Top
Image Alt

المياه الطاهرة التي يجوز التطهر بها

  /  المياه الطاهرة التي يجوز التطهر بها

المياه الطاهرة التي يجوز التطهر بها

إن الأصل في المياه أنها طاهرة بخلق الله تعالى لها، وبجعل الله لها سببًا للطهارة والنظافة، كما جاء في قوله تعالى: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، وقوله في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

وفي هذه الآية نداء من الله -تبارك وتعالى- إلى المؤمنين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة، فعليهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأن يمسحوا رءوسهم، وأن يغسلوا أرجلهم إلى الكعبين، وهذه هي الطهارة الصغرى أو الوضوء، وتلك هي أعضاء الوضوء: الوجه، واليدان إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين.

ثم انتقلت الآية إلى شيء أكبر من الوضوء وهو الغسل {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وطهارة الجنابة هي تعميم جميع البدن -الجسم- كله بالماء الطاهر.

ثم انتقلت إلى بيان رخصة التيمم: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} أي: لا تقدرون على استعمال الماء، ولا تقدرون على الغسل بالماء، {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} في صحراء، {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} انتقض وضوءه {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} سواء كان اللمس المعتاد أو الجماع، على خلاف بين الفقهاء { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} هذه هي الرخصة؛ الطهارة البديلة عن الطهارة بالماء، ونقصد بها { صَعِيدًا طَيِّبًا} أي: ترابًا غبارًا طاهرًا، هذا معنى طيبًا، فنضرب عليه ضربتين؛ ضربة نمسح بها الوجه، وضربة نمسح بها اليدين { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}.

وقد جعل الله لنا هذه الطهارة الأصيلة ثم الطهارة البديلة؛ لأن الله لا يريد أن يقع علينا حرج: { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ولكنه سبحانه وتعالى يريد طهارتنا ونظافتنا { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذا هو الأصل.

وقد اتفق الفقهاء على أن الماء المطلق -وهو غير الموصوف بصفة، مثل: ماء شربات، أو ماء الورد، أو ماء اللبن، أو ماء “بيبسي”- رافع للحدث؛ أي: الوضوء أو الغسل رافع للحدث الأصغر أو الأكبر، مزيل للخبث أي: النجاسات والأقذار؛ للآيات السابقة، ولحديث أسماء -رضي الله تعالى عنها- قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: ((تحتّه ثم تقرصه بالماء)) تحته أي: تفركه إذا كان جافًّا، ثم تقرصه أي: تغسله بالماء، ((ثم تنضحه)) أي: ترشّ عليه بعض الماء، ((ثم تصلي فيه)) متفق عليه.

وقد قسم الفقهاء المياه التي يجوز التطهّر بها، والتي لا يجوز التطهّر بها إلى عدة أنواع:

النوع الأول: ماء طاهر في نفسه، مطهّر لغيره، غير مكروه استعماله، وهو الماء المطلق؛ الماء الباقي على خِلْقته الأصلية، أو هو الذي لم يخالطه ما يصير به الماء مقيدًا، فنقول: ماء زهر أو ماء ورد أو ماء شربات، وهذا الماء المطلق كماء السماء، وماء البحر، وماء البئر، وماء النهر، وماء العين، وماء الثلج، وماء البَرَد، هذا الماء المطلق يرفع الحدث، ويزيل الخبث باتفاق الفقهاء، وبلا أي كراهة.

ويلحق به عند جمهور الفقهاء أيضًا الماء المطلق الذي تغيّر بطول مُكْثه، فأحيانًا ما يكون الماء في بحيرةٍ ما ماء كثيرًا أو في نهر، لكنه راكد بطول المكث، فتختلط به الطحالب وأوراق الأشجار فتُغير طعمه أو لونه، لكنه باقٍ على طهارته؛ لأنه لم تنزل به نجاسة، فهذا ملحق بالماء المطلق؛ لأن تغيره بنفسه. فالماء الذي تغير بطول المكث أو بما هو متولد منه كالطحلب هو من النوع الأول من المياه الطاهرة التي يجوز التطهر بها.

النوع الثاني: ماء طاهر مطهر لكن مع الكراهة، فيكره استعماله في الطهارة؛ لأنه استُعمل قبل ذلك، وهو الماء المستعمل فهو طاهر، ولو أصاب الثياب فلا تعد نجسة، وهو ماء مستعمل في رفع حدث أو إزالة خبث، وما شرب منه حيوان غير طاهر وهو ماء قليل، أو ولغ فيه كلب، أو وقعت فيه نجاسة قليلة، ونحو ذلك، فهذا الماء يسمى ماء مستعملًا.

فالماء المستعمل وإن كان طاهرًا في نفسه، ويمكن أن يطهر غيره أو يمكن التطهر به، إلا أن جمهور الفقهاء على أنه مكروه؛ أي: يُكره استعماله في رفع حدث آخر، أو إزالة خبث آخر.

النوع الثالث: ماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وذلك كما يقول الحنفية: الماء المستعمل في رفع حدث أو إزالة خبث؛ فجمهور الفقهاء على أن الماء المستعمل مطهر مع الكراهة بينما الحنفية قالوا: لا يطهر.

أما هذا النوع عند جمهور الفقهاء فهو الماء الذي تغير طعمه أو لونه أو ريحه، بما خالطه من الأعيان الطاهرة تغيرًا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، فمن يراه لا يقول: إنه ماء، وإنما يقول: إنه شيء آخر غير الماء.

النوع الرابع من المياه: ماء نجس؛ وهو الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وهو القليل أو الكثير الذي غيّرته النجاسة، فما دامت النجاسة قد غيرته فهو ماء يوصف بأنه نجس، ولا يصح أن يرفع به الحدث، ولا يزال به النجس باتفاق الفقهاء.

النوع الخامس: ماء مشكوك في طهوريته، وهو ما شرب منه بغل أو حمار؛ لأن هذين الحيوانين لا يتحرزان من النجاسة أو أكل النجاسات، فإذا شربا من ماء فإنه ينجس بشربهما، وهذا الماء مشكوك في طهوريته؛ هذا عند الحنفية.

النوع السادس والأخير: ماء محرّم، وهو ماء آبار ثمود، أو الماء المغتَصب، والماء الذي اشتريته بثمن حرام، فهذه الأنواع من المياه عند الحنابلة فقط -وليست عند الجميع- مياه محرمة؛ فلا يصح التطهر بها عندهم.

error: النص محمي !!