Top
Image Alt

الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة

  /  الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة

الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة

الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة، ولسوف نسترشد بما اشتمل عليه كتاب (قصص العرب) ومن ينظر في فهرس هذا الكتاب، يجد أن أصحابه قد قسموا القصص العربية إلى:

– قصص تستبين بها مظاهر حياة العرب، وأسباب مدنيتهم، بذكر أسواقهم، وأجلاب تجارتهم، والمساكن التي كانت تؤويهم، وسائر ما كان على عهدهم من دلائل الحضارة، ووسائل العيش.

– وقصص تتضمن معتقداتهم، وأخبار كهانهم وكواهنهم، وتبسط ما كانوا يعرفون من حقائق التوحيد، والبعث والدار الآخرة، وما كانوا يتوسلون به من إقامة الأوثان، وتعهدها بألوان الزلفى والقربان.

– وقصص تجلو علومهم ومعارفهم، وتتوضح منها ثقافتهم، وما كان متداولًا بينهم من مسائل العقل والنقل، التي هدتهم إليها فطرهم، أو أنهتها إليهم تجاربهم.

– وقصصٍ يُرَى مِنها ما كانوا يتغنون به من المكارم والمفاخر، وما كانوا يتزممون به من المناقص والمعرات، سواء أكان ذلك متصل بكل منهم في نفسه، أم فيما يتصل بالأقربين من ذويه، أم فيما يضم أهل قبيلته، أم فيما يشمل الناس جميعًا.

– وقصص تعدد غرائزهم وخصالهم، فتكشف ما طبع عليهم من وفرة العقل، وحدة الذكاء وصدق الفراسة، وقوة النفس، وما أهلتهم له طبيعة بلادهم، وأسلوب حياتهم من شريف السجايا، وممدوح الخصال.

– وقصص تشرح ما أثر عنهم من عادات وشمائل في الأسباب الدائرة بينهم، وتبين ما انتهجوه في مواسمهم وأعيادهم، وأفراحهم، وأعراسهم، مما يمثل حياتهم الاجتماعية أصدق تمثيل.

– وقصص تمثل أحوال المرأة العربية، وما تجري عليه في تربية أطفالها، ومعاشرتها زوجها، ومعاونتها له في الحياة الاجتماعية والمدنية، بالسعي في سبيل الرزق، والاشتراك في خوض معامع الحروب، والأخذ بالقسط من الثقافة الأدبية السائدة في ذلك العهد.

– وقصص تمثل ذلاقة لسانهم، وحكمة منطقهم، وما ينضاف إلى ذلك من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى، وجمال الأسلوب، وحسن التصرف في الإبانة والتعبير.

– وقصص تسرد بارع ملحهم، ورائع طرفهم في جواباتهم المسكتة، وتصرفاتهم الحكيمة وتخلصاتهم اللبقة، مما يدل على حضور الذهن، وسرعة البديهة، وشدة العارضة.

– وقصص تُعرب عما يقع بين العامة والملوك والقواد، والرؤساء، والقضاة ومن إليهم من كل ذي صلة بالحكم والحكام، مما تناول حيلهم في المنازعات والخصومات، ويوضح طرائقهم في رفع الظلمات، ورجع الحقوق، وما يجري هذا المجرى.

– وقصص تصور احتفاظهم بأنسابهم، واعتزازهم بقبائلهم، وتمجيدهم للأسلاف، وتعديدهم ما تركوا من مآثر، وما أدى إليه ذلك من مفاخر ومنافرات.

– وقصَصٍ تنقل ما كانوا يتفكهون به من أسمار، ومطايبات ومناقضات وأفاكيه، مما نال به المحدثون والندماء ثني الجوائز والخلع من الخلفاء والوزراء، وما ارتفعت به مكانتهم عند السادة والوجوه في المجتمعات والمنتديات.

– وقصص تؤرخ مذكور أيامهم، وتفصل مشهور وقائعهم، ومقتل كبائرهم، وتصف الحروب والمنازعات التي كانت تدور بين قبائلهم، أخذًا بالثأر وحماية للذمار.

– وقصص تحكي ما كان للجند من أحداث، وأحاديث الغارات والغزوات والفتوح مصورة نفسيتهم وأحمالهم، واصفة تطوراتهم العقلية والخلقية بنشأة الدولة العربية، وانفساح رقعتها، مفصلة عددهم وآلاتهم وأسلحتهم في حياتهم الجديدة.

لكن الملاحظ مع هذا كله أن العرب القدماء لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص، كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب، رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا ومتنوعًا، ورائعًا، وهو أمر يبعث على الاستغراب، ولعل السياق هنا يتطلب مناقشة ما قالته الدكتورة “ألفت الروبي” في الصفحات الأولى من كتابها (بلاغة التوصيل وتأسيس النوع) من أن الفن القصصي كان مهمشًا، وغير معترف به عند العرب، ذلك أن حكمها هذا حكم خاطئ تمامًا، ولو أنها قالت أنه كان مهمشًا في كتابات النقاد القدماء، فلم يتناولوه بالتحليل الفني، واكتفوا في الحالات التي وقعت لنا على الأقل بالأحكام الانطباعية التي يبدون فيها إعجابهم بالعمل الذي يتحدثون عنه، لكان في كلامها صحة.

وكيف يكون القصص لدى العرب مهمشًا، وغير معترفًا به، وقد تركوا لنا كل هذا الكم الوفير من القصص؟ وكذلك كيف يكون هذا الفن مهمشًا، وغير معترف به عندهم، وقد ألف فيه كبار الكتاب كابن المقفع وسهل بن هارون والجاحظ وأبي الفرج الأصفهاني، وابن شريد وأبي علاء المعري وبديع الزمان الهمذاني، وياقوت الحموي والزمخشري، وابن الجوزي، والقاضي التنوح والإبشيهي، وابن عرب شاة؟.

وكيف يكون هذا الفن مهمشًا، وغير معترفًا به، وها هم هؤلاء الكتاب الكبار يبدون إعجابهم بالأعمال القصصية؟ والعجيب أنها تعود فتقول في الفصل الثاني من الكتاب: “إن الكتابة النثرية العربية قد اتخذت مسارات قصصية متعددة، فكيف يصح هذا مع قولها: إن هذا اللون من الكتابة كان مهمشًا، وغير معترفًا به عند العرب؟

وبالمثل قد أخطأت خطأ آخر حين زعمت أن الشكل القصصي قد تولد من رحم الرسالة في نصي “رسالة الغفران” و”رسالة التوابع والزوابع”، إذ الفن القصصي كما رأينا كان معروفًا عند العرب منذ الجاهلية، وبعد الإسلام نجد لدينا عبيدة بن شرية، وابن المقفع، وسهل بن هارون والجاحظ… إلخ.

وكل هؤلاء سابقون على المعري وابن شهيد كما هو معلوم، ولن نتحدث عن القرآن والأحاديث، وما فيهما من قصص، فما قالته إذًا هو حكم متعجل لا عمق، ولا روية فيه.

error: النص محمي !!