار: أن يبدأه بالسلام، وألا يطيل معه الكلام، وألا يكثر عن حاله السؤال، وأن يعوده في المرض، وأن يعزيه في المصيبة، وأن يقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، وأن يصفح عن زلاته، وألا يتطلع من السطح إلى عوراته، وألا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصب الماء في ميزابه، ولا في مكان التراب في فنائه، وألا يضيق طرقه إلى الدار، وألا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، وأن يستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، وألا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، وألا يسمع عليه كلامًا، وأن يغض بصره عن حرمته، وأن يتلطف بولده في كلمته، وأن يرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه.

هذه إذًا جملة الحقوق التي هي لعامة المسلمين، فانظروا إلى هذا الذي ذكره الإمام الغزالي من حقوق الجوار؛ لتروا كيف أن هذه الحقوق لو أُديت على وجهها الصحيح, لكان فيها من ألوان السعادة والخير الكثير للمسلمين جميعًا.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)) وهذا معناه: أن الجار إنما يقبل من جاره ما يهدى إليه, مهما كان قليلًا حتى لو كان هذا القليل -كما ذكر الحديث- هو فرسن شاة وهو ظلف الشاه، وليس المقصود بذلك أن الجار سوف يقدم لجاره ظلف شاة، إنما هذا كناية عن قلة ما يهدى، وعلى المسلم والمسلمة أن يقبلا هذه الهدية.

قال صلى الله عليه وسلم: ((إن من سعادة المرء المسلم: المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهَنِيّ)).

وقال عبد الله: قال رجل: ((يا رسول الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت؟ قال: إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت فقد أسأت)). هذه هي أخلاق الإسلام، وهذا هو جوار المسلمين، وهو جوار يشيع أمنًا وسلامًا وحبًّا وسعادة وخيرًا، فلو أن المسلمين التزموا به لسعدت أمتهم.

error: النص محمي !!